ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١١٧
النجاسة تغليظ الحكم أو الوسط لأنه الأغلب ظاهر المصنف في النهاية الأول حيث قال و يعتبر ما هو الأحوط
و في الذكرى ينبغي فرض مخالف أشد أخذا بالاحتياط و الثاني منسوب إلى بعض المتأخرين و يحتمل اعتبار الأقل تغليبا لجانب الطّهارة و قد مرّ ما يؤيّده أيضا في باب المضاف و اعتبر بعضهم اعتبار أوصاف الماء وسطا نظرا إلى شدة اختلافها في قبول التغير و عدمه كالعذوبة و الملوحة و الرقة و الغلظة و الصّفاء و الكدرة و هو مشكل إذا لم يكن الماء خارجا عن أوصافه الأصلية أو كان على الوصف القوي و لو اشتمل الماء على صفة يمنع من ظهور التغير فيه فالظاهر وجوب تقدير خلو الماء عن ذلك الوصف لتحقق التغير حقيقة
غاية الأمر أنه مستور عن الحس و قد نبّه عليه الشهيد في البيان و لو شكّ في استناد التغير إلى النجاسة لم ينجّس لقول الصّادق ٧ كل ماء طاهر حتى تعلم أنه قذر الثاني عدم نجاسة الجاري بدون التغير و أطلق المصنف هنا و في باقي كتبه اعتبر الكثرة في هذا الحكم فبدونها ينجس بالملاقاة عنده
و المشهور الأول نقل ابن زهرة إجماع الفرقة عليه و يظهر ذلك من كلام الشيخ في الخلاف و المحقق في المعتبر أيضا و قال الشهيد في الذكرى أنه لم نقف في ذلك على مخالف مما سلف و استقربه الشهيد الثاني لتصريح المصنف باعتبار الكرية و فيه أن الظاهر أنّ مراده بمن سلف من تقدّم على المصنف لأنه قد نقل عن المصنف اعتبار ذلك بغير فصل و المشهور لا يخلو عن رجحان و تدلّ عليه العمومات الدالة على طهورية الماء إلّا ما خرج بالدليل كقول الصادق ٧ في صحيحة محمّد بن حمران و جميل فإنّ اللّٰه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا و قوله ٧ في موثقة سماعة فإن اللّٰه جعلهما طهورا الماء و الصّعيد
و العمومات الدالة على جواز استعمال الماء بدون التغير كصحيحة حريز و رواية أبي خالد القماط و غيرهما خرج الواقف القليل فيبقى غيره داخلا في عموم الخبر
و أما الأخبار الدالة على انفعال القليل بالملاقاة فبعضها لا عموم فيها حتى يشمل محل النزاع كقوله ٧ إذا بلغ الماء كرا لم ينجّسه شيء إذ العموم في مفهومه غير ثابت فيحمل على الأمر المنفي و بعضها مختصّ بالأواني و أمثالها كما سيجيء و بعضها المتبادر منها ذلك
نعم روى الشيخ في الصّحيح عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى ٧ قال سألته عن الحمامة و الدجاجة و أشباههنّ تطأ العذرة ثم تدخل في الماء يتوضأ منه للصلاة قال لا إلّا أن يكون الماء كثيرا قدر كر من ماء و هذا بعمومه شامل لمحل النزاع و هو معارض للأخبار السّابقة و مخصّص لها أما بالنّسبة إلى ما يدل على طهارة الماء مطلقا فلكونه أخصّ منه مطلقا
و أمّا بالنّسبة إلى ما يدل على عدم الانفعال بدون التغير فهو و إن كان أعمّ من وجه لكن تخصيصه به ينافي القول بانفعال القليل بالملاقاة لكن لقائل أن يقول ليس المفرد المعرف باللام على حدّ الصّيغ الموضوعة للعموم و إنما يحمل على العموم من حيث أن إرادة البعض من غير مساعدة قرينة دالة عليه ترجيح من غير مرجّح و الإجمال ينافي الحكمة و هذا إنما يتم إذا لم يكن للحمل على البعض مرجّح
و حينئذ نقول من الجائز إن لم يكن القليل من الجاري شائعا في بلد السّائل و المسئول عنه خصوصا في المواضع التي يتعارف أن تطأه الدّجاجة و الحمامة و أشباههنّ كالدّور و المساكن و حمل المفرد المعرّف باللام على الأفراد الشائعة التي تتبادر إليه الأذهان غير بعيد فليحمل عليه صونا للأخبار الكثيرة المؤيدة بالشهرة المعتضدة بنقل الإجماع و المؤيّدات الآتية إلّا بالقدر المتحقق
و أما المؤيدات فمنها صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرّضا ٧ قال ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلّا أن يتغير ريحه أو طعمه فينزح حتّى يذهب الريح و يطيب طعمه لأنّ له مادة و هذا الخبر قد جعله غير واحد من الأصحاب من جملة الأدلة و لي فيه تأمّل لأن التحقيق في العلّة المنصوصة أن الحكم يتعدى إلى كل موضع يوجد فيه العلّة إذا شهدت الحال و القرائن على أن خصوص متعلقها الأول لا مدخل له في الحكم لا مطلقا و إثبات الشهادة المذكورة هاهنا لا يخلو عن إشكال و ما قيل من أن خصوصية البئر لا يصلح للتعليل و شهادة الحال بذلك ظاهرة لمن أحاط خبرا بأحكام البئر
و حينئذ ينحصر المقتضي لنفي الانفعال في وجود المادة و هي موجودة في مطلق النابع فإتمامه على وجه يطمئن القلب مشكل على أنّ قوله ٧ لأنّ له مادة يجوز أن يكون تعليلا لقوله فينزح حتّى يذهب الريح و حينئذ لا يتم الاستدلال
و منها صحيحة محمد بن إسماعيل قال سمعت رجلا يقول لأبي عبد اللّٰه إني أدخل الحمام في السحر و فيه الجنب و غير ذلك فأقوم و أغتسل فينضح على بعده أفرع من مائهم قال أ ليس هو جار قلت بلى قال لا بأس و منها صحيحة داود بن سرحان قال قلت لأبي عبد اللّٰه ٧ ما تقول في ماء الحمام قال هو بمنزلة الجاري و استدلّ عليه أيضا بوجوه
الأول أصالة الطهارة فإن الأشياء كلها على الطهارة إلّا ما نص الشارع على نجاسته لأنها مخلوقة لمنافع العباد و لا يتم النفع إلّا بها و الحق أن إثبات أصالة الطهارة بالدليل العقلي متعذر أو متعسّر و ما ذكره في بيانه ضعيف لحصول المنافع بالنجس أيضا
الثاني قول الصادق ٧ في ما روي عنه بطرق متعددة كل ماء طاهر حتى تعلم أنه قدر و فيه نظر لأن الظّاهر المعلوم القدر من الخبر أن الماء على الطهارة إذا شك في عروض النجاسة له لا إذا شكّ في كون الشيء سببا للنجاسة شرعا أم لا فإن الحمل على أنّ الجهل بالحكم الشرعيّ موجب للطهارة بعيد غير مأنوس بل الأقرب أن يكون المراد أن كل ماء طاهر حتى يعلم أنه بعض الأشياء المتّصفة بالنجاسة لا أنّ كل ماء طاهر حتى يعلم اتصافه بالنجاسة و بين المعنيين فرق
و قد وقع نظير ذلك مفسّرا في كلام الصادق ٧ فروى مسعدة بن صدقة عنه ٧ قال سمعته يقول كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك و ذلك مثل الثوب قد اشتريته و هو سرقة أو المملوك عندك و لعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع أو قهرا أو امرأة تحتك و هي أختك أو رضيعتك و الأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة
الثالث صحيحة الفضيل عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال لا بأس أن يبول الرّجل في الماء الجاري و فيه ضعف
الرابع الإجماع الذي يظهر من كلام المعتبر مؤيدا بكلام الشهيد في الذكرى و إثباته مشكل احتج المصنف بقوله ٧ في صحيحة معاوية ابن عمار و محمد بن مسلم إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء و الجواب أنه لا عموم لمفهومه فيحمل على القدر المتيقن إبقاء للمنطوق المعتضد بالشهرة و الأمارات على عمومه إلّا فيما اقتضاه الدليل
و اعلم أن الشهيد في الدروس اشترط دوام النبع في عدم انفعال القليل من الجاري بالملاقاة و تبعه بعض المتأخرين و هذا الشرط لا يخلو عن إجمال و نقل عن المتأخرين في تفسيره وجهان
الأول أنّ المراد بالدّوام عدم الانقطاع في أثناء الزمان ككثير من المياه التي يخرج في زمان الشتاء و ينقطع في الصّيف و اعترض عليه بأنّ هذا المعنى و إن كان له قرب بالنظر إلى ظاهر اللفظ لكنه مستبعد في نفسه جدا لأنه لا شاهد له من الأخبار و لا يساعد عليه الاعتبار فهو تخصيص لعموم الدليل بمجرد التشهي و ذكر الفاضل الشيخ على أنّ أكثر المتأخرين عن الشهيد ره ممّن لا تحصيل لهم فهموا هذا المعنى من كلامه و هو منزه عن أن يذهب إلى مثله فإنه تقييد لإطلاق النص بمجرّد الاستحسان و هو أفحش أغلاط الفقهاء و بالغ في توجيه فساده حتى قال إنه ليس محط نظر فقيه فيحتاج إلى الكلام عليه و الاعتناء بردّه
الثاني ما فهمه الفاضل الشيخ علي و جعله الظّاهر و هو أن المراد بدوام النبع استمراره حال الملاقاة و استحسنه بعض المتأخرين و قال في تقريبه ما ملخصه أنّ مناط الحكم لعدم انفعال القليل من الجاري بالملاقاة وجود المادة و هو متخلف في مثل القليل الذي يخرج بطريق الترشح إذ ليس له فيما بين زماني الترشح مادة فيحصل الشكّ عند الملاقاة فيلزم الحكم بالانفعال عملا بالعموم الدال عليه السّالم عن معارضة وجود المادة و الشرط المذكور لإخراج ذلك و لولاه لكان داخلا لصدق النبع عليه
ثم أورد أن ما هذا شأنه ربما حصل له في بعض الأوقات قوة بحيث يظهر وجود المادة فيلزم عدم الانفعال حينئذ مع أن ظاهر الشرط يقتضي نجاسته
ثم قال و يمكن أن يقال الشرط منزل على الغالب من عدم العلم بوجود المادة في مثله وقت الملاقاة و يكون حكم ذلك الفرض النّادر محالا على الاعتبار و هو شاهد بمساواته للمستمر
و لا يخفى عليك أنّ التقريب الذي ذكره محل التأمّل لأن الأدلة الدالة على انفعال القليل بالملاقاة لا عموم له بحيث يشمل ما نحن فيه على أن انفعال القليل في النبع لا يقدح في صدق المادة عرفا و يمكن التوجيه بأن المراد بدوام النبع ما يحترز به عما كان له نبع ثم انقطع بحيث لا يصدق عليه الجاري و النابع عرفا فإذا لاقاه حينئذ نجس و حينئذ يتم الاشتراط لكنه مع كونه خلاف ظاهر العبارة لا يزيد على اشتراط النبع فتدبر
فإن تغير نجس المتغير خاصّة هذا الحكم يختلف باختلاف الماء بحسب القلة و الكثرة و الاستواء و عدمه و استيعاب النجاسة عمود الماء و عدمه و تمام الكلام فيه يحتاج إلى تمهيد بحث هو