ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١١٦
له تعارض كتوقفه على اعتبار متعذّرا و غير ذلك
الرابع وقع الشك في كون الشيء الفلاني هل هو رافع للحكم المذكور أم لا و الخبر المذكور إنما يدل على النهي عن النّقض بالشك و إنما يعقل ذلك في الصّورة الأولى من تلك الصّور الأربعة دون غيرها من الصّور لأن في غيرها من الصّور لو نقض الحكم بوجود الأمر الّذي شك في كونه رافعا لم يكن النقض بالشك بل إنما حصل النقض باليقين بوجود ما يشك في كونه رافعا أو باليقين بوجود ما يشك في استمرار الحكم معه لا بالشكّ فإن الشّك في تلك الصور كان حاصلا من قبل و لم يكن بسببه نقض و إنما حصل النقض حين اليقين بوجود ما يشك في كونه رافعا للحكم بسلبه لأن الشيء إنما يستند إلى العلة التامة و الجزء الأخير منه فلا يكون في تلك الصّور نقض للحكم اليقيني بالشك و إنما يكون ذلك في صورة خاصّة غيرها فلا عموم في الخبر
و ممّا يؤيد ذلك أن السّابق على حدّ الكلام في الرواية و الذي جعل هذا الكلام دليلا عليه أحكام من قبيل الصورة الأولى فيمكن حمل المفرد المعرّف باللام عليه إذ لا عموم له بحسب الوضع بل هو موضوع للعهد كما صرّح به بعض المحققين من علماء العربيّة و إنما دلالته على العموم بسبب أن احتمال في مثل هذه المواضع ينافي الحكمة و تخصيصه بالبعض ترجيح من غير مرجّح
و ظاهر أن الفساد المذكور إنما يكون حيث ينتفي ما يصلح بسببه الحمل على العهد و سبق الكلام في بعض أنواع الماهية سبب ظاهر لصحة الحمل على العهد من غير لزوم فساد نعم يتجه ثبوت العموم في جميع أفراد النّوع المعهود و ليس هذا من قبيل تخصيص العام ببنائه على سبب خاص كما لا يخفى على أن الاستدلال في المسألة الأصولية بأخبار الآحاد ممّا منعه جماعة من المحققين بل نقل عليه الإجماع و هذا أيضا يوجب وهن هذا الاستدلال على هذا الوجه مع أنّ الخبر بظاهره مختصّ بحكم يكون له استمرار لأن ظاهر النقض ذلك فلا دلالة في الخبر على ما نحن فيه أصلا و أمّا تفصيل أحكام تلك الصّور مع قطع النظر عن هذا الخبر فليس هذا موضع بيانه فتدبر جدا
و يمكن أن يقال إن الماء بعد الامتزاج طاهر أمّا المطلق الّذي صار مضافا فلأن الأصل في كل شيء الطهارة ما لم تثبت النجاسة و لم تثبت النجاسة هاهنا كما عرفت و أمّا المضاف فبعين هذا الدليل لأن الثابت كان نجاسته إلى زمان الملاقاة و بعد الملاقاة فنجاسته مشكوك فيه و الأصل الطّهارة و هذا أيضا عندي منظور فيه لأنا لا نسلم أن الأصل في كلّ شيء الطّهارة لأن الطهارة و النجاسة حكمان شرعيان و كل منهما يعلم ببيان الشّارع و لا شيء يدل على عموم الطهارة في كل شيء إلا ما يخرج بالدّليل و ربما يوجد ذلك في الماء المطلق حسب
لا يقال رواية عمار السّاباطي في الموثق عن أبي عبد اللّٰه ٧ كل شيء نظيف حتى يعلم أنه قذر يدلّ على ذلك
لأنا نقول قدر الذي يعلم دلالة الخبر عليه أن الأشياء طاهرة عند الجهل بعروض النجاسة أو كونها إحدى النجاسات لا عند الجهل بكونه نجسة أم لا شرعا و سيجيء زيادة بيان لذلك و ما نحن فيه من قبيل الأخير فعلم أن إثبات هذا الأصل لا يخلوا عن إشكال
نعم إن قلنا أن الأصل في الأشياء الإباحة لزم جواز الشرب من مثل هذا الماء لكن البراءة اليقينية تقتضي تنزيه الجسد و الثّياب عنه في الصّلاة و الوضوء و الوضوء بغيره و على ما ذكرنا لو لم يوجد إلّا ماء قليل لا يكفي للطهارة لكن يمكن إتمامه بشيء من الماء المفروض بحيث لا يسلبه الإطلاق أو قلنا بجواز الطهارة بالماء المضاف و لم يوجد غيره ماء آخر ففي وجوب الطهارة به إشكال
و يمكن ترجيح الوجوب في الأوّل بأن الماء القليل الّذي تم به طاهر بمقتضى العمومات الدّالة على طهارة المياه إلّا ما أخرج بالدليل و بهذا الوجه يمكن تخريج الطّهارة في محل البحث لكن لا يخلو عن تكلّف و لو كان الثوب نجسا و كان المكلف مضطرا بلبسه
و لا يمكن تطهيره إلّا بهذا الماء لم يبعد الوجوب تحصيلا للبراءة اليقينية إن قلنا بجواز التّطهير بالمياه المضافة و ممّا ذكرنا علم وجه التردد أيضا في طهارة المضاف النّجس في صورة اتّصاله بالمطلق من غير امتزاج مزيل للاسم
و استدلّ على الاشتراط بقاء الإطلاق بأن المضاف يتوقف طهره على شيوعه في المطلق بحيث يستهلك و هذا لا يتم بدون بقاء المطلق على إطلاقه و إذا لم يحصل الطهارة للمضاف و صار المطلق لخروجه عن الاسم قابلا للانفعال فلا جرم ينجس الجميع و في توقّف طهر المضاف على ما ذكره منع واضح و قد يقال معترضا على عدم اشتراط بقاء الاسم طهارة النجس متوقفة على شيوع الماء الطاهر في جميع أجزائه و اختلاطها به و ذلك غير معلوم على أنه بالشيوع ينفصل أجزاء المطلق بعضها عن بعض فيزول وصف الكثرة فينجس بالملاقاة و هو ضعيف و قيل في الاحتجاج على عدم اشتراط بقاء الاسم أن بلوغ الكرية سبب لعدم الانفعال من دون التغير بالنجاسة فلا يؤثر المضاف في تنجيسه باستهلاكه إياه لقيام السبب و ليس ثمّ عين نجسة يشار إليها يقتضي التنجيس
و فيه ضعف لأن المقتضي لما ذكره الكرية مع الإطلاق و اللازم من ذلك ثبوت الحكم الّذي ذكره ما دام ماء مطلقا و مع استهلاك المضاف للمطلق يرتفع الوصف المقتضي له و قيل في الاحتجاج لاشتراط عدم التغيير أن المضاف بعد تنجيسه صار في حكم النجاسة و كما ينجس الملاقي له ينجس المتغير به و ضعفه ظاهر إذ لا نسلم أنه صار في حكم النّجاسة إن أراد بذلك جميع الأحكام و إلّا لم يفد
و لا يخفى أن محلّ البحث بالنظر إلى القول الأخير على ما إذا بقي المضاف في الكثير فلو انعكس الفرض وجب الحكم بعدم الطهارة جزما لأن مكان المضاف متنجس به و ما لم يصر مطلقا لا يطهر فترده إلى النّجاسة لملاقاته إياه
الثّاني الجاري
من الماء المطلق و المراد به النّابع غير البئر سواء جرى على وجه الأرض أم لا و الجاري لا عن مادة لا يسمّى جاريا عرفا
و لا ينجس
الجاري إلّا بتغير أحد أوصافه الثلاثة و المراد بها اللون و الطّعم و الرائحة دون غيرها من الصّفات بالنجاسة فلو تغيّر في أحد أوصافه بالنجس أو بمجاورة النجاسة لم ينجس خلافا للشيخ في الحكم الأوّل على ما أشرنا إليه في بحث المضاف
و كلام المصنّف يشتمل على حكمين الأول نجاسة الجاري بالتغيير المذكور و هو مذهب العلماء كافة على ما ذكره المصنف و المحقق و يدل عليه من طريق العامّة قوله٦خلق اللّٰه الماء طهورا لا ينجسه شيء إلّا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه و من طريق الخاصّة صحيحة حريز عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء و اشرب فإذا تغير الماء تغير الطعم فلا تتوضأ و لا تشرب و رواية أبي خالد القماط أنه سمع أبا عبد اللّٰه ٧ يقول في الماء يمرّ به الرجل و هو نقيع فيه الميّتة و الجيفة إن كان الماء قد تغيّر ريحه أو طعمه فلا تشرب و لا تتوضأ منه و إن لم يتغير ريحه و طعمه فتوضأ و اشرب
و لا يخفى أن الأخبار الخاصيّة غير مشتملة على ذكر اللون فيما اعلم لكن كفى لمستنده الخبر الأوّل و إن كان عاميّا لعمل الأمة بمدلوله و قبولهم له على أن الحسن بن أبي عقيل ادعى أنه قد تواتر عن الصّادق عن آبائه : أن الماء طاهر لا ينجسه شيء إلّا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته
ثم المعتبر من التغيير عند أكثر الأصحاب ما يظهر للحس فلو كانت النجاسة مصلوبة الصّفات لم تؤثر في الماء و إن كثرت لانتفاء التغير الذي هو مناط التنجيس و المصنّف ره ذهب إلى وجوب تقدير المخالفة في النجاسة محتجا بأن التغيّر الّذي هو مناط النّجاسة دائر مع الأوصاف فإذا فقدت وجب تقديرها و هو إعادة للمدعى
و احتج عليه فخر المدققين بأن الماء مقهورا بالنّجاسة لأنه كلما لم يكن الماء مقهورا بالنجاسة لم يتغيّر بها على تقدير المخالفة و ينعكس بعكس النقيض إلى قولنا كلما تغير على تقدير المخالفة كان مقهورا و يتوجه عليه منع كلية الأولى فإن المخالف يقول بعدم المقهورية مع تغيّره بالنجاسة على تقدير المخالفة
و قد يقال يمكن الاحتجاج بأن المضاف المسلوب الأوصاف لو وقع في الماء وجب اعتباره إما بقلة الأجزاء و كثرتها أو بتقديره مخالفا في الأوصاف على اختلاف القولين و إذا وجب الاعتبار في الجملة للمضاف فالنجاسة أولى و لأن عدم وجوب التقدير يفضي إلى جواز الاستعمال و إن زادت النجاسة على الماء أضعافا و هو كالمعلوم البطلان فوجب تقدير الأوصاف لأنها مناط التنجيس و عدمه و أنت خبير بأن الراجح في باب المضاف الاعتبار بصدق الاسم دون غيره فلا يتم ما ذكره أولا
و أيضا الأمر المعلوم المنع من الاستعمال عند استهلاك النجاسة الماء لكثرتها و ذلك لا يقتضي وجوب التقدير و المنع عن ذلك الماء إذا لم تكن النجاسة بهذه المرتبة من الكثرة فظهر أن قول الأكثر لا يخلو عن قوة و هل المعتبر على القول بتقدير المخالفة و هو الوصف الأشد كحدة الخلّ و ذكاء المسك و سواد الحبر لمناسبة