ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١١٣
خلاف دعواه أمكن إن أريد به إجماع أكثر الفقهاء إذ لم يوافقه على ما ذهب إليه من وصل إلينا خلافه و اعترض عليه بأنّ وفاق المفيد له محكي في غير موضع من كتب الأصحاب و قد حكاه هو أيضا في بعض كتبه قال المحقق بعد ما ذكر إضافة المفيد و المرتضى القول بالجواز إلى مذهبنا
أما علم الهدى فإنه ذكر في الخلاف أنه إنّما أضاف ذلك إلى المذهب لأن من أصلنا العمل بدليل العقل ما لم يثبت الناقل و ليس في الأدلة العقليّة ما يمنع من استعمال المائعات في الإزالة و لا ما يوجبها و نحن نعلم أنّه لا فرق بين الماء و الخل في الإزالة بل ربما كان غير الماء أبلغ فحكمنا حينئذ بدليل العقل و أمّا المفيد فإنه ادعى في مسائل الخلاف أن ذلك مرويٌّ عن الأئمّة : قال المحقق أما نحن فقد فرقنا بين الماء و الخل فلا يرد علينا ما ذكره علم الهدى و أما المفيد فنمنع دعواه و نطالبه بنقل ما ادّعاه
الثاني قوله تعالى وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ أنه أمر بتطهير الثوب و لم يفصل بين الماء و غيره و يرد عليه أنّ الطهارة في الآية إما أن تكون محمولة على المعنى الشرعي بناء على ثبوته أو يكون محمولة على المعنى اللغوي
أمّا على المعنى الأول فلا نسلّم حصولها على تقدير الغسل بغير الماء لا بدّ لذلك من دليل و على الثّاني نقول مقتضى الآية وجوب تطهير الثياب بهذا المعنى و لا يلزم من ذلك جواز الدخول في الصّلاة مع الثوب الطاهر بهذا الوجه لا بد له من دليل
و ممّا يضعف هذا الاستدلال الأخبار الدالة على أن المراد به التشمير أو التقصير كحسنة عبد اللّٰه بن سنان عن الصادق ٧ في قول اللّٰه عز و جل وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ قال و ثيابك ارفعها لا تجرها فإذا قام قائمنا كان هذا اللباس و في بعض الروايات عن أبي الحسن ٧ أن اللّٰه عز و جل قال لنبيّه (صلى اللّٰه عليه و آله)وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ و كانت ثيابه طاهرة و إنما أمره بالتشمير و عن سلمة بياع القلانس قال كنت عند أبي جعفر ٧ إذ دخل عليه أبو عبد اللّٰه ٧ فقال يا بني أ لا تطهر قميصك فذهب فظننا أن ثوبه قد أصابه شيء فرجع قال إنه هكذا فقلنا جعلنا فداك ما القميصة فقال كان قميصه طويلا فأمرته أن يقصّره إن اللّٰه عز و جل يقول وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ
و قد نقل في تفسيرها أقوالا مختلفة فقيل إنّ المراد تقصير الثياب و قيل فطهر عن أن تكون مغصوبة أو محرمة و قيل المراد نفسك فطهّر من الرذائل قيل و سئل ابن عبّاس عن قوله وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ فقال لا تلبسها على معصية و لا غدر أ ما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي و إنّي بحمد اللّٰه لا ثوب فاخر لبست و لا من غدرة أتقنع و هذه الاختلافات أيضا لا تخلو عن مدخل في وهن هذا الاستدلال
و الاستدلال المذكور حكاه في المختلف عن المرتضى و أنه اعترض على نفسه بالمنع من تناول الطهارة للغسل بغير الماء ثم أجاب بأنَّ تطهير الثوب ليس بأكثر من إزالة النجاسة عنه و قد زالت بغير الماء مشاهدة لأنّ الثوب لا تلحقه عبادة و أجاب عنه المصنف بأن المراد على ما يرد في التفسير لا تلبسها على معصية و لا غدر فإن الغادر الفاجر يسمى دنس الثياب
سلّمنا أن المراد بالطهارة المتعارف شرعا لكن لا دلالة على أن الطّهارة بأيّ شيء تحصل بل دلالتها على أن الطّهارة إنّما تحصل بالماء أولى إذ مع الغسل بالماء يحصل الامتثال قطعا و ليس كذلك لو غسلت بغيره و قوله النّجاسة قد زالت حسّا قلنا لا يلزم من زوالها بالحسن زوالها شرعا فإن الثوب النجس لو يبس بلله بالماء النجس أو بالبول لم يطهر و إن زالت النجاسة عنه مع أنه يعني المرتضى ره أجاب حين سئل عن معنى نجس العين و نجس الحكم بأن الأعيان ليست نجسة لأنها عبارة من جواهر مركبة و هي متماثلة فلو نجس بعضها النجس سائرها و انتفى الفرق بين الخنزير و غيره و قد علم خلافه و إنّما التنجيس حكم شرعي و لا يقال نجس العين إلا على وجه المجاز دون الحقيقة و إذا كانت النجاسة حكما شرعيّا لم يزل عن المحل إلا بحكم شرعي فحكمه ره بزوالها عن المحل لزوالها حسّا ممنوع
و عن المحقق أنه أجاب عن الآية بنحو مما ذكر المصنف ثم أورد أن الغسل بغير الماء يزيل عين الدنس فيكون طاهرة فأجاب أولا بمنع زوال عين النجاسة بأن النجاسة إذا مازجت المائع شاعت فيه فالباقي في الثوب تعلق به حصّة النجاسة و بأن النجاسة ربما سرت في الثوب غسل فسدت مسامه فتمنع غير الماء من الولوج حيث هي و تبقى مرتبكة في محلّها
و أجاب ثانيا بعد تسليم زوال عين النجاسة لا نسلم زوال نجاسة تخلفها فإن المائع بملاقاة النجاسة يصير عين نجاسة فالبلة المتخلفة منه في الثوب بعض المنفصل النّجس فيكون نجسا أو نقول للنجاسة الرطبة أثر في تعدي حكمها إلى المحل كما أن النجاسة عند ملاقاة المائع يتعدى نجاستها إليه فعند وقوع النجاسة الرطبة يعود أجزاء الثوب الملاقية لها نجسة شرعا و تلك العين المنفعلة لا تزول بالغسل و الأقرب في جواب الاحتجاج ما ذكرنا
الثالث إطلاق الأمر بالغسل من النجاسة من غير تقييد بالماء فمن ذلك قوله ٧ فيما رواه الجمهور ثم اغسله و منه ما روى الأصحاب عن الصادق ٧ أنه قال لابن أبي يعفور و قد سأله عن المني يصيب الثوب إن عرفت مكانه فاغسله فإن خفي عليك مكانه فاغسله كله و قول الصّادق ٧ في حسنة الحلبي إذا احتلم الرّجل فأصاب ثوبه مني فليغسل الذي أصابه
و قول أحدهما ٨ في صحيحة محمد بن مسلم و قد سأله عن البول يصيب الثوب اغسله مرتين و الأخبار مشحونة بهذا الإطلاق و حكي عن المرتضى أنه احتج بهذا الوجه و تعرّض لنقل جملة من الأخبار و اعترض على نفسه بأنّ إطلاق الأمر بالغسل يصرف إلى ما يغسل به في العادة ثمّ أجاب بالمنع من ذلك مستندا بأنه لو كان كذلك لوجب المنع من غسل الثوب بماء الكبريت و النفط و لمّا جاز ذلك إجماعا علمنا عدم الاشتراط بالعادة و أن المراد بالغسل ما يتناوله اسمه حقيقة و أجابوا عن ذلك بأنّ الغسل حقيقة في الغسل بالماء محتجّين بالسّبق إلى الذهن عند الإطلاق كما في قولهم اسقني
و قد يقال إنه حقيقة شرعيّة فيما ذكروا الظّاهر أن الغسل أعمّ منه لغة و الحقيقة الشرعية فيه غير ثابتة لكن الفرد الشائع المتعارف منه الغسل بالماء و مجرد التعارف لا يوجب تقييد الطبيعة الكلية إلا أن يصل إلى حد يصير حقيقة عرفية فيه و الظاهر أن الأمر هاهنا ليس كذلك و أجابوا أيضا بأن الإطلاق فيما ذكروا محمول على التقييد لما ذكرنا من الأخبار السّابقة و هو متجه في مقام المنع
الرابع أنّ الغرض من الطّهارة إزالة عين النجاسة كما شهد به حسنة حكم بن حكيم الصيرفي قال قلت لأبي عبد اللّٰه ٧ أبول فلا أصيب الماء و قد أصاب يدي شيء من البول فأمسحه بالحائط و التراب ثم يعرق يدي فأمس وجهي أو بعض جسدي أو يصيب ثوبي قال لا بأس به و رواية غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّٰه ٧ عن أبيه عن علي ٧ قال لا بأس أن يغسل الدم بالبصاق
و أجاب عنه المحقق بأن خبر حكم بن حكيم مطرح لأن البول لا يزول عن الجسد بالتراب باتفاق منّا و من الخصم و خبر غياث متروك لأن غياثا بتريّ ضعيف الرواية فلا يعمل على ما ينفرد به و لو صحّت نزلت على جواز الاستعانة في غسله بالبصاق إلا تطهر المحل به منفردا فإن جواز غسله به لا يقتضي طهارة المحل و لم يتضمّن الخبر ذلك فقد ظهر بما ذكرنا أن الأدلة من الطرفين محلّ التأمّل
و يمكن أن يقال وجوب تحصيل اليقين بالبراءة من التكليف الثابت يقتضي العمل على المشهور عند التمكن من غسل الثوب بالماء لأنه علم بالإجماع أن الصّلاة مشروطة بلبس الثوب الطاهر و إذا لم يكن مغسولا بالماء فكونه ظاهرا مشكوك فيه فلا يحصل البراءة اليقينية
لا يقال التكليف متعلق بالصّلاة المطلقة و التقييد إنّما يكون بقدر الضرورة و ما اقتضاه الدليل و العمدة في هذا الباب هو الإجماع كما أشرنا إليه و هو لا يقتضي إلا الطهارة الشاملة للقسمين فالتقييد بهذا القدر لازم و من ادعى الزيادة لا بد له من دليل لأنا نقول وقع الإجماع على وجوب كون لباس المصلّي طاهرا بالمعنى الذي قرّره الشارع إنما الخلاف في تحقق أفراده فهنا حقيقة مجملة معينة عند الشارع و الكل متفقون على اشتراطه إنّما الخلاف في أن بعض الأشياء هل هو ممّا جعله الشارع فردا لتلك الطبيعة أم لا فالتقييد لازم في نفس الأمر و الشك في كون الشيء فردا للطبيعة المقيدة أم لا فلا يحصل اليقين بالبراءة بمثل هذا الفرد المشكوك و على ما ذكره فلو لم يقدر المكلف على تطهير الثوب بالماء و قدر على تطهيره بالمائعات وجب تحصيلا للبراءة
و في الوجه المذكور تأمّل لأنا لا نسلم حصول الإجماع على الأمر المذكور بل ذهب كل فريق إلى اشتراط نظافة الثوب بالقدر الّذي وافق رأيهم نعم يمكن التمسّك في اشتراط طهارة الثوب بالنصوص فإنه يمكن استفادة ذلك من أخبار متعدّدة لم يبعد الاكتفاء بالتحاق بعضها ببعض
لكن لقائل أن يقول إذا لاقى الجسم المغسول بالمائع ماء قليلا لم ينجس لعموم ما دل على طهارة الماء إلا ما أخرج بالدّليل كما سيجيء و لم يثبت هاهنا نجاسة الجسم المذكور حتى ينفعل الماء بملاقاته و لو كان الجسم