ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١١١
نقل رواية الحسن التفليسي و مرسلة محمد بن علي عندي أن رواية التفليسي أرجح بتقدير أن لا يكون الماء لأحدهم لأنها متصلة و العامل بها من الأصحاب كثير و الأخرى مقطوعة و لو احتج بصحيحة عبد الرحمن كان أولى
و لو كان الماء لغيرهم و التمس الأولى و لم يجوز لغيره أو أوصى للأولى أو نذر استحق الجنب دون غيره و استعمل غيره قهرا لم يجز إن كان المستعمل فيه الحيّ قطعا و إن كان هو الميّت بني على أنّ غسله هل هو طهارة حقيقيّة أو هو تنظيف كما نقل عن المعتبر أو إزالة نجاسة فعلى الأول يبطل الغسل و على الأخيرين يأثم المتولي و يجزي و لو دفع الموصى له أو المنذور هبة له إلى غيره
فهل ينتقل منه إلى المدفوع إليه فيصحّ طهارته به أم لا فيه إشكال و اختار المصنف في بعض نظائره الثاني و يمكن ترجيح الأول لأنّ النهي في المعاملات لا يستلزم الفساد أما لو أوصى أو نذر لخصوص العمل فلا يصحّ دفعه و لا ينتقل إليه قطعا و لو كفى الماء للمحدث خاصّة اختصّ به و يحتمل صرفه إلى أعضاء الجنب توقعا للباقي إذا كان ذلك مرجوا لحصول في وقت الصّلاة و لو قصر عنهما تعيّن الجنب لاشتراط الموالاة في الوضوء فلو استعمله و تعذر الإكمال تيمم و لو أمكن الجمع بأن يتوضأ المحدث ثم يجمع الماء و يغتسل به الميّت وجب بناه على جواز التطهير بالمستعمل في الحدث الأكبر
قال الشهيد ره بعد نقل رواية الحسن فيه إشارة إلى عدم طهورية المستعمل و إلا لأمر بجمعه و فيه أن الرّواية محمولة على الغالب من عدم إمكان الجمع في مثل هذا الماء القليل الذي لا يكفي إلا لأحدهم و لو كان الماء ممّا يكفي للجنب أو المحدثين فصاعدا فلم أطلع فيه على تصريح من الأصحاب و رواية أبي بصير قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن قوم كانوا في سفر فأصاب بعضهم جنابة و ليس معهم من الماء إلا ما يكفي الجنب لغسله أ يتوضّئون هم هو أفضل أو يعطون الجنب فيغتسل و هم لا يتوضئون هم و يتيمم الجنب يقتضي ترجيح المحدثين و لو اجتمع المحدث و الميّت فقيل الميّت أولى لشدة حاجته و المرسل و فيه تأمّل لضعف الاعتبار الذي ذكره
و أمّا الخبر فلم يكن معمولا في الأصل فكيف في الفرع و لو جامعهم ماسّ ميّت أو ذات دم أو مزيل الطيب عن المحرم أو إذا اجتمع البعض مع البعض ففي الترجيح إشكال لفقد النصّ و التخيير حسن و للقرعة وجه
قال في الذكرى لو قلنا بتوقف وطي الزوج على الغسل أمكن أولوية الحائض و النفساء بالنسبة إلى الجنب لقضائهما حق اللّٰه و حق الزّوج و هذا التعليل على تقدير صحته مخصوص بذات الزوج الحاضر و ما في حكمه و تقديم مزيل الخبث على غيره لا يخلو عن وجه لعدم البدل لإزالة الخبث لكن يجب تقييده بوجود التراب و ما في حكمه و إلا لانعكس الحكم بصحّة الصّلاة مع النجاسة اضطرارا و عدم صحّتها بدون الطهور و المضطر لعطش أولى من الجميع قطعا
و لو أحدث المجنب المتيمم أعاد بدلا من الغسل و إن كان الحدث أصغر نقل المحقق في المعتبر إجماع العلماء كافة على أنّ التيمم لا يرفع الحدث و قيل يرفع و اختلف في قائله فقيل هو أبو حنيفة و قيل هو مالك مع أن عبد البرّ من أصحاب الحديث منهم على أنّ التيمم لا يرفع الحدث و احتج عليه المحقق بأن المتيمم تجب عليه الطهارة عند وجود الماء بحسب الحدث السّابق فلو لم يكن الحدث السّابق باقيا لكان وجوب الطهارة بوجود الماء إذ لا وجه غيره و وجود الماء ليس حدثا بالإجماع و لأنه لو كان حدثا لوجب استواء المتيممين في موجبه ضرورة استوائهم فيه لكن هذا باطل لأن المحدث لا يغتسل و الجنب لا يتوضأ و بتسمية النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)المتيمّم جنبا كما يستفاد من بعض أخبار العامة
إذا عرفت هذا فاعلم أن المجنب إذا تيمّم بدلا من الغسل ثم أحدث حدثا أصغر ثم وجد ماء يكفي للوضوء فالمشهور أن الواجب عليه التيمم بدلا عن الغسل و كذا لو لم يجد ماء أصلا فإنه تيمم بدلا من الغسل لأن الجنابة باقية لعدم ارتفاع الحدث بالتيمم و إنما كان أثر التيمم الاستباحة فإذا زالت الاستباحة بسبب الحدث عاد المكلف إلى حالته الأولى فاحتيج إلى التيمم بدلا من الغسل
و استدل عليه أيضا بقول أبي جعفر ٧ في صحيحة زرارة و متى أصبت الماء فعليك الغسل إن كنت جنبا و استدل عليه أيضا بصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما ٨ في رجل أجنب في سفر و معه قدر ما يتوضأ به قال يتيمم و لا يتوضأ به و نقل عن السيد المرتضى في شرح الرّسالة أنّه يتوضّأ لأنّ حدثه الأول قد ارتفع و جاء ما يوجب الصّغرى و قد وجد من الماء ما يكفي لها فيجب استعماله
و لعلّ مراده من ارتفاع الحدث ارتفاعه إلى زمن التمكن من الغسل لا ارتفاعه مطلقا إذ الظاهر أنه لا خلاف في وجوب الغسل عند التمكن منه و يدلّ عليه صحيحة زرارة السّابقة و يجيء على قوله وجوب التيمم بدلا من الوضوء إذا أحدث حدثا أصغر و لم يجد الماء أصلا و أجيب عنه بالمنع عن ارتفاع الحدث بل القدر المعلوم ارتفاعه إلى زمان وجدان الماء أو الحدث لا مطلقا و للاعتراض في أدلة القول الأول أيضا طريق لأنا قد حققنا سابقا أنه لو أريد بالحدث الحالة المانعة من دخول الصّلاة أمكن القول بأنه يرتفع بالتيمم إلى غاية معينة
نعم أمكن النزاع في تسميته حدثا و الأمر فيه هين و حينئذ نقول الحدث الأكبر مستتبع لحالة هي المنع من الدّخول في الصلاة إلى أن يتحقق الغسل أو التيمم عند تعذره و الحدث الأصغر مستتبع لحالة هي المنع في الدخول في الصلاة إلى أن يتحقق الوضوء أو التيمم أو الغسل في صورة مجامعته للحدث الأصغر و إحدى الحالتين مغايرة للأخرى و قد يجتمعان و قد يفترقان
إذا عرفت هذا فلقائل أن يقول التيمم رافع الحالة الأولى إلى غاية معينة هي التمكن من الغسل و عند حصول الحدث الأصغر تحصل الحالة الثانية لا أنه ترجع الحالة الأولى و لا ريب في ارتفاع هذه الحالة بالوضوء فيجب الوضوء للتمكن منه لا بد لنفي جواز ما ذكرنا من المقدمات من دليل و أما صحيحة زرارة فغير دالة على المدعى بل إنما يدل على وجوب الغسل عند التمكن منه و هو خلاف المدّعى و أمّا صحيحة محمد بن مسلم فغير دالة على نفي الوضوء بعد التيمم و الكلام فيه
قال في الذكرى بعد نقل كلام السيّد يمكن أن يريد بارتفاع حدثه استباحة الصّلاة و أن الجنابة لم تبق مانعة فلا يثبت إلى مخالفة الإجماع و اعترض عليه الشارح الفاضل أن هذه الإرادة لا تدفع الضعف لأن الاستباحة إذا لم تستلزم الرفع فبطلانها بالحدث يوجب تعلق حكم الحدث الأول انتهى و لو أريد بالاستباحة زوال المنع الحاصل بالحدث الأكبر أمكن تصحيح كلامه فتدبّر
و يجوز التيمم مع وجود الماء للجنازة
هذا الحكم ذكره الشيخ و نقل عليه الإجماع و قال ابن بابويه و في خبر يتيمّم لها إن أحبّ و قال ابن الجنيد و لا بأس بالتيمّم في المبصر للجنازة إذا خاف فوتها احتج الشيخ بإجماع الفرقة و بما رواه زرعة عن سماعة قال سألته عن رجل مرت به جنازة و هو على غير طهر قال يضرب يديه على حائط فيتيمم
قال المحقق و فيما ذكره الشيخ إشكال أما الإجماع فلا نعلمه كما علمه و أمّا الرواية فضعيفة من وجهين أحدهما أن زرعة و سماعة واقفيان و الثاني أن المسئول في الرواية مجهول فإذن التمسّك باشتراط عدم الماء في جواز التيمم أصل و لأنّ الرّواية ليست صريحة في الجواز مع وجود الماء لكن لو قيل إذا فاجأته الجنازة و خشي فوتها مع الطهارة تيمّم لها كان حسنا لأن الطهارة لما لم يكن شرطا و كان التيمم أحد الطهورين فمع خوف الفوات لا بأس بالتيمم لأنّ حال المتيمم أقرب إلى شبه المتطهرين
و يدل على استحباب في التيمم في الصّورة التي ذكره حسنة الحلبي قال سئل أبو عبد اللّٰه ٧ عن الرجل يدركه الجنازة و هو على غير وضوء فإن ذهب يتوضأ فاتته الصّلاة عليها قال يتيمم و يصلّي
و يدل على قول الشيخ ما رواه الكليني و الشيخ عن حريز في الصّحيح عمن أخبره عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال الطامث تصلّي على الجنازة لأن ليس فيها ركوع و لا سجود و الجنب يتيمم و يصلّي على الجنازة و الترجيح لقول الشيخ لأن ضعف الروايتين منجبر بعمل الأصحاب مع المسامحة في أدلة السّنن و هل يشترط نية البدلية الظاهر العدم و الظاهر أنه ليس له الدخول به في غيرها من الصّلوات لأن شرعية الاكتفاء بالتيمم مع وجود الماء على خلاف الأصل فيقتصر على مورده
النظر الخامس فيما تحصل به الطهارة
بقسميها أما الطهارة
الترابية
فقد بيّناها
و أمّا الطهارة
المائية
فبالماء المطلق لا غير هذا هو المشهور بين الأصحاب و نقل الإجماع عليه المحقق في الشرائع و المصنف في النهاية و الشهيد في الذكرى و الروض و نقل ابن زهرة أيضا الإجماع على عدم جواز الوضوء بغير الماء و خالف في ذلك الصدوق فقال في الفقيه و لا بأس بالوضوء و الغسل من الجنابة و الاستياك بماء الورد
و حكى الشيخ في الخلاف عن قوم من أصحاب الحديث منا أنهم أجازوا الوضوء بماء الورد و الأقرب الأول لنا قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا أوجب عند عدم الماء الذي هو حقيقة في المطلق التيمم فلا يجوز الطّهارة بالمضاف لانتفاء الواسطة بين الطّهارتين و ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّٰه ٧ عن الرّجل يكون معه اللبن أ يتوضأ منه للصّلاة قال لا إنما هو الماء و الصّعيد و كلمة إنّما للحصر بنص أهل اللغة و قضاء العرف و لأن الصّلاة لا تصح بدون الطهارة الشرعية و كون الوضوء بالماء طهارة شرعية متيقنة و غير ذلك مشكوك