ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١٠٨
كان وجود الماء ناقضا فإن وجده قبل دخوله في الصّلاة انتقض تيمّمه و تطهر نقل الإجماع على ذلك جماعة من الأصحاب و يدلّ عليه الأخبار و إن وجده و قد تلبّس بالصلاة و لو بالتكبيرة أتم و في هذه المسألة أقوال
الأول ما ذكره المصنف و إليه ذهب المفيد و الشيخ في أحد قوليه و هو المنقول عن المرتضى في مسائل الخلاف و شرح الرسالة و ابن البراج و اختاره ابن إدريس و المحقق و إليه ذهب أكثر المتأخرين و لا يخلو عن رجحان
الثاني أنّه يرجع ما لم يركع فإذا ركع فليمض في صلاته و إليه ذهب الصدوق و الشيخ في النهاية و هو المنقول عن ابن أبي عقيل و الجعفي و المرتضى في أحد قوليه و نقله المحقق عن ابن الجنيد أيضا
الثالث يرجع ما لم يقرءوا و إليه ذهب سلّار
الرابع وجوب القطع بعد الشروع مطلقا إذا غلب على ظنه سعة الوقت بقدر الطّهارة و الصّلاة و عدم وجوب القطع و إن لم يمكنه ذلك و استحباب القطع ما لم يركع و نقله الشهيد ره عن ابن حمزة و قال أيضا حكم ابن حمزة باستحباب القطع و الفرض و ضيق الوقت مشكل
الخامس ما نقله الشهيد أيضا عن ابن الجنيد حيث قال و إذا وجد المتيمّم الماء بعد دخوله في الصّلاة قطع ما لم يركع الركعة الثانية فإن ركعها مضى في صلاته فإن وجده بعد الركعة الأولى و خاف من ضيق الوقت أن يخرج إن قطع رجوت أن يجزيه أن لا يقطع صلاته و أمّا قبله فلا بد من قطعها مع وجود الماء
و منشأ الاختلاف بين الأصحاب اختلاف الروايات فروي عن محمد بن حمران في الصّحيح عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال قلت له رجل تيمم ثم دخل في الصلاة و قد كان طلب الماء فلم يقدر عليه ثم يؤتى بالماء حين يدخل في الصّلاة قال يمضي في الصّلاة
و اعلم أنه ليس ينبغي لأحد أن يتيمم إلا في آخر الوقت و روى زرارة في الصحيح عن أبي جعفر ٧ قال قلت فإن أصاب الماء و قد دخل في الصّلاة قال فلينصرف فليتوضأ ما لم يركع فإن كان قد ركع فليمض في صلاته فإن التيمم أحد الطهورين و روى عبد اللّٰه بن عاصم قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن الرّجل لا يجد الماء فتيمّم و يقوم في الصّلاة فجاء الغلام فقال هو ذا الماء فقال إن كان لم يركع فلينصرف و ليتوضأ و إن كان قد ركع فليمض في صلاته و هذه الرّواية مروية في التهذيب عن عبد اللّٰه بن عاصم بثلاث طرق أنقاها ما رواه عن محمد بن عليّ بن محبوب عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي عن جعفر بن بشير عن عبد اللّٰه بن عاصم و في الحسن بن الحسين الكلام و إن وثقه النجاشي لأن الشيخ نقل عن ابن بابويه تضعيفه و أمّا عبد اللّٰه بن عاصم فغير مذكور في كتب الرجال لكن يظهر مما سننقل من كلام المحقق توثيقه
فأصحاب القول الأول احتجوا برواية ابن حمران و رجحوه على غيره و بقوله ٧ إن الشيطان ليأتي أحدكم فينفخ بين أليتيه فلا ينصرف أحدكم عن الصلاة حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا و لعلّه من طرق العامة و بأن التيمّم بدل من الماء عند الإعواز و قد تحقق متّصلا بالمقصود و في الأخيرين ضعف و لقوله تعالى لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ و يجيء إن شاء اللّٰه في كتاب الصّلاة تحقيق معنى الآية و أن الاستدلال بها في أمثال هذه المباحث لا يخلو عن إشكال
و احتج المصنف أيضا بوجوه أخر لا تخلو عن ضعف قال المحقق في المعتبر فإن احتج الشيخ بالرّوايات الدالة على الرجوع ما لم يركع فالجواب عنه أنّ أصلها عبد اللّٰه بن عاصم فهي في التحقيق رواية واحدة و تعارضها روايتنا فهي أرجح من وجوه
أحدها أن محمد بن حمران أشهر في العدالة و العلم من عبد اللّٰه بن عاصم و الأعدل مقدّم
الثاني أنّها أخف و أيسر و اليسر مراد اللّٰه
الثالث أنّ مع العمل بروايتنا يمكن العمل بروايته أيضا بأن ينزلها على الاستحباب و مع العمل بروايته لا يمكن العمل بروايتنا فتكون روايتنا أرجح و كأنه ره غفل عن رواية زرارة على أنه يستفاد من كلامه انحصار طريق الجمع في الحمل على الاستحباب و ليس كذلك إذ يجوز الجمع بحمل المطلق على المقيد و أصحاب القول الثاني احتجوا برواية زرارة و عبد اللّٰه بن عاصم و أجيب بأن المراد بالدّخول في الصّلاة القرب منها أو الشروع في مقدماتها كالأذان و بقوله ما لم يركع ما لم يتلبَّس بالصّلاة و بقوله و إن كان قد ركع دخوله في الصلاة تسمية للكل باسم الجزء و الكلّ خلاف الظاهر جدّا نعم الحمل على الاستحباب وجه قريب في الجمع
و قد يستدل عليه بالأخبار الدالة على أجزاء التيمم إلى أن يجد الماء و أجيب عنه بأنّ ذلك دلالة مفهوم لا يصلح معارضا للمنطوق و قد يستدل أيضا بعموم آية الوضوء و الغسل مع الوجدان و مفهوم آية التيمم المقيدة بعدم الوجدان و فيه ضعف لأن المراد منها الأمر بالطهارة حين إرادة القيام إلى الصّلاة و المتبادر منها زمان قبل زمان الشروع
و تحقيق المقام أن الجمع بين الأدلة مقدم على طرح بعضها و طريق الجمع هاهنا شيئان أحدهما أن نحمل خبر عبد اللّٰه بن عاصم و ما في معناه على الاستحباب و الثاني أن يقيد خبر محمد بن حمران الدال على الإمضاء إذا حصل الماء بعد الركوع و يرجح الثاني على الأول بالأكثرية و كون زرارة أعدل و أعلم على الظاهر و اعتضاد ذلك بالأخبار الدالة على أنّ غاية أجزاء التيمم وجدان الماء و اشتراك محمد بن سماعة و محمد بن حمران في طريق الخبر الآخر بين الثقة و غيره و لكن الصواب ترجيح الأول لأن إطلاق الأمر على الاستحباب أمر شائع في أخبارنا حتى توقف بعضهم في كون ذلك حقيقة أو مجازا فليس في الحمل عليه بعد و كان الكلام على حقيقة حينئذ و قوله ٧ في آخر الخبر فإن التيمم أحد الطهورين لا يخلو عن تأييدنا لذلك
و أما تقييد خبر ابن حمران بما بعد الركوع فتأويل بعيد جدّا إذ مثل هذا التعميم و الإجمال في مقام البيان و استعلام الحكم لا يناسب دأب الحكيم العارف باللسان و هو غير مأنوس من أطوارهم٧على أن قوله حين يدخل في الصّلاة كالصّريح في أن المراد أوائل الصّلاة فالحمل على هذا المعنى البعيد في قوة الاطراح فلا يعارضه مرجحات الشق الآخر
و أما اشتراك محمد بن سماعة و محمد بن حمران فغير قادح لأن القول بأن المراد بهما الثقة دون غيره لا يخلو عن ترجيح ما و يؤيده أن هذه الرواية رواه ابن أبي نصر عن محمد بن سماعة و قد صرّح الشيخ في العدة بأن ابن أبي نصر لا يروي إلا عن الثقات و صرح المحقق بأن ابن حمران راوي هذه الرواية ثقة كما مر فيما نقلناه من كلامه و أما تأييد مفهوم الغاية الذي ذكره فضعيف لأنه لا بد من تخصيصه إما بخبر زرارة أو بخبر ابن حمران غاية الأمر أن تخصيصه على الثاني أكثر و مجرد هذا مرجح ضعيف لا يقاوم ما ذكرنا
و الذي يؤيّد ما ذكرناه ما رواه الشيخ في الصّحيح عن زرارة و محمد بن مسلم قال قلت في رجل لم يصب الماء و حضرت الصّلاة فتيمم و صلى ركعتين ثم أصاب الماء أ ينقض الركعتين أو يقطعهما و يتوضأ ثم يصلّي قال لا و لكنه يمضي في صلاته و لا ينقضها لمكان أنه دخلها و هو على طهور بتيمم فإن التعليل يقتضي وجوب المضي في الصلاة مع الدخول فيها مطلقا
و لعلّ حجة ابن الجنيد ما رواه زرارة عن أبي جعفر ٧ قال سألته عن رجل صلى ركعة على تيمم ثم جاء رجل و معه قربتان من ماء قال يقطع الصّلاة و يتوضأ ثم يبني على واحدة لكن في طريقه علي بن السندي و فيه ضعف و أما حجة سلّار و ابن حمزة فغير معلومة و ينبغي التنبيه على أمور
الأول ظاهر كلام المصنف أن المعتبر في المضي و عدم الرجوع الإتيان بالتكبير و به صرح الشيخان و ابن إدريس و كلام الشهيد في البيان أنه لا يلتفت في الأثناء و هذا يدل على عدم الالتفات و لو كان وجدان الماء قبل إتمام التكبير و ينطبق عليه الرّواية إلا أن يقال الدخول في الصّلاة إنّما يتحقق بإتمام التكبير و فيه تأمّل
الثاني قال في الذكرى حيث قلنا لا نرجع فهو للتحريم للنهي عن إبطال العمل و لحرمة الصّلاة فلا يجوز انتهاكها و فيه نظر لأنه لو ثبت دليل دال بعمومه على إبطال العمل لكان مخصّصا بخبر زرارة و عبد اللّٰه بن عاصم فإن أقل مراتبهما الحمل على الاستحباب كما ذكرنا
نعم يصح هذا فيما بعد الركعة الأولى بعد إثبات تحريم إبطال الفريضة ثم قال و تفرد الفاضل بجواز العدول إلى النقل لأنّ فيه الجمع بين صيانة الفريضة عن الإبطال و أداء الفريضة بأكمل الطّهارتين و الأصح المنع لأن العدول إلى النقل إبطال للعمل قطعا و الحمل على تأسي الأذان و الجمعة قياس باطل و لأنه لو جاز العدول إلى النقل لجاز الإبطال بغير واسطة و هو لا يقول به انتهى كلامه
و الحكم بتسوية العدول و الإبطال بغير واسطة في التحريم يحتاج إلى دليل كما أن الحكم بجواز العدول أيضا لكونه حكما شرعيا يحتاج إلى الدليل و على كل تقدير لو ضاق الوقت حرم ذلك قطعا
الثالث إذا حكمنا بإتمام الصّلاة مع وجود الماء إما لكونه قد تجاوز محل القطع أو قلنا بالاكتفاء بالشروع فهل يعيد التيمم لو فقد الماء بعد الصّلاة أم لا قيل لا و اختاره المحقق و المصنف في أحد قوليه و الشهيدان و بعض المتأخرين محتجين بأن المانع الشرعي كالمانع العقلي