ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١٠
حتّى خرج شهر رمضان أنّ عليه أن يغتسل و يقضي صلاته و صومه إلّا أن يكون قد اغتسل للجمعة فإنه يقضي صلاته و صومه إلى ذلك اليوم و لا يقضي ما بعد ذلك مع أنه (رحمه اللّٰه) ضمن في أول الكتاب أن لا يورد فيه إلّا ما يحكم بصحّته و يعتقده حجة بينه و بين ربه و هذا يقتضي في الجملة نوع قوة في الخبر خصوصا إذا كان في أوائل كتابه
احتج المصنف على عدم التداخل في صورة اجتماع الواجب و الندب بوجهين
الأول أن غسل الجنابة واجب فالفرد الذي يأتي به إن قصده واجبا لم يجزئ من الجمعة و إن قصده مستحبا لم يجزئ عن الجنابة و إن جمع بينهما يلزم اعتقاد النقيضين و قد يقال نية الوجوب يستلزم نية النّدب لاشتراكهما في ترجيح الفعل و لا يضر اعتقاد منع الترك لأنه مؤكد للغاية و هو ضعيف لأن المباينة و التضاد بين الواجب و النّدب ممّا لا خفاء فيه و ربما يتوهم إمكان اجتماع جهة الوجوب و الندب في شيء واحد من جهتين بمعنى أن يكون شيء واحد فردا للطبيعة التي تعلق بها التكليف الإيجابي مع كونه فردا للطبيعة التي تعلق بها التكليف الاستحبابي إلّا أن يكون ذلك الفرد متصفا بالجهتين معا في نفسه فإذا أتى المكلف بالفرد المذكور يحصل امتثال كلا التكليفين
و فيه نظر إذ الطبيعة إنّما تكون متعلقة للتكاليف باعتبار اتحادها مع أفرادها في الخارج فإذا تعلّق التكليف الاستحبابي بطبيعة كان معناه في الحقيقة يرجع إلى أن ما يصدق عليه هذه الطبيعة يستحبّ فعله و يجوز تركه فلو كان بعض أفرادها مما لا يجوز تركه لم يكن القدر المشترك بين تلك الأفراد جائز الترك فلا يتعلق به التكليف الاستحبابي هذا خلف فإذا لا يجوز أن يكون الأمر الذي لا يجوز تركه فردا للطبيعة المستحبة
نعم يمكن أن يكون أمر واحد فردا للطبيعة المستحبة و فردا للطبيعة الواجبة فردا يجوز تركه بأن يأتي بفرد آخر لا مطلقا و محلّ البحث خارج عن هذا القسم فتدبر
و الأقرب أن يقال لما دل الدليل على إجزاء غسل واحد عنهما يلزم أن يقال إحدى الوظيفتين يتأدى بالأخرى بمعنى أنه يحصل له ثوابها و إن لم يكن من أفرادها حقيقة كما تتأدّى صلاة التحية بالفريضة و الصوم المستحبّ بالقضاء أو يقال ما دل على استحباب غسل الجمعة مخصّص بصورة لا يحصل سبب الوجوب و المراد من كونه مستحبا أنه مستحب من حيث كونه غسل الجمعة يعني مع قطع النظر عن طريان العارض المقتضي للوجوب
الثاني
قوله ٧ إنّما لكل امرئ ما نوى
و الجواب أنّ هذه الرّواية مع إجمالها مخصّصة بالأخبار السّابقة الدالة على التداخل جمعا بين الأدلة و إن نوى المكلف الفعلي من غير تعيين الأسباب كلا أو بعضا فالقول بالإجزاء غير بعيد لعموم الأدلة السالفة و عدم انتهاض دليل على اشتراط نيّة السّبب
و قال المصنّف في النهاية فإن نوى مطلق الغسل على وجه الوجوب انصرف إلى الواجب و إن نوى المطلق و لم يقيد بوجه الوجوب فإن شرطنا في الندب نية لم يقع عن أحدهما
و التيمم
يجب للصّلاة و الطواف الواجبين
لاشتراطهما بالوضوء أو الغسل و كون التيمم بدلا عنهما
و لخروج الجنب من المسجدين
وجوب التيمم للخروج و تحريمه بدونه مشهور بين الأصحاب بل قال المصنف في المنتهى إنه قول علمائنا و قال المحقق في المعتبر هذا مذهب فقهائنا و مستنده الإجماع منا على تحريم المرور في المسجدين للجنب
و حكى في الذكرى عن ابن حمزة القول بالاستحباب و الأول أقرب و الأصل في هذا الباب ما رواه
الشيخ عن أبي حمزة في الصحيح قال قال أبو جعفر ٧ إذا كان الرّجل نائما في المسجد الحرام أو في مسجد الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله)و سلم فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمم و لا يمر في المسجد إلّا متيمما و لا بأس أن يمرّ في سائر المساجد و لا يجلسان فيها
وجه الدلالة على ما اخترناه إما كون الأمر للوجوب إن قلنا بذلك في أخبارنا مطلقا أو بمعونة انضمام الشّهرة و إمّا أن مقتضى الأدلة المنع من كون المجنب في شيء من المسجدين مطلقا و الخبر المذكور دل على جواز الكون المقارن للتيمّم و الخروج بعده فبذلك تخصص العمومات و يبقى سائر الأكوان مندرجا تحت عموم المنع و يلزم من ذلك وجوب التيمّم
و ينبغي التنبيه على أمور:
الأوّل ظاهر جماعة من الأصحاب وجوب التيمم و إن أمكن الغسل و ساوى زمانه زمان التيمّم أو قصر عنه و به صرّح المدقق الشيخ علي و اختاره بعض المتأخرين و خالف فيه جماعة من الأصحاب منهم الشهيد في الدروس و الشارح الفاضل في جملة من كتبه فإنهم ذهبوا إلى تعيين الغسل عند إمكانه و تساوي زمانه الزمان التيمم أو نقصه عنه و حصول الأمن من تلويث المسجد و الآية و احتمل في الذكرى تقديم الغسل مطلقا عند إمكانه و كذا الشارح الفاضل في شرح الشرائع من غير تقييد بالقصور أو المساواة و قال في شرح هذا الكتاب و إنّما قيد جواز الغسل في المسجد مع إمكانه بمساواة زمانه لزمان التيمم أو قصوره عنه مع أن الدليل يقتضي تقديمه مطلقا مع إمكانه لعدم العلم بالقائل تقديمه مطلقا و إلّا لكان القول به متجها ففي هذه المسألة وجوه ثلاثة و الأقرب عندي الأوسط
و يدلّ عليه أن فرض تحقق الماء في المسجد و إمكان الاغتسال من غير حصول تلويث المسجد الآية مع قصور زمانه عن زمان التيمم أو مساواته له نادر بحسب العادة و المتعارف جدّا بل هو مجرد فرض عقلي و التتبع التام كاشف عن أن الأخبار الواردة عن الأئمّة : مبني على المتعارف المعتاد و ليس نظرهم : في أحكامهم على الفروض النادرة و الاحتمالات البعيدة
إذا عرفت هذا فاعلم أن في صورة إمكان الغسل مع الأمن من التلويث لا يصح الاستناد إلى الخبر الدال على التيمم في إيجابه فحينئذ إن كان زمان الغسل قاصرا عن زمان التيمم لزم عليه الغسل لا يخلو إما أن يجب عليه حينئذ الغسل أو التيمم أو يجوز له الخروج بدون شيء منهما لا سبيل إلى الثالث للإجماع عليه و لأن اقتضاء التمكن من الغسل جواز الخروج بدون الأمرين بعيد جدا فثبت وجوب المكث عليه بمقدار الغسل أو التيمّم
و لما ثبت بالأدلة تحريم اللبث في المسجد مطلقا كان جوازه متقدرا بقدر الضرورة و اقتضاء الدّليل و هو الاقتصار على القدر الأقل و هو زمان الغسل و بهذا ثبت المطلوب و إن كان زمان الغسل مساويا لزمان التيمم فالأمر فيه كالسّابق لأنه يجب عليه حينئذ على ما بيّناه أحد الأمرين من الغسل أو التيمم إمّا على سبيل التخيير أو على سبيل التعيين لا وجه لتعيين التيمم لعدم الدليل عليه فثبت جواز الغسل
و إذا ثبت جوازه يلزم وجوبه لأن الغسل يقتضي ارتفاع حدث الجنابة ففي زمان الخروج ليس بجنب يقينا و أما التيمم فلا يقتضي ذلك يقينا فلا يحصل اليقين لعدم جنابته في زمان الخروج و النهي عن الكون في المسجد مجنبا يقتضي تحصيل البراءة اليقينية فيجب الاقتصار على ما تحصل به و إن كان زمان الغسل أكثر من زمان التيمّم تعيّن التيمّم سواء كان زمان الغسل أكثر من زمان التيمم مع زمان الخروج أم لا
أما الأول فظاهر لأنّ الّذي ثبت بالدليل وجوب أحد الأمرين من التيمم أو الغسل فيجب الاقتصار على أقلهما لبثا
و أما الثاني فلأن الكون الزائد على مقدار التيمم مما يتعذر له الغسل مع حصول الاضطرار إليه فيستباح بالتّيمّم بناء على ما سيجيء في محله من أن التيمم يبيح ما يبيح المائية عند تعذرها فالتيمم موجب لقلة الكون المحرّم
لكن لا يخفى أن في صورة يكون زمان الغسل أكثر من زمان التيمم لكن يكون مساويا لزمان الخروج يحتمل جواز الغسل بعد التيمم و لا يبعد عدم جوازه و وجوب الخروج
أما إذا أمكن الغسل خارج المسجد ترجيحا للاجتياز على اللّبث و في صورة يكون زمان الغسل أكثر من زمان التيمم و أقل من زمان الخروج يحتمل وجوب الغسل بعد التيمم لأن تكون الزائد على زمان الغسل المشتمل عليه الخروج ممّا يمكن الغسل له فيجب
و يحتمل التخيير بين الغسل و الخروج أو وجوب الخروج في صورة التمكن من الغسل خارجا ترجيحا للاجتياز الكثير على اللبث القليل ثم ما ذكرناه من التفاصيل إنما يتجه إذا كان كل واحد من الغسل أو التيمم متضمّنا للبث و أمّا إذا كان أحدهما متضمنا للبث و أمكن الآخر على سبيل الاجتياز فيحصل في الأحكام المذكورة نوع شكّ مثلا أمكن التيمم اجتيازا في زمان الخروج و لا يمكن الغسل إلا مع اللبث و كان