ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٩٧
اشتراطها بإزالة النجاسة
و نقل التصريح بذلك عن جماعة و ينبغي تقييد الحكم المذكور بكون النجاسة غير معفوّ عنها و الثوب ممّا يحتاج إلى لبسه في الصّلاة إمّا لعدم الساتر أو الاضطرار إن كانت النّجاسة فيه و الحكم المذكور على سبيل الوجوب فلو خالف و توضأ لم يكن صحيحا لما قد حققنا في الأصول من أنّ الأمر بالشيء يستلزم قبح أضداده الخاصّة و النهي عنها و إذا كان الوضوء قبيحا منهيّا عنه لم يكن فردا للطبيعة المطلوبة للشارع و لا يصح التعبد به و قد حققنا ذلك أيضا في الأصول فيكون باطلا و تمام تحقيق المسألتين طويل لا يناسب هذا المقام قال الشارح الفاضل فلو خالف و تطهر أساء و في صحّتها نظر من الطهارة بماء مملوك مباح فيصحّ و من النهي عن الطهارة اللازم للأمر باستعمال الماء في إزالة النجاسة إذ الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضدّه و النهي في العبادة يدل على الفساد
ثم قال و في توجيه النظر من الجانبين نظر أمّا الأول فلمنع كلية الكبرى المطوية لأنها محل النزاع و لانتقاضها بمن تطهّر بما ذكر مع يقين الضّرر لمرض و نحوه و أمّا الثاني فلما تحقق في الأصول من أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضدّه العام و هو مطلق الترك لا الأضداد الخاصة فلا يتم الدليل
و فيه نظر أما أولا فلأن الطّهارة بماء مملوك مباح فرد للمأمور به إذ الأمر في الآية متعلق بالغسل و المسح مطلقا لا يتخصص إلّا بدليل فيكون الطهارة المذكورة مجزئة إلّا أن يثبت مقيّد للآية مخرج لها عنها و الأصل عدمه فلا يصحّ منع المقدمة المطلوبة إلا أن يقال إنه منهي لأنه ضدّ للمأمور به فلم يكن فردا للطبيعة المطلوبة لكنه حيث ذهب إلى أن الأمر بالشيء لا يستلزم النهي عن أضداده الخاصّة ليس له أن يتمسّك بذلك إن جعل الكبرى المطوية أن كل طهارة بماء مملوك لم يثبت فسادها بدليل صحيحة يندفع النقض أيضا
و أمّا ثانيا فلما تحقق عندي من أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن أضداده الخاصّة ثم قال و على كل حال فالوجه عدم الإجزاء لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه فلم يتحقق الإجزاء كما تحقق في الأصول انتهى و هذا التعليل يحتمل وجهين أحدهما أن الوضوء في الصّورة المذكورة ليس مأمورا به فلا يكون صحيحا
و الثاني أن الصلاة حينئذ ليست مأمورا بها لأنّ المأمور بها الصّلاة بالتيمم فلا يكون الصّلاة صحيحة و كلاهما منظور فيه أمّا الأول فلأنه فرد للطبيعة المطلوبة فيكون مجزئاً
بيان الأول أنه يصدق عليه الغسل و المسح المذكور في الآية إذ لا تقييد فيها و لا مخصّص يوجب خروجه عنها لا بدّ له من دليل
و بيان الثاني أن الإتيان بالمأمور به يقتضي الإجزاء و أمّا الثاني فلأن القدر المسلم أن التيمم في الصّورة المذكورة و الطهور صادق على الوضوء المفروض فيكون الشرط متحققا
و بالجملة التكليف بالتيمم لا يقتضي اشتراط الصلاة به و لا تخصيص الطهور في قوله ٧ لا صلاة إلا بطهور بالتيمم إلا على تسليم المقدمتين الأصوليتين إلى المذكورتين تدبر و استقرب المصنف في التذكرة الإجزاء إن جوز وجود المزيل في الوقت و إلّا فلا و لعلّه مبنيّ على أن الطهارة بالماء المذكور في صورة تجويز وجود المزيل غير محظور و هو غير بعيد
و لا يصح
التيمم إلا بالأرض اختلف الأصحاب فيما يجزي في التيمم فقال الشيخ لا يجوز التيمّم إلا بما يقع عليه اسم الأرض إطلاقا سواء كان عليه تراب أو كان حجرا أو جصّا أو غير ذلك نقله في المعتبر عن المرتضى و ابن الجنيد و اختاره المحقق و المصنف و أكثر المتأخّرين و المنقول عن المرتضى في شرح الرسالة و أبي الصلاح أنه لا يجزي في التيمم إلا التراب الخالص أي الصافي من مخالطة ما لا يقع عليه اسم الأرض كالزرنيخ و الكحل و أنواع المعدن و هو ظاهر كلام المفيد و اختيار الشافعي من العامة و المنقول عن ابن أبي عقيل أنه جوز التيمّم بالأرض و بكل ما كان من جنسها كالكحل و الزرنيخ
و نقل الشيخ في الخلاف و ابن زهرة في الغنية و المصنف في المنتهى إجماع الفرقة على عدم جواز التيمم بمثل الكحل و الزرنيخ و يدل على الأول قوله تعالى فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً و الصعيد وجه الأرض على ما نص عليه فضلاء اللغة كالخليل و الزجاج و نقله تغلب عن ابن الأعرابي قال الزجاج الصّعيد ليس هو التراب إنّما هو وجه الأرض ترابا أو غيره كذا نقل عن الطبرسي و الزمخشري من غير نقل معنى آخر
و قال المطرزي في المغرب الصّعيد وجه الأرض ترابا كان أو غيره قال الزجاج لا أعلم خلافا بين أهل اللغة في ذلك و قال في القاموس الصّعيد التراب أو وجه الأرض و في الأساس و عليك بالصّعيد أي اجلس على الأرض و صعيد الأرض وجهها و بتنا على صعيد طيب و في الغريبين و قوله تعالى فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً الصّعيد التراب و الصّعيد وجه الأرض
و نقل الجوهري عن تغلب أنه وجه الأرض و عليه قوله تعالى فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً أي أرضا ملساء مزلقة و مثله قوله ٧ يحشر النّاس يوم القيمة حفاة عراة على صعيد واحد أي أرض واحدة و يؤيده ما نقل عنه ٧ جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا و تدل عليه الأخبار المستفيضة كقول الصادق ٧ في صحيحة عبد اللّٰه بن سنان إذا لم يجد الرجل طهورا و كان جنبا فليمسح من الأرض و ليصلّ و في صحيحة الحلبي أن ربّ الماء هو رب الأرض فليتيمم و في صحيحة محمّد بن مسلم فإن فاتك الماء لم تفتك الأرض فإن وجدان الأرض إنّما ينفع لو جاز التيمّم بها و حسنة الحلبي قال سمعت أبا عبد اللّٰه ٧ يقول إذا لم يجد الرجل طهورا و كان جنبا فليمسح من الأرض و ليصل الحديث
و في رواية الحسين بن أبي العلاء أن ربّ الماء هو ربّ الأرض فليتيمم و غيرها احتج المرتضى على ما نقل عنه بأن الصّعيد في الآية هو التراب بالنقل عن أهل اللغة حكاه ابن دريد في الجمهرة عن أبي عبيدة و في المنتهى قال ابن دريد الصّعيد هو التراب الخالص الذي لا يخالطه سبخ و لا رمل
و نقله في كتاب الجمهرة عن أبي عبيدة المعمّر بن المثنى و قال ابن فارس الصّعيد هو التراب و قال ابن عبّاس الصّعيد التراب و لقوله (صلى اللّٰه عليه و آله)جعلت لي الأرض مسجدا و ترابها طهورا و لو كانت الأرض طهورا لم يكن لذكر التراب فائدة و لقوله ٧ التراب طهور المسلم
و أجاب في المعتبر بأنه لا يلزم من تسمية التراب طهورا أن لا يسمى به الأرض بل جعله اسما للأرض أولى لأنه يستعمل فيهما فيكون حقيقة في القدر المشترك بينهما و هو الأرضية دفعا للاشتراك و المجاز فيكون التراب صعيدا باعتبار كونه أرضا لا باعتبار كونه ترابا و أما الخبران فالتمسّك بهما تمسّك بدلالة الخطاب و هي متروكة في معرض النص إجماعا
و قد يقال إنه غير ناهض برد كلام السّيد أمّا قوله لا يلزم من تسمية التراب صعيدا أن لا يسمّى به الأرض فلأن السّيد إنما استدل بقول أئمة اللغة الصّعيد التراب كما قاله الجوهري و الصّعيد هو التراب الخالص كما حكاه ابن دريد بتعريف المسند إليه باللام الجنسيّة و هو يفيد قصر المسند إليه على المسند كما قاله علماء المعاني في قولنا الكرم هو التقوى و الحسب هو المال من إفادتهما أن الكرم ليس شيئا وراء التقوى و الحسب ليس شيئا وراء المال و ليس هذا استدلالا بمجرّد تسمية التراب صعيدا
و أمّا قوله إن تمسّك السيّد بالحديث تمسّك بدلالة الخطاب ففيه نظر ظاهر فإن قوله (صلى اللّٰه عليه و آله)جعلت لي الأرض مسجدا و ترابها طهورا لا ريب أنه في معرض التسهيل و التخفيف و بيان امتنان اللّٰه سبحانه على هذه الأمة المرحومة و هو من قبيل قوله بعثت بالشريعة السّهلة السمحاء
و ظاهر أنه لو كان غير التراب من أجزاء الأرض طهورا أيضا لكان التراب لغوا صريحا و توسيطه في البين مخلّا بانطباق الكلام على ما يقتضيه المقام و كان مقتضى الحال أن يقول جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا فإنه أدخل في الامتنان و ليس هذا استدلالا بمفهوم الخطاب بل بأمر آخر و هو لزوم خروج الكلام النبوي عن قانون البلاغة على ذلك التقدير على أنّ دلالة الخطاب إذا اعتضدت بالقرائن الحالية أو المقالية فلا كلام في اعتبارها و لذلك يعزر من قال لخصمه أنا لست زانيا
و بهذا يظهر أن كلام السّيد في أعلى مراتب السداد و فيه نظر أما أولا فلأن ما ذكره من أن تعريف المسند إليه باللام الجنسية يفيد الحصر إن أراد دائما فممنوع و من مارس كتب اللغة علم أنهم يذكرون للفظ واحد كذلك معاني متعددة فكيف يستقيم الحصر في كل واحد
و أما ثانيا فلأنه لا شك أن التمسّك بالخبر المذكور ليس تمسّكا بالمنطوق بل بالمفهوم و ما ذكره لو تم كان دليلا على حجية المفهوم في هذا المقام لا أنه دلالة غير دلالة الخطاب ثم قوله لا ريب أنه مذكور في معرض التسهيل ممنوع لم لا يجوز أن يكون الغرض منه بيان الحكم و كان الغرض من التخصيص شيء آخر غير الحصر من الاحتمالات التي ذكرها القادحون في حجية المفهوم
و لو سلّم أن الغرض منه ما ذكره لكن يجوز أن يكون في ذكر لفظة التراب فائدة أخرى تقاوم ما فات من زيادة إفادة التسهيل الحاصلة بتركها و هي التصريح بتعميم التراب و إن كان منفصلا عن الأرض و رفع توهم حذف مضاف غير المدعى أو يكون التيمم بالتراب أفضل إلى غير ذلك من الفوائد الممكنة فمثل هذه الدلالة لا يكفي مخصّصا للأحاديث الصّحيحة الصّريحة كما لا يخفى على ذي لبّ هذا معنى كلام المحقق و هي متروكة في موضع النص إجماعا ثم لو سلّم أن الظاهر ممّا ذكره من كلام اللغويين لكن ينبغي