ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٩٢
و من أخذ أخذه فالقول بوجوبه في موضع دون موضع لم يعهد و يرد عليه أن النجاسة لا تستلزم وجوب الغسل بالمسّ و جزئيتها لما يجب الغسل بمسّه لا يستلزم اتصافها بهذا الوصف حال كونها منقطعة إذ المسلم ثبوت هذا الوصف حال الاتصال إلا مطلقا إذ الدّليل مختص بالميّت و هو صادق على الجملة حسب و شمول الأجزاء المنقطعة ممنوع مع أن ذلك على تقدير تمامه يستلزم ثبوت الحكم في غير ذات العظم أيضا و هم نافون لذلك و قوله لا يسقط الحكم بالانفصال ممنوع فلو تمسّك في هذا بالاستصحاب فهو ضعيف قد أشرنا إليه مرارا و بطلان عدم وجوب الغسل بمسّ غسل جميع الأجزاء ممزعا ممنوع و حصول القرينة و القبول في الخبر غير واضح و كذا ما ذكره من عدم القائل بالفصل و أكثر ما ذكره من الوجوه مختص بالمبانة من الميّت و مدّعاه أعمّ منه و بالجملة للتوقف في هذه المسألة مجال و الاحتياط فيما اشتهر بين الأصحاب و هل العظم المجرّد من اللحم بحكم ذات العظم فيه قولان أقربهما العدم لأصالة البراءة و قيل نعم
و اختاره الشهيد لدوران الغسل معه وجودا و عدما و هو ضعيف قال الشارح الفاضل هذا في غير السنّ و الضّرس أمّا فيهما فالقول بالوجوب أشدّ ضعفا لأنّهما في حكم الشعر و الظفر قال هذا مع الانفصال أما مع الاتصال فيمكن المساواة و الوجوب لأنه جزء من جملة يجب بمسّها الغسل
و لو خلت القطعة المبانة من حيّ أو ميّت من عظم أو كان الميّت من غير الناس ممّا له نفس سائلة غسل يده خاصّة و لو قال غسل العضو اللامس لكان أولى أمّا وجوب غسل العضو اللامس في الصّورتين فلما سيجيء من نجاسة الميّتة و أمّا عدم وجوب الغسل في الصّورة الأولى فلمرسلة أيوب بن نوح السّابقة في المسألة المتقدمة مضافا إلى الأصل السّالم عن المعارض و أما في الصّورة الثانية فلبعض الأخبار الدالة عليه مضافا إلى الأصل السالم عن المعارض
النظر الرابع في أسباب التيمم
أي الأسباب المسوّغة له و كيفيته
يجب التيمم
التيمّم لغة القصد قال اللّٰه تعالى وَ لٰا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ أي لا تقصدوا الردي من المال تنفقون منه و قال عز و جل فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً أي اقصدوا و نقل في الشرع إلى الضرب على الأرض و المسح بالأعضاء المخصوصة على وجه القربة و وجوبه ثابت بالكتاب و السنة قال اللّٰه تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ و هاهنا إشكال و هو أنه سبحانه جمع بين هذه الأشياء في الشرط المرتب عليه جزاء واحد هو الأمر بالتيمّم مع أن سببيّة الأولين للترخص بالتيمم و الثالث و الرابع لوجوب الطّهارة عاطفا بينها بأو المقتضية لاستقلال كل واحد منها في ترتب الجزاء مع أنه ليس كذلك إذ متى لم يجتمع أحد الآخرين مع واحد من الأولين لم يترتب الجزاء و هو وجوب التيمم
و أجيب عن هذا الإشكال بوجوه الأول أن أو في قوله عز شأنه أَوْ جٰاءَ بمعنى الواو كقوله تعالى وَ أَرْسَلْنٰاهُ إِلىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ الثاني قال البيضاوي وجه هذا التقسيم أن المترخص بالتيمّم إما محدث أو جنب و الحال المقتضية له في غالب الأمر إما مرض أو سفر و الجنب لما مر ذكره اقتصر على بيان حاله و المحدث لما لم يجز ذكره ذكر أسبابه ما يحدث بالذات و ما يحدث بالعرض و استغنى عن تفصيل أحواله بتفصيل أحوال الجنب و بيان العذر مجملا و كأنه قيل و إن كنتم جنبا مرضى أو على سفر أو محدثين من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء
و هذا الوجه لا يوافق ما ثبت عندنا من أنّ المراد بالملامسة الجماع الثالث قال صاحب الكشاف جوابا عن الإشكال الذي ذكرنا قلت أراد سبحانه أن يرخص للذين وجب عليهم التطهر و هم عادمون للماء في التيمم بالتراب فخص أولا من بينهم مرضاهم و سفرهم لأنهم المتقدّمون في استحقاق بيان الرخصة لهم لكثرة المرض و السّفر و غلبتهما على سائر الأسباب الموجبة للرخصة ثم عم كل من وجب عليه التطهر و أعوزه الماء لخوف عدو أو سبع أو عدم آلة استقاء أو إرهاق في مكان لا ماء فيه أو غير ذلك مما لا يكثر كثرة المرض و السّفر انتهى كلامه
و قيل في توضيح كلامه إن القصد إلى الترخيص في التيمم لكل من وجب عليه التطهر و لم يجد الماء فقيد عدم الوجدان راجع إلى الكل و قيد وجوب التطهر المكني عنه بالمجيء من الغائط أو الملامسة اللذين هما من أغلب أسباب وجوب التطهر معتبر في الكل حتى المرضى و المسافرين و ذكرهما تخصيص قبل التعميم بناء على زيادة استحقاقهما للترخيص و غلبة المرضى و السّفر على سائر أسباب الرخصة فكأنه قيل إن جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء خصوصا المرضى و المسافرين فتيمّموا و وجه سببيّة مضمون الشرط لمضمون الجزاء ظاهر هذا
و لكن ينبغي أن يفسر عدم وجدان الماء بعدم القدرة على استعماله لتفيد ترخيص المريض الواجد للماء العاجز عن الاستعمال و يصح أن المرض سبب من الأسباب الغالبة و إلا فهو باعتبار العجز عن الحركة و الوصول إلى الماء من الأسباب النادرة لا الغالبة و ما ذكره من حمل عدم الوجدان على عدم القدرة هو المستفاد من كلام جماعة من المحققين و هو مجاز حسن في مثل هذا المقام و أما جعل عدم الوجدان قيدا للجميع فلا يخلو عن شيء لأنه إذا جمع بين الأشياء في سلك واحد و يكون شيء واحد و هو عدم الوجدان قيدا للجميع كان المناسب أن يكون لكل واحد منها مع قطع النظر عن القيد مناسبة ظاهرة مع الترخيص بالتيمم و ذلك منتف في الأخيرين إلا عند جعل عدم الوجدان قيدا مختصّا و كلام صاحب الكشاف غير آب عن ذلك و الأحسن أن يقال قوله سبحانه فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً قيد للأخيرين مختص بهما لكنه في الأولين مراد بمعاونة المقام فإنه سبحانه لما أمر بالوضوء و الغسل كان هاهنا مظنة سؤال يخطر بالبال فكأن سائلا يقول إذا كان الإنسان مسافرا لا يجد الماء أو مريضا يخاف من استعماله الضرر فما حكمه فأجاب سبحانه ببيان حكمه و ضمّ سائر المعذورين فكأنه قال و إن كنتم في حال الحدث و الجنابة مرضى تستفرون باستعمال الماء أو مسافرين غير واجدين للماء أو كنتم جنبا أو محدثين غير واجدين للماء و إن لم تكونوا مرضى أو على سفر فتيمّموا صعيدا طيبا و التصريح بالجنابة و الحدث ثانيا مع اعتبارهما في المريض و المسافر أيضا لئلا يتوهم اختصاص الحكم للمذكور بالجنب لكونه بعده
و قد يقال في قوله تعالى أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ في موقع إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً مع التفنن و الخروج عن التكرار تنبيه على أن الأمر هاهنا ليس مبنيّا على استبقاء الموجب في ظاهر اللفظ فلا يتوهم أيضا حصر موجب الوضوء في المجيء من الغائط و على كل حال فيه تنبيه على أن كونهم محدثين ملحوظ في إيجاب الوضوء و أما الأخبار فكثيرة منها قول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)الصّعيد الطيّب طهور المسلم و إن لم يجد الماء عشر سنين
و قول الصادق ٧ إن اللّٰه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا إلى غير ذلك مما سيجيء في مواضعه لما يجب له الطهارتان الذي ثبت بالدليل أن التيمم طهور عند فقد الماء كما سيجيء فما وجب له الطهارة المطلقة يجب له التيمم عند تعذر المائية و ما وجب له نوع خاص منها كالصوم بالنسبة إلى الغسل و إثبات وجوب التيمم له لا يخلو عن إشكال و يمكن الاستدلال عليه بقوله ٧ في بعض الأخبار الصّحيحة هو بمنزلة الماء
و إنّما يجب عند فقد الماء مع الطلب على الوجه المعتبر شرعا كما سيجيء و عليه إجماع العلماء كافة إلا من شد و يستوي في ذلك الحاضر و المسافر و تدل عليه الآية و الأخبار الكثيرة المذكورة في طي المباحث الآتية و قال بعض العامة الصحيح الحاضر إذا عدم الماء كالمحبوس و من انقطع عنه الماء يترك التيمم و الصّلاة تعويلا على حجة ضعيفة أو تعذر استعماله للمرض بأن يخاف زيادته أو بطء برئه أو عسر علاجه أو خاف حدوثه و إن لم يكن حاصلا حال الاستعمال و لا فرق في ذلك بين المرض العام بجميع البدن أو المختصة ببعض الأعضاء و
يدل على الجميع إلا صورة خوف الحدوث الآية و على الجميع قوله تعالى مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ و على بعضها قوله تعالى وَ لٰا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ و أما الرواية في هذا الباب فقد روى الكليني و الشيخ عنه عن محمد بن سكين و غيره في الحسن بإبراهيم عن أبي عبد اللّٰه ٧ إن قيل له إنّ فلانا أصابته جنابة و هو مجدور فغسّلوه فمات فقال قتلوه أ لا سألوا أ لا يمّموه إن شفاء العي السؤال
قال و روى ذلك في الكسير و المبطون يتيمّم و لا يغتسل و روى محمّد بن مسلم في الصّحيح قال سألت أبا جعفر ٧ عن الجنب يكون به القروح قال لا بأس بأن لا يغتسل يتيمم و روى داود بن سرحان في الصّحيح عن أبي عبد اللّٰه ٧ في الرّجل يصيبه الجنابة و به جروح أو قروح أو يخاف على نفسه من البرد فقال لا يغتسل و يتيمم و روى ابن أبي عمير مرسلا عن الصادق ٧ قال يؤمّم المجدور و الكسير إذا أصابتهما الجنابة
و روى ابن أبي نصر في الصحيح عن أبي الحسن الرضا ٧ في الرجل تصيبه الجنابة و به قروح أو جروح أو يخاف على نفسه البرد قال لا يغتسل يتيمم و المشهور بين الأصحاب عدم الفرق بين متعمّد الجنابة و غيره في تسويغ التيمم له عند التضرّر بالماء
و قال المفيد و إن أجنب نفسه مختارا وجب عليه الغسل و إن خاف منه على نفسه و لم يجزه التيمّم و أسند في المعتبر إلى الشيخين القول