ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٦٧
يمكن الاعتذار عنه بأن المراد برجوعها إلى التمييز ما إذا طابق تمييزها العادة بدليل ما ذكر من ترجيح العادة على التمييز و اعترض عليه بأنه لا يظهر لاعتبار التمييز فائدة على هذا الاعتذار و ذكر الشارح الفاضل أن الإشكال لا يتحقق في ذاكرة العدد خاصّة إلا في صورة زيادة العدد على التمييز أو نقصانه عنه و في الصورتين يجمع بينهما لإمكان الجمع فيندفع الإشكال و إما ذاكرة الوقت خاصّة فالإشكال ثابت فيها لتحقق المنافاة باعتبار علمها بالوقت
قال بعض المتأخرين و يمكن أن يقال باعتبار التمييز في الطّرف المنسي خاصّة أو تخصيص المضطربة بالناسية للوقت و العدد فإن فقدا أي العادة و التمييز رجعت المبتدئة و قد مر الكلام في تفسيره إلى عادة أهلها و هن الأقارب من الأبوين أو أحدهما و لا يعتبر العصبة لعدم الدليل و يعلّل أيضا بأن المعتبر الطبيعة و هي جاذبة من الطّرفين و هذا الحكم أعني رجوع المبتدئة إلى عادة أهلها مع فقد التمييز مشهور بين الأصحاب و نسبه في المعتبر إلى الخمسة و أتباعهم
و حجتهم عليه ما رواه الشيخ و الكليني عن سماعة بإسناد فيه إرسال قال سألته عن جارية حاضت أول حيضها فدام دمها ثلاثة أشهر و هي لا تعرف أيام أقرائها قال أقراؤها مثل أقراء نسائها فإن كان نساؤها مختلفات فأكثر جلوسها عشرة أيام و أقله ثلاثة أيّام
و عن زرارة و محمد بن مسلم في الموثق بعلي بن الحسن بن فضال عن أبي جعفر ٧ قال المستحاضة تنظر بعض نسائها فتقتدي بأقرائها ثم تستظهر على ذلك بيوم مضافا إلى أن الحيض تعمل فيه بالعادة و بالأمارة كما ترجع إلى صفات الدّم و مع اتفاقهن يغلب على الظن أنها كإحداهن إذ من النادر أن تشذ واحدة من جميع الأهل هذا و التعليل لا يصلح للحجيّة و لعل غرضهم منه التأييد
و أما الخبران و إن كانا غير صحيحين لكن الثاني خبر معتمد يصلح للتعويل لكنه يدل على جواز الاقتداء ببعض نسائها مطلقا و هو خلاف المعروف من مذهبهم
و أمّا الخبر الأول فضعيف السّند إلا أن الشيخ في الخلاف نقل إجماع الفرقة على العمل بمضمونه فبذلك يصحّ التعويل و مقتضاه أنها ترجع إليهن مع اتفاقهن و به صرّح الفاضلان و رجح الشهيد اعتبار الأغلب مع الاختلاف و لا دليل عليه و لا فرق بين الحية من الأهل و الميّتة المعلومة عادتها و لا بين المساوية في السن و المخالفة و لا بين البلدية لها و غيرها لعموم النصّ
و قرب المصنف في النهاية اعتبار و الأقارب مع تقارب الأسنان قال فلو اختلفن فالأقرب ردّها إلى من هو أقرب إليها و رجح الشهيد في الذكرى اعتبار البلد في الأهل و الأقران محتجا بأن للبلدان أثرا في تخالف الأمزجة و نقل الشارح الفاضل عن بعض مشايخه اعتبار البلد فإن فقد فأقرب البلدان إلى بلدها فالأقرب و عموم النّصّ يدفع ذلك كله
فإن اختلفن أو فقدن إما بعدمهنّ أصلا أو بموتهن و عدم علمها بعادتهن أو بعدم تمكنها من استعلام حالهنّ رجعت إلى أقرانهن أي ذوات أسنانها كما في بعض عبارات الأصحاب قال الشارح الفاضل ليس في كلام الأصحاب تعيين للقدر الذي يتحقق به الأقران في السن و في الصّحاح القرن مثلك في السّن قال و الظّاهر الرجوع في ذلك إلى العرف و هو دالّ على أنّ من ولدن في السّنة الواحدة أقران و فيما زاد عنها إشكال
و هذا الحكم ذكره الشيخ في المبسوط و جمع من الأصحاب و ربما يفهم من بعض عباراتهم التخيير بين المراجعة إلى الأهل و الأقران و حكى المصنف عن المرتضى و ابن بابويه عدم ذكر الأقران و مال إليه و أنكر الرّجوع إلى الأقران المحقق في المعتبر فقال و نحن نطالب بدليله فإنه لم يثبت و لو قال كما يغلب على الظن إنّها كنسائها مع اتفاقهن يغلب في الأقران منعنا ذلك فإن ذوات القرابة بينها مشابهة في الطباع و الجنسيّة و الأصل يقوي الظن مع اتفاقهن بمساواتها لهن
و لا يخفى أنّ إنكار ظن الموافقة عند اتفاق الأقران لا يخلو عن بعد إلا أن إثبات وجوب العمل بالظن المذكور يحتاج إلى دليل و اعترض الشهيد في الذكرى على كلام المحقق بأن لفظ نسائها دال عليه لأن الإضافة يصدق بأدنى ملابسة و لما لابسها في السّن و البلد صدق عليهن النساء و أمّا المشاكلة فمع السّن و اتحاد البلد تحصل غالبا قال ليس في كلام الأصحاب منع منه و إن لم يكن فيه تصريح به قال نعم الظاهر اعتبار اتحاد البلد في الجميع لأن للبلدان أثرا ظاهرا في تخالف الأمزجة
و يرد عليه أن الملابسة المذكورة لو كانت كافية في صحة المراجعة لم يستقم اشتراط اتحاد البلد و السن بل يلزم صحة الاكتفاء بأحدهما لصدق الملابسة في أحدهما لتكثر وجوه الملابسات و ذلك يؤدي إلى ما هو متيقن بالإجماع و توقف تماميّة المشاكلة و مقاربة الطبيعة على اجتماع الأمرين لا يصلح مخصّصا لعموم النص
و لقائل أن يقول يستعين في تخصيص النّص بالإجماع الدال على عدم صحة الاكتفاء بأحد الأمرين المذكورين أو غيرها فيبقى ما لم يثبت الإجماع على نفيه داخلا في عموم النص و حينئذ يبقى الكلام في اشتراط اتحاد البلد فإن الأكثر لم يعتبروه و الحق أن حمل اللفظ على هذا المعنى العام خلاف الظاهر خصوصا مع استلزام ذلك للتخصيص البعيد بل المتبادر منه الأقارب فإذن القول بعدم النظر إلى الأقران أقرب
فإن اختلفن أي الأقران و لو بواحدة كما تقدم أو فقدن ببعض المعاني السّابقة تحيّضت في كلّ شهر هلالي بسبعة أيام أو ثلاثة أيام من شهر و عشرة أيام من شهر آخر للأصحاب في هذه المسألة أقوال كثيرة منها أنّها مخيرة بين التحيض في الشهر الأول ثلاثة أيام و في الشهر الثاني عشرة و بين التخصيص في كل شهر سبعة أيام و هو قول الشيخ في الجمل و موضع في المبسوط
و منها أنّها تجعل عشرة أيام حيضا و عشرة أيّام طهرا و عشرة أيام حيضا و هو قول الشيخ في موضع من المبسوط و منها التخيير بين التحيض في كل شهر سبعة أيام و بين التحيض في الشهر الأوّل عشرة و في الشهر الثاني ثلاثة و هو ظاهر الشيخ في النهاية و منها التخيير بين الثلاثة من الأول و العشرة من الثاني و بين الستة و بين السّبعة و هو قول الشيخ في الخلاف
و منها التخيير بين الثلاثة من شهر و عشرة من آخر و بين الستة و بين السّبعة و هو مختار المصنف و جماعة من الأصحاب و منها التحيض في الأول بثلاثة و في الثاني بعشرة و هو قول ابن البراج و منها عكس ذلك نقله ابن إدريس عن بعض الأصحاب و منها التحيض في كلّ شهر بستة أيام نقله ابن إدريس أيضا عن بعضهم و منها أنّها تتحيض في كل شهر بعشرة أيام نقله المحقق عن بعض فقهائنا
و منها أنّها تجلس من ثلاثة إلى عشرة و هو قول المرتضى و ظاهر ابني بابويه و منها أنّها تترك الصّلاة في كل شهر ثلاثة أيام و تصلّي سبعة و عشرين يوما و هو قول ابن الجنيد و اختاره المحقق في المعتبر و الذي وصل إلينا في هذا الباب روايات أربع
الأولى قوله ٧ في مرسلة يونس الطّويلة و تحيض في كل شهر في علم اللّٰه بسبعة أيام أو ستة أيام و مقتضاها التخيير بين السّتة و السّبعة و ينقل عن بعضهم الاحتجاج به على السّبعة و لا وجه له و استضعف هذه الرواية المحقق في المعتبر بأنّ رواية محمد بن عيسى عن يونس ضعيفة استثناها الصدوق و دفعه الشهيد بالشهرة في النقل و الإفتاء بمضمونه حتى عد إجماعا
الثانية ما رواه الشيخ عن عبد اللّٰه بن بكير في الموثق عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال المرأة إذا رأت الدم في أوّل حيضها فاستمر الدم تركت الصّلاة عشرة أيّام ثم تصلي عشرين يوما فإن استمر بها الدّم بعد ذلك تركت الصّلاة ثلاثة أيام و صلت سبعة و عشرين يوما قال الحسن و قال ابن بكير هذا ممّا لا يجدون منه بدا
الثالثة ما رواه الشيخ عن عبد اللّٰه بن بكير أيضا في الموثق قال في الجارية أوّل ما تحيض يدفع عليها الدّم فيكون مستحاضة إنّها تنتظر بالصّلاة فلا تصلي حتى يمضي أكثر ما يكون من الحيض فإذا مضى ذلك و هو عشرة أيام فعلت ما تفعله المستحاضة ثم صلّت فمكثت تصلّي بقية شهرها ثم تترك الصّلاة في المرة الثانية أقل ما تترك امرأة الصّلاة و تجلس أقل ما يكون من الطمث و هو ثلاثة أيام فإن دام عليها الحيض صلت في وقت الصّلاة التي صلّت و جعلت وقت طهرها أكثر ما يكون من الطهر و تركها الصّلاة أقل ما يكون من الحيض
و بهاتين الروايتين استدلوا على التحيض بالثلاثة و العشرة و مقتضاهما التحيض بالثلاثة دائما في غير الدور الأول و لا دلالة فيهما على التحيض بالعشرة بعد الثلاثة كما هو رأي الشيخ و أتباعه
الرابعة رواية سماعة السّابقة و هي موافقة لقول ابن بابويه و اعلم أن الأخبار الواردة في هذا الباب لم تبلغ شيء منها حدّ الصّحة كما قاله المحقق في المعتبر و المصنف في المختلف لكن عندي أنه لا يبعد العمل بروايتي ابن بكير لما أشرنا إليه في المباحث السّابقة من حصول الظنّ بمثل تلك الأخبار و هو غاية ما يحصل من الأدلة التي تعول عليها في الأحكام الفقهية و لا يبعد أيضا العمل بمرسلة يونس لاشتهارها بين الأصحاب فلعلّ ذلك جابر لضعفها إلّا أن العمل بالاحتياط في أمثال هذه المواضع أوجه
قال المحقق بعد استضعافه للرّوايات الواردة في هذا الباب و الوجه عندي أن تتحيض كل واحدة منهما يعني المبتدئة و المضطربة بالتفسير الّذي ذكره و هي من لم تستقرّ لها عادة ثلاثة أيام لأنه المتيقن في الحيض و تصلي و تصوم بقية الشّهر استظهارا و عملا بالأصل في لزوم العبادة انتهى
و يؤيد ما ذكره حصول الاتفاق بالتحيض ثلاثة أيام و لا دليل على الباقي بناء على استضعاف الروايات فتبقى الأدلة الدالة على لزوم العبادة سالمة عن المخصص و لا ريب أن ما ذكره أحوط و هل المراد بقوله ٧ ستة أو سبعة في رواية يونس التخيير أو العمل بما يؤدي اجتهاده إليه و يغلب على ظنه أنه الحيض قيل بالثاني و اختاره المصنف في النهاية لأنه لو لا ذلك يلزم التخيير بين فعل الواجب و تركه و هو منقوض بأيام الاستظهار و اختار المحقق الأول تمسّكا بظاهر اللفظ قال و قد يقع التخيير في الواجب كما يتخير المسافر بين