ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٦١
و لا دلالة للكتاب أيضا عليه فلا يتخيل هاهنا دليل إلا الأخبار الدالة على أن الأحداث موجبة للوضوء
و تلك الأخبار مخصّصة بما عدا صورة مقارنة الجنابة كما ذكرنا و على تقدير العموم غير نافع لأنه خلاف المدّعى سلّمنا أنّ الأحداث مطلقا يحتاج إلى رافع لكن لم لا يجوز أن يكون بعض الغسل كافيا لرفعه في صورة التخلل و كفاية الشيء لشيء في بعض الصور لا يقتضي العموم و الانسحاب في غيره ثم دعواه الإجماع على عدم مجامعة الوضوء الواجب له في المسألة المتنازع فيها محل النظر
و ممّا ذكرنا يعلم اندفاع قوله ره لما دلت الأدلة بل الإجماع على أنّ الأحداث المعدودة سبب في وجوب الطّهارة ثبت له الحكم سواء تعددت أو اتّحدت و تداخلها مع اتفاقها أو دخول الأصغر تحت الأكبر في الجنابة مع فرض الاجتماع لا يوجب سقوط ما ثبت لها من السّببيّة و دلّ عليه الدليل و انعقد عليه الإجماع
فالأصل فيها أن يكون كل واحد منها سببا تاما في مسبّبها احتج المحقق على مذهبه بأن الحدث الأصغر يوجب الوضوء و ليس موجبا للغسل و لا لبعضه فيسقط وجوب الإعادة و لا يسقط حكم الحدث بما بقي من الغسل ثم ألزم القائلين بسقوط الوضوء بأنه يلزمه لو بقي من الغسل قدر الدّرهم من جانبه الأيسر ثم تغوط أن يكتفي عن وضوئه بغسل موضع الدّرهم و هو باطل و الجواب أنا لا نسلم أن الحدث الأصغر مطلقا يوجب الوضوء إنّما الموجب للوضوء الحدث الذي لا يجامع الجنابة ثم قوله و لا يسقط حكم الحدث بما بقي من الغسل ممنوع و الإلزام الذي ذكره فمع كونه محض استبعاد لا ينفع في الأحكام الشرعيّة غير وارد لأنه إذا عقل ارتفاع حدث الجنابة بغسل هذا القدر اليسير و بقاؤه مع ما يترتب عليه من الآثار بدونه فلم لا يجوز أن يرتفع به الحدث الأصغر أيضا و نظيره وارد عليه فإنه إذا غسل قدر درهم من الرأس ثم أحدث يلزمه أن لا يكفيه غسل تتمة الأعضاء و لا تسوغ له الطّهارة إلا بعد الوضوء مع أنه غسل أعضاء الوضوء ضمنا و قد يقال وجوب الوضوء لأن الحدث المتخلل لا بدّ له من رافع و هو إما الغسل بتمامه أو الوضوء و الأول منتف لتقدم بعضه فتعين الثاني و الجواب أن لا نسلم أن الحدث المتخلل يحتاج إلى رافع إذ لا نسلم أن له تأثيرا إذا جامع الجنابة سلّمنا لكن لا نسلم حصر الرافع فيما ذكره لجواز ارتفاعه ببعض الغسل لا بد لذلك من دليل و قد يستدل بالآية و يبعد عدم تأثيره في إيجاب الوضوء حينئذ مع عدم تأثيره فيه بعد تمام الغسل و فيه أن الآية مختصة بغير الجنب بقرينة المقابلة كما مرّ سابقا و المحدث بالحدث المتخلل يصدق عليه أنه مجنب فيكون الواجب عليه الاطهار لا الوضوء لأن التفصيل قاطع للشركة فتكون عدم وجوب الوضوء مستصحبا إلى أن يحصل سبب الوضوء في غير حال الجنابة فدلالة الآية على نقيض مدّعاه أكثر و الاستبعاد الذي ذكره ظاهر الضعف و المسألة محل تردّد و إن كان الاكتفاء بالإتمام لا يخلو عن قوة ما و الاحتياط في ضم الوضوء و إعادة الغسل فروع
الأول قال في الذكرى لو كان الحدث من المرتمس فإن قلنا بسقوط الترتيب حكما فإن وقع بعد ملاقاة الماء لجميع البدن أوجب الوضوء لا غير و إلا فليس له أثر و إن قلنا بوجوب الترتيب الحكمي القصدي فهو كالمرتب و إن قلنا بحصوله في نفسه و فسرناه بتفسير الإستبصار أمكن انسحاب البحث انتهى و أنت خبير بأن الدفعة المعتبرة في الارتماسي ليست دفعة حقيقة فيجوز تخلل الحدث في أثناء الغسل الارتماسي و إن قلنا بسقوط الترتيب الحكمي و إذ قد عرفت بطلان الترتيب الحكمي بمعانيه فلا فائدة في تحقيق ما يبتني عليه
الثّاني لو أحدث في أثناء الغسل المكمل بالوضوء على المشهور كالحيض مثلا هل يطرد الخلاف فيه أو يتعين الإتمام و الوضوء احتمل في الذكرى الأول مع أولوية الثاني و به حكم المصنف في النهاية مع حكمه بإعادة الغسل في الجنابة و وجهه أن الحدث الأصغر يوجب الوضوء إلا ما خصّ بدليل و لا دليل هنا و قد يتخيل إعادة الغسل هنا بناء على أن كل واحد من الوضوء و الغسل مؤثر ناقص في رفع الحدث المطلق تأثيرهما موقوف على حصولهما تامّا لهذا لو أخل بلمعة يسيرة لم يرتفع حدثه فإذا حصل الحدث في الأثناء لم يكف الإتمام و الوضوء بل يحتاج إلى إعادة الغسل و يؤيده عموم الخبر المنقول من كتاب عرض المجالس و ربما توهم بعضهم انسحاب ذلك فيما إذا كان الحدث بعد الغسل و قبل الوضوء بتقريب التخييل المتقدم و المنع متوجه إلى ما ذكره للاتفاق على جواز الصّوم بالغسل خاصّة مع توقفه على رفع الحدث الأكبر غير المس و كذا على جواز دخول المساجد و قراءة العزائم ممّا لا يتوقف جوازه على رفع الحدث الأصغر و هذا يدل على أن الوضوء لا دخل له في رفع الحدث الأكبر و إن قلنا ذلك فإن الحدث موجب له مع الغسل فكان قائما مقام الأصغر و الأكبر و كل واحد من الوضوء و الغسل الرافعين له ينصرف إلى موجبه لا أن لكلّ واحد منهما مدخلا في رفع كل واحد منهما و يمكن أن يقال يكفي الإتمام هاهنا كما رجحناه في الجنابة لعموم موثقه عمّار السّاباطي و قد مر و فيها أيضا المرأة مثل ذلك إذا اغتسلت من حيض أو غير ذلك فليس عليها الوضوء لا قبل و لا بعد و يؤيده كتابة أبي الحسن الثالث إلى محمد بن عبد الرحمن الهمداني لا وضوء للصّلاة في غسل الجمعة و لا غير و يؤيده في الجملة ما يدل على إجزاء الغسل من الوضوء و ما يدل على أن غسل الحيض مثل الجنابة و أنهما واحد و هذه المسألة محلّ تردد و الأحوط فيه كما في المسألة السّابقة إتمام الغسل و الوضوء و أحوط منه الإعادة و الوضوء
الثالث حكي عن بعض القائلين بوجوب إتمام الغسل و الوضوء الاكتفاء بإعادة الغسل عند نية القطع لبطلان الغسل بذلك و رد بأن نية القطع يؤثر في إبطال ما سبق عليها
المقصد الثاني في الحيض
المشهور أن الحيض لغة بمعنى السّيل يقال حاض الوادي إذا سال و بعضهم اعتبر في صدق اسمه القوة فأطلقه لغة على السّيل بقوة ثم نقل إلى الدم الذي يقدمه الرحم إذا بلغت المرأة ثم تعتادها غالبا في أوقات معلومة
و يمكن أن يكون إطلاقه على المعنى المتعارف حقيقة لغوية من غير نقل كما يظهر ذلك من كلام أهل اللغة قال الجوهري يقال حاضت المرأة تحيض حيضا و محيضا فهي حائض و حائضة إلى أن قال و حاضت السّمرة حيضا و هي شجرة تسيل منها شيء كالدّم و أشار إليه المحقق في المعتبر حيث ذكر أولا ما هو المشهور
ثم قال و يجوز أن يكون من رؤية الدم كما يقال حاضت الأرنب إذا رأت الدم و حاضت السّمرة إذا خرج منها الصّمغ الأحمر قال في القاموس حاضت المرأة تحيض حيضا إذا سال دمها و في المجمل الحيض حيض المرأة و حيض السّمرة و في المغرب حاضت المرأة حيضا و محيضا خرج الدم من رحمها لكن كلامهم غير صريح في كون ذلك حقيقة إذ قد يذكرون المعاني المجازية أيضا
و بالجملة كل من الأمرين محتمل و ترجيح الأخير بكون الأصل عدم النقل معارض يكون المجاز خيرا من الاشتراك و لا غرض يعتد به في تحقيق ذلك
و هو في الأغلب
و التقييد بالأغلبية للتنبيه على أنه قد يكون بخلاف ذلك لأن الصفرة و الكدرة في أيام الحيض حيض كما سيجيء أسود أي دم أسود على حذف الموصوف و إبقاء الصّفة و ذلك شائع مشهور فلا يقدح في التعريفات لوضوح القرينة حار يخرج بحرقة و هي اللذع الحاصل من خروج الدم بدفع و حرارة و المستند في هذه الأوصاف أخبار كثيرة
منها ما رواه الشيخ و الكليني عن حفص ابن البختري في الحسن بإبراهيم بن هاشم قال دخلت على أبي عبد اللّٰه ٧ امرأة فسألته عن المرأة يستمر بها الدّم فلا يدري حيض هو أو غيره قال فقال لها إنّ دم الحيض حار عبيط أسود له دفع و حرارة و دم الاستحاضة أصفر بارد فإذا كان للدّم حرارة و دفع و سواد فلتدع الصّلاة و العبيط بمعنى الخالص الطري و ذكر الحرارة مرتين في الخبر إما للتأكيد أو أراد بالثانية معنى الحرقة المذكورة في الحديث الآخر
و عن معاوية بن عمّار في القوي و يعدها بعضهم من الصّحاح و بعضهم من الحسان قال قال أبو عبد اللّٰه ٧ إنّ دم الاستحاضة و الحيض ليس يخرجان من مكان واحد إن دم الاستحاضة بارد و إن دم الحيض حار و في آخر موثقة إسحاق بن جرير الطويلة دم الحيض ليس فيه خفاء هو دم حار تجد له حرقة و دم الاستحاضة دم فاسد بارد
و مقتضى هذه الروايات أن حصول هذه الأوصاف علامة للحيض فمتى تحقق فيه تلك الأوصاف حكم بكونه حيضا إلا بدليل فإن اشتبه دم الحيض بالعذرة أي بدم العذرة و هي البكارة وضعت قطنة فإن خرجت القطنة مطوقة فهو دم عذرة و إلا و إن لم تخرج القطنة مطوقة بل مستنقعة بالدم فحيض لما رواه الكليني و الشيخ عن زياد ابن سوقة في الصحيح قال سئل أبو جعفر ٧ عن رجل اقتض امرأته أو أمته فرأت دما كثيرا لا ينقطع عنها يومها كيف تصنع بالصّلاة قال تمسك الكرسف فإن خرجت القطنة مطوقة بالدّم فإنه من العذرة تغسل و تمسك معها قطنة و تصلي و إن خرج الكرسف منغمسا فهو من الطمث تقعد عن الصّلاة أيّام الحيض
و ما رواه الكليني عن خلف بن حماد بأسانيد ثلاثة فيها الصحيح و الحسن و رواه الشيخ بإسناد حسن عن الكاظم٧و هي طويلة قال في آخرها بعد أن التفت يمينا و شمالا مخافة أن يسمع كلامه أحد و بعد أن قال يا خلف سر اللّٰه فلا تذيعوه و لا تعلموا هذا الخلق أصول دين اللّٰه بل ارضوا لهم ما رضي اللّٰه لهم من ضلال تستدخل القطنة ثم تدعها مليا ثم تخرجها إخراجا رفيقا فإن كان الدم مطوقا في القطنة فهو من العذرة و إن كان مستنقعا في القطنة فهو من الحيض
و يظهر من المحقق في الشرائع و النافع التوقف في الحكم الثاني و صرح في المعتبر فقال لا ريب في أنها إذا خرجت مطوقة كان من