ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٥٥
الثالث ما رواه الشيخ في الصحيح إلى عبد اللّٰه بن يحيى الكاهلي و هو ممدوح عن الصادق٧في المرأة يجامعها الرّجل فتحيض و هو في المغتسل هل تغتسل قال قد جاءها ما يفسد الصّلاة فلا تغتسل علل٧عدم الغسل بمجيء ما يفسد الصلاة عاطفا بقاء التفريع فدل بطريق الإيماء على أن وجوب الغسل إنّما كان ناشئا عن وجوب الصّلاة و إلا لزم عدم مطابقة الجواب للسّؤال إذ لا يلزم من إبطال الصّلاة إبطال الطهارة و المسئول عنه إنّما هو فعل الغسل حال الحيض
فالجواب عنه بمجيء مفسد الصّوم لو لم يرد ما قلناه لم يكن مطابقا للسّؤال سيّما و الإمام٧قد علم من قول السّائل بمجيء المفسد لها و الجواب عنه أنه يجوز أن لا يكون وجوب الغسل إلّا في وقت يصح ارتفاع الحدث فحيث لم يصحّ ذلك لم يجب الغسل فأشار٧بقوله قد جاءها ما يفسد الصّلاة إلى أنّ حدثها لا يرتفع حينئذ فلا يجب عليه الغسل
و أيضا يمكن أن يكون غرض السائل أنه هل يجب عليها الغسل في وقت الحيض أو في ذلك الوقت الذي هي في المغتسل على أن يكون الظرف قيدا للغسل فأجاب٧بقوله المذكور إشارة إلى أنّ الغسل إنّما يتضيق وجوبه بتضيّق الصّلاة فلا يجب عليها في ذلك الوقت لعدم تضيق الصّلاة
و يؤيد ذلك رواية عمّار السّاباطي في الموثق عن أبي عبد اللّٰه٧قال سألته عن المرأة يواقعها زوجها ثم يحيض قبل أن يغتسل قال إن شاءت أن تغتسل فعلت و إن لم تفعل ليس عليها شيء فإذا طهرت اغتسلت غسلا واحدا للحيض و الجنابة و بالجملة صحة التعليل إنما يكون بناء على مقدمة خارجية
و كما يمكن أن تكون تلك المقدمة ما ذكرتم يمكن أن تكون ما ذكرنا على أنه لو سلّم أن هذا خلاف الظاهر لكن يجب ارتكابه جمعا بين الأدلة و لهم وجوه أخر ضعيفة جدا ذكرها المصنف في المنتهى و يدلّ على وجوب الغسل لنفسه ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما ٨ قال سألته متى يجب الغسل على الرّجل و المرأة فقال إذا دخله فقد وجب الغسل و المهر و الرجم
و الاستدلال أن السائل سأل عن وقت الوجوب و زمانه فأجاب٧بوقت الالتقاء و هو أعمّ من أن يكون زمانا لوجوب الغاية أم لا و أيضا يستفاد منه إلا أن الإدخال سبب تام لوجوب الغسل و لو كان الغسل واجبا لغيره يلزم أن لا يكون كذلك فإنه إذا لم يبق المكلّف إلى زمان وجوب الغاية بشرائط التكليف مع حصول الإدخال سابقا على ذلك يلزم أن لا يكون الغسل واجبا عليه مع حصول الإدخال
و أيضا لو أدخل و اغتسل قبل الوقت مندوبا ثم دخل الوقت لم يجب عليه الغسل فلم يكن الإدخال علة لوجوب الغسل و حمله على أن المراد إذا أدخله فقد وجب الغسل بشرط وجوب الغاية مع عدم هذا التقييد في المعطوف عليه بعيد جدا و يحتاج إلى تقييد أو تخصيص آخر
و ذلك لأن الغسل إنما يجب في زمان الغاية إذا لم يفعل سابقا فإذا خصص الوجوب بزمان الغاية يلزم تقييد أو تخصيص آخر و ما رواه الشيخ عن محمد بن إسماعيل في الصحة قال سألت الرّضا٧عن الرّجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان متى يجب الغسل فقال إذا التقى الختانان وجب الغسل
و قوله٦الماء من الماء و قول علي٧إنّما الغسل من الماء الأكبر و قول أبي الحسن٧في صحيحة علي بن يقطين إذا وقع الختان على الختان وجب الغسل و صحيحة الحلبي قال سألت أبا عبد اللّٰه٧أ فعلى المفخذ غسل قال نعم إذا أنزل
إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الموافقة لما يدلّ عليه قول علي٧في قضية المهاجرين و الأنصار أ توجبون عليه الحدّ و الرجم و لا توجبون عليه صاعا من ماء قال الفاضل الشارح و ما ذكر من الأخبار الدالة على أن وجوبه معلق على الالتقاء أو الماء و نحوهما غير مقيد باشتراط وجوب عبادة مشروطة بالغسل معارض بالأوامر الدالة على وجوب الوضوء و باقي الأغسال غير مقيدة بالصّلاة كقول النبي٦من نام فليتوضأ و نقل أخبار أخر من هذا القليل ثم قال و كالحكم بوجوب غسل الثوب و البدن و الإناء من النجاسة مع الاتفاق على أن المراد بذلك الوجوب المشروط
و ما أجاب عن ذلك فهو الجواب عما احتج به لغسل الجنابة
قال في الذكرى أو الأصل فيه أنه لما كثر علم الاشتراط أطلق الوجوب و غلب الاستعمال فلا يرد أن تقييد تلك الأخبار ليس بأولى من تقييد مفهوم خبر زرارة المتقدم و نحوه بما عدا غسل الجنابة فإن المرجح فيه أصالة براءة الذمة من الطهارة عند الخلو من مشروط بها مضافا إلى ما ذكر من المعارضة انتهى
و فيه نظر أما أولا فلأن العدول عن الظاهر في بعض الموارد للإجماع أو دليل آخر لا يوجب انسحاب ذلك في غيره
و أما ثانيا فلأنا لا نسلّم أنّ وجوب الوضوء و باقي الأغسال مشروط بالغاية و قد مر ذلك و أما ثالثا فقول الشهيد ره محل التأمّل لأنا لا نسلم كثرة علم الاشتراط و من أين علم ذلك و كثر و قد عرفت ضعف أدلة ذلك و أما
رابعا فلأنه لو سلّم خبر زرارة في مدّعاهم لكن ارتكاب التأويل فيه أولى لأن ارتكاب التأويل في خبر واحد أولى من ارتكابه في الأخبار الكثيرة المستفيضة مع أن المنطوق راجح على المفهوم و أن مفهوم خبر زرارة لا يصحّ على عمومه بالاتفاق كما عرفت و ممّا يؤيد وجوب الغسل لنفسه ما رواه الشيخ صحيحة عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه في الصحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه٧عن الرّجل يواقع أهله أ ينام على ذلك قال إن اللّٰه يتوفّى الأنفس في منامها و لا يدري ما يطرقه من البلية إذا فرغ فليغتسل
و اعلم أن القائلين بوجوب الغسل لغيره صرّحوا بأن الغسل قبل دخول زمان وجوب الغاية مندوب و حينئذ يرد عليهم الغسل لأجل الصوم إلا أن يخصّوا بما عداه كما ذكره بعضهم و يرد عليهم أيضا أنّ الصّلاة مشروطة بالغسل و ما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب فيكون الغسل المتوقف عليه واجبا
و ظاهر أن الموقوف عليه للصّلاة ليس الغسل في وقت الصّلاة بل يحصل بالغسل الكائن قبل زمان الصّلاة فيكون كلا الأمرين فردا للواجب فيكون الغسل قبل الوقت واجبا و علم من ذلك أن المكلف إذا علم وجوب الغاية في وقتها و حينئذ اغتسل قبل الوقت بنية الوجوب بالمعنى المصطلح صحّ غسله
و إن قلنا بأن الغسل واجب لغيره كما جوّزه بعض أفاضل الشارحين و إن قلنا بعدم اعتبار الوجه أو قلنا باعتباره لكن قلنا قصد الوجوب غير ضار في المندوب كما اختاره الشهيد ره زال الإشكال و كذا لو قصد الوجوب الشرطي أو المعنى الأعم و قد ظهر ممّا تلونا عليك في هذا المبحث أن القول بوجوب غسل الجنابة لنفسه قوي
و الظاهر أن له وجوبين أحدهما لنفسه و الآخر من حيث كونه مقدمة للواجب و لهذا يتضيق بتضيق الغاية و يتسع بسعته فلا يكون هذا دليلا على عدم كونه واجبا لنفسه تمسك به بعضهم و لو لم يجب نية الوجه ضعف فائدة هذه المسألة
و تجب فيه
النية و قد فصل تحقيق ذلك في الوضوء و استدلال من أوجب نية الاستباحة بالآية هاهنا أضعف و نقل عن جمع من المتأخرين أن دائم الحدث كالمستحاضة يقتصر على نية الاستباحة و أنه لا يصح منه نية الرفع لاستمرار الحدث فارقا بينهما بأن الاستباحة عبارة عن رفع المنع بخلاف رفع الحدث فإنّ معناه رفع المانع و هو مستمر و لهذا وجب عليه تجديد الوضوء لكلّ صلاة
و فيه نظر لأن الظاهر أن الحدث الذي يمكن رفعه الحالة المعنوية التي لا يصح معها الدخول في العبادة فمتى صح للمكلف الدخول في الصّلاة ارتفع عنه تلك الحالة غاية الأمر أن زوالها قد يتجدد بتجدد يتغيا بغاية كالمتيمم و دائم الحدث فالقول بجواز نية رفع الحدث مطلقا كما هو المنقول عن شيخنا الشهيد في بعض تحقيقاته لا يخلو عن قوة و المبطون و السّلس كالصحيح بالنسبة إلى الغسل إن قلنا بأن الحدث المتخلل غير مبطل
و على القول بالإبطال يحتمل الصحة هنا للضرورة و هل يجتزى بالغسل في الصّلاة الواحدة من غير وضوء فيها [فيه] وجهان ناشئان من إلحاقه بالوضوء و عدم النص و الأخير أقرب عند الشروع و في مستحبات الغسل كغسل اليدين و المضمضة و الاستنشاق أو واجباته كأول جزء من الرأس في الترتيب و جزء من البدن في الارتماسي و قد تقدم تفصيله في الوضوء
و استدامة الحكم بالمعنى الذي حققناه في مبحث الوضوء حتى يفرغ من الغسل فلو نوى في الأثناء منافيا بطلت النية الأولى فإن عاد أعادها و صح الغسل إن لم يطل الفصل بحيث يخل بالموالاة أو طال و لم يكن الغسل ممّا يشترط فيه الموالاة و إلا أعاد الغسل و لو أخل بالموالاة فيما لا يعتبر فيه كالجنابة ثم عاد إلى الباقي لم يفتقر إلى نية مستأنفة على ما هو الظاهر من إطلاقاتهم و أوجب المصنف في النهاية على ما حكي عنه تجديد النية متى أخر بما يعتد به ليتميز عن غيره و تبعه في الذكرى مع طول الزمان
و غسل بشرة جميع الجسد بأقله أي بأقل الغسل و هو ما اشتمل على الجريان تحقيقا لمسمّى الغسل قال في المعتبر الغسل اسم لإجراء الماء على المحل ذكر ذلك علم الهدى في المصباح فقال إنه يجزي في الوضوء ما جرى مثل الدهن إلا أنه لا بد أن يكون ممّا يتناوله اسم الغسل و المسح و لا ينتهي في القلة إلى ما يسلب الاسم و ما قاله السيّد حسن لأنه لو اقتصر عن مسمّى الغسل لما تحقق الامتثال
و يؤيد ما ذكرناه ما رواه يعقوب بن عمار عن أبي عبد اللّٰه٧عن أبيه أن عليّا٧كان يقول الغسل من الجنابة و الوضوء يجزي منه ما أجري مثل الدهن الذي يبل الجسد انتهى و يؤيده قول أحدهما ٨ في صحيحة محمد و قد سئل عن الجنابة فما جرى الماء عليه فقد طهره و قوله٧في صحيحة زرارة فما جرى عليه الماء فقد أجزأه و قول أبي جعفر٧في صحيحة زرارة الجنب ما جرى عليه الماء من جسده قليله و كثيره فقد أجزأ
و ما ورد بإجزاء مثل الدهن فإنه محمول على ما يحصل معه الجريان و مما يدل عليه الأمر بإفاضة الماء في كثير من الأخبار و المراد بالبشرة