ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٤٤
المستمر و ذلك غير عزيز في كلامهم كما في مسألة الشاك في مبدإ السّعي و هو يعلم الزوجية و الفردية و غير ذلك
و صرّح به في القواعد فقيدهما بكونهما متحدين متعاقبين ثم حكم باستصحاب الحالة السّابقة و مراده من الاستصحاب لازمه مسامحة و من هنا يعلم الجمع بين ما ذكره المصنف و الأصحاب و قال الشارح الفاضل ما ملخّصه أنه إن علم التعاقب فلا ريب و إلّا فإن كان لا يعتاد التجديد بل إنّما يتطهر دائما طهارة رافعة للحدث فإن كان السّابق حدثا فالأوجه الحكم بضد السّابق لضعف الحكم بوجوب الطهارة عند العلم بوقوعها على الوجه المعتبر و الشك في تعقب الحدث لها في الصّورة المفروضة و ليس يقين الحدث مكافئا لليقين بالطهارة لأن الطّهارة قد علم تأثيرها في رفع الحدث أمّا الحدث فغيره معلوم نقضه للطهارة لاحتمال التوالي فيرجع إلى يقين الطهارة مع الشك في الحدوث و إن كان السّابق طهارة فالأوجه الحكم بالطهارة
لكن هذا القسم يرجع إلى التعاقب و إذا انتفى تلك القيود وجب عليه الطهارة و في حكمه بالطهارة في صورة يعلم من حاله عدم التجدد و يعلم كون السّابق حدثا لما ذكرنا من الأدلة الدالة على وجوب الطهارة الشاملة للصّورة المفروضة و اليقين بحدث لا يجوز معها الدخول في الصّلاة مكافىء لليقين بالطهارة و الفرق الذي ذكره غير مؤثر في اختلاف الحكم فإن الحدث المستصحب لعدم البقاء على حكم الطّهارة متيقن و عدم استناد النقض إليه يقينا غير قادح و لو كان اليقين بالطهارة الصّحيحة مع الشك في زوالها موجبا للحكم بالطهارة يلزم ذلك في صورة انتفاء القيود أيضا و التخصيص بأن الطهارة الرافعة موجب لذلك عند الشك بالانتقاض و عدم المكافأة لليقين بالحدث الرافع لا مطلقا مما لا يحصله دليل
و اعلم أن هذه المسألة ينشعب إلى صور اثني عشر لأن الطهارة و الحدث إما تيقنهما متحدين أي متساويين في العدد متعاقبين أي لا يتوالى مثلان منهما و إما تيقنهما من دون شيء من القيدين أو مع تحقق الأول دون الثاني أو بالعكس فالصّواب أربع
و على كل تقدير إما أن يعلم حاله قبل زمانهما متطهرا أو محدثا أو لا يعلم شيئا فيصير اثني عشر و يظهر حكم الكل؟؟؟ و أما الثالثة فلا خلاف فيها بين الأصحاب و يدلّ عليه وجوب تحصيل اليقين بالبراءة و ما رواه الشيخ عن زرارة بأسانيد ثلاثة فيها الصّحيح و الحسن و رواه الكليني بإسنادين أحدهما من الحسان بإبراهيم بن هاشم عن أبي جعفر٧قال إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا فأعد عليها و على جميع ما شككت فيه أنك لم تغسله أو تمسحه مما سمى اللّٰه ما دمت في حال الوضوء فإذا قمت من الوضوء و فرغت منه و قد صرت في حال أخرى في الصّلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمى اللّٰه عليك وضوءه فلا شيء عليك
قال في الذكرى موافقا لابن إدريس لو كثر شكه فالأقرب إلحاقه بحكم الشك الكثير في الصّلاة دفعا للحرج و وافقه الشيخ علي و هو غير بعيد و يؤيّده قوله٧في حسنة زرارة و أبي بصير الواردة فيمن كثر شكه في الصلاة بعد أن قال يمضي في شكه لا تعود و الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه فإن الشيطان خبيث معتاد لما عود فليمض أحدكم في التوهم و لا يكثرن نقض الصّلاة فإنه إذا فعل ذلك ثلاث مرات لم يعد الشك ثم قال إنّما يريد الخبيث أن يطاع فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم فإن ذلك في قوة التعليل فيتعدى إلى غير المسئول عنه
و الظاهر إلحاق النية بباقي الأفعال في الحكم المذكور
و لو تيقن الطهارة و شك في الحدث أو شك في شيء منه بعد الانصراف لم يلتفت أما الحكم الأول فادعى جماعة منهم المحقق و المصنف الإجماع عليه و يدل عليه قوله٧في صحيحة زرارة لا تنقض اليقين أبدا بالشك و قوله٧في موثقة عبد اللّٰه بن بكير عن أبيه إذا استيقنت أنك توضأت فإياك أن تحدث وضوءا أبدا حتى تستيقن أنك قد أحدثت و لا فرق بين أن يكون الحدث مشكوكا أو مظنونا كما صرّح به المحقق في المعتبر و المصنف في المنتهى و النهاية و التحرير
و ربما يتوهم أن الحكم المذكور مبنيّ على الظنّ لبقاء أثر الطهارة بمقتضى الاستصحاب و أن الحكم دائر معه فلو ارتفع الظن المذكور وجب الوضوء و هو توهم فاسد مندفع بالأخبار و كلام الأصحاب فما يدل عليه الخبران السّابقان و ما رواه الشيخ عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه في الضعيف عن أبي عبد اللّٰه٧قال قلت له أجد الريح في بطني حتى أظن أنها قد خرجت فقال ليس عليك وضوء حتّى تسمع الصوت أو تجد الريح قال إن إبليس يجيء فيجلس بين أليتي الرّجل فيفسق ليشككه
و أمّا الحكم الثاني فالظاهر أنه إجماعي و تدل عليه رواية زرارة السّابقة و ما رواه الشيخ عن بكير بن أعين في الحسن قال قلت الرّجل يشك بعد ما يتوضّأ قال هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك و عن عبد اللّٰه بن أبي يعفور في الموثق عن أبي عبد اللّٰه٧قال إذا شككت في شيء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكك بشيء إنّما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه
و اعلم أنّ جماعة من أصحابنا المتأخرين منهم المدقق الشيخ علي و الشهيد الثاني فسّروا الانصراف بالفراغ من الوضوء و إن لم ينتقل من مكانه حتى قال في شرح اللمعة و لو شك في بعضه بعد انتقاله عنه و فراغه منه لا يلتفت و الحكم منصوص متفق عليه و قال صاحب المدارك عدم الالتفات إلى الشك في شيء من أفعال الوضوء بعد الانصراف عن أفعاله و إن لم ينتقل عن محلّه فإجماعي و مراده من الانصراف الفراغ كما يستفاد من لواحق كلامه و هو المفهوم من كلام الشهيد في البيان
و قال المصنف في النهاية الظاهر تعليق الإعادة و عدمها مع الشك في بعض الأعضاء على الفراغ من الوضوء و عدمه لا على الانتقال من ذلك المحل
و لا يخفى أن ظاهر كثير من عبارات أصحابنا المتقدّمين و صريح بعضها يخالف ذلك بل يشعر كتبه منها بأن المراد في صورة عدم الالتفات القيام عن الوضوء عموم بعضها باعتبار الانتقال عن محله و بعضها دال على عدم كفاية الفراغ قال ابن بابويه من شك في شيء من وضوئه و هو قاعد على حال الوضوء فليعد و من قام عن مكانه ثم شك في شيء من وضوئه فلا يلتفت إلى الشكّ إلا أن يستيقن
و قال المفيد في المقنعة و من كان جالسا على حال الوضوء لم يفرغ منه إلى أن قال وجب عليه إعادة الوضوء من أوّله ليقوم من مجلسه و قد فرغ من وضوئه على يقين فإن عرض له شك فيه بعد فراغه منه و قيامه من مكانه لم يلتفت إلى ذلك و قضى باليقين عليه و قال الشيخ في النّهاية فإن شك في الوضوء و هو جالس على حال الوضوء لم يفرغ منه وجب عليه استيناف الوضوء فإن شك في شيء بعد انصرافه من حال الوضوء لم يلتفت إلى الشك و بنى على الوضوء ثم قال و من شك في غسل الوجه و ساق الكلام إلى أن قال فإن شك في مسح رأسه و قد مسح رجليه رجع يمسح برأسه ثم رجليه بما بقي في يديه إلى أن قال فإن لم يبق من ذلك نداوة وجب عليه إعادة الوضوء فإن انصرف من حال الوضوء و قد شك في شيء من ذلك لم يلتفت إليه و مضى على يقينه
و لعلّ مراده بحال الوضوء الحال التي كان في وقت الوضوء عليها و يحتدي على ذلك كلامه (رحمه اللّٰه) في المبسوط و عد ابن زهرة ممّا يوجب إعادة الوضوء الشك في الوضوء و هو جالس عليه و مما لا يوجب الإعادة الشك فيه بعد ما قام عنه و الشك في غسل عضو كذلك و قال ابن زهرة و لا تجوز الصّلاة إلا بطهارة متيقنة فإن شك و هو جالس في شيء من واجبات الوضوء و استأنف ما شك فيه فإن نهض متيقنا لتكامله لم يلتفت إلى شك يحدث له و قال ابن إدريس و من عرض له و هو في حال الوضوء لم يخرج عنه شك إلى أن قال فإن كان الشك العارض بعد فراغه و انصرافه من مغتسله و موضعه لم يحمل الشك و ألقاه لأنه لا يخرج عن حد الطهارة إلا على يقين من كمالها و ليس ينقض الشك اليقين
و قال الشهيد في الذكرى بعد نقل خبر زرارة السابقة و ذكر القيام و القعود تبين الحال نعم لو طال القعود فالظاهر التحاقه بالقيام و قال في الدروس و لو انتقل عن محله و لو تقديرا لم يلتفت و كأنه أراد بالانتقال التقديري الجلوس الطويل
فظهر بما ذكرنا أن الإجماع الذي يفهم من كلام الشهيد الثاني و صاحب المدارك محل النظر و كأن الشهيد الثاني استشعر بذلك فقال في شرح هذا الكتاب بعد نقله لخبر زرارة السّالفة و هذه الرواية كما يحتمل أن يريد بحاله حال الوضوء كما قلناه أولا يحتمل أن يراد به حال المتوضي فيعود الضمير إلى الفاعل المضمر في قوله و لو شك فعلى هذا يرجع ما دام على حاله التي توضأ عليها و إن فرغ من أفعال الوضوء
لكن يرجح الأول ما رواه عبد اللّٰه بن أبي يعفور و نقل الرواية السّالفة و التحقيق أنه إن فرغ من الوضوء متيقنا للإكمال ثم عرض له الشك فالظاهر عدم وجوب إعادة شيء لقوله٧في صحيحة زرارة لا تنقض اليقين أبدا بالشك و خبر ابن بكير السالف و لبعض الأخبار السّالفة في هذه المسألة
لكن الاستدلال بصحيحة زرارة و موثقة ابن بكير إنّما يتم إذا كان المراد باليقين الجزم أما لو اعتبر فيه الثبات و المطابقة فلا و إن شك