ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٣٠
لأبي جعفر ٧ أ لا تخبرني من أين علمت و قلت المسح ببعض الرأس و ببعض الرّجلين فضحك ثم قال يا زرارة قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)و نزل به الكتاب من اللّٰه تعالى لأنّ اللّٰه تعالى يقول فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ فعرّفنا أن الوجه كلّه ينبغي له أن يغسل ثم قال وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ ثم فصّل بين الكلامين فقال وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ فعرفنا حين قال بِرُؤُسِكُمْ أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فعرفنا حين وصلهما بالرأس أن المسح على بعضهما الحديث
و أما الاستدلال بما رواه الشيخ عن حماد بن عيسى في الصحيح عن بعض أصحابه عن أحدهما ٨ في الرّجل يتوضأ و عليه العمامة قال يرفع العمامة بقدر ما يدخل إصبعه فيمسح على مقدم رأسه فضعيف
و نحوه ما روى الكليني عن حمّاد في القوي عن الحسين قال قلت لأبي عبد اللّٰه ٧ رجل توضأ و هو معتم فثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد قال ليدخل إصبعه و احتج في المختلف للمخالف برواية أحمد بن محمد بن أبي نصر في الصحيح عن أبي الحسن ٧ قال سألته عن المسح كيف هو فوضع يده كفه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظهر القدم فقلت جعلت فداك لو أن رجلا قال بإصبعين من أصابعه قال لا إلا بكفه و لا يخفى عدم دلالته على المدعى بوجه
و يمكن الاستدلال بما رواه الشيخ عن زرارة في الصحيح قال قال أبو جعفر ٧ المرأة يجزيها من مسح الرأس أن تمسح مقدمه مقدار ثلاث أصابع و لا تلقي عنها خمارها و رواه الشيخ و الكليني أيضا بإسناد من الحسان
وجه الدلالة أن الظاهر من الإجزاء كونه أقل الواجب و عن معمّر بن عمر في القوي عن أبي جعفر ٧ قال يجزي في المسح على الرأس مقدار موضع ثلاث أصابع و كذلك الرجل
و الجواب عنهما أنهما يجوز أن لا يكون الغرض تحديد أقل مراتب الإجزاء بل كان الغرض نفي ما اشتهر بين المخالفين و كان التخصيص بهذا المقدار للاستحباب سلمنا دلالته على ما ذكرتم لكن يجب تأويله جمعا بينه و بين ما هو أقوى منه مع أن الإجزاء في الخبر الأول يحتمل أن يكون باعتبار عدم وضع الخمار إذ هي مأمورة بالوضع كما في بعض الروايات
روى الشيخ بإسناد فيه جهالة عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال لا تمسح المرأة بالرأس كما يمسح الرّجل إنّما المرأة إذا أصبحت مسحت رأسها و تضع الخمار عنها فإذا كان الظهر و العصر و المغرب و العشاء تمسح بناصيتها و المستفاد من هذه الرواية استحباب وضع القناع لها في الصبح دون البواقي
و جماعة من الأصحاب ألحقوا بالصّبح المغرب أيضا و مستنده غير واضح و اعلم أن الظاهر أنّ من أوجب المسح بمقدار ثلاث أصابع جعل التحديد للممسوح لا للماسح كما صرّح به بعض الأصحاب و ذكر الشيخ علي أن المراد هذا المقدار في عرض الرأس لا في طوله و ذكره الشهيد الثاني في شرح النفلية لكن عبارته في شرح الشرائع تدل على خلافه
و لعلّه يومئ إليه عبارة النهاية ثم اعلم أنّ المستفاد من خبر زرارة السّابق أن الباء في الآية للتبعيض فلا يضر إنكار جماعة من الأصوليين لذلك و لا إنكار سيبويه مجيء الباء للتبعيض في سبعة عشر موضعا من كتابه و لا ما قال ابن جني من أن أهل اللغة لا يعرفون هذا المعنى و إنما يورده الفقهاء مع أنه مع كونه شهادة على النفي معارض بإقرار الأصمعي مع ما قيل من أنه أشد أنسا بكلام العرب من سيبويه و نظرائه و قد رفقه على ذلك أبو علي الفارسي و ابن كيسان و القتيبي و ابن مالك و أكثر عليه من الشواهد و الدلائل قيل و الكوفيّون أيضا قال بعض أصحابنا و الظاهر أنّهما يعني سيبويه و ابن جني نفياه عن بعض أصحابنا البصريّين لا غير صرّح به ابن جني
و يؤيد كون الباء في الآية للتبعيض أنه يتعدى بنفسه و لو لا الباء للتبعيض لما كان لها فائدة و نحن لا نحتاج إلى زيادة خوض فيه لما صحّ عن أهل البيت : من كونها في الآية للتبعيض
و لا يجزي الغسل عنه بدون المسح لعدم حصول الامتثال و روى الشيخ عن زرارة في الصحيح قال قال لو أنك توضأت فجعلت مسح الرجلين غسلا ثم أضمرت أنّ ذلك هو المفترض لم يكن ذلك بوضوء ثم قال ابدأ بالمسح على الرّجلين فإن بدا لك غسل فغسلته فامسح بعده ليكون آخر ذلك المفروض و عن محمد بن مروان في القوي قال قال أبو عبد اللّٰه ٧ إنه يأتي على الرّجل ستون سنة أو سبعون سنة ما قبل اللّٰه منه صلاة قلت و كيف ذلك قال لأنه يغسل ما أمر اللّٰه بمسحه و الظاهر أن معنى الغسل إجراء الماء على العضو و معنى المسح إمرار اليد مع رطوبة سواء كان مع الجريان أم لا فيكون بين حقيقة المسح و الغسل عموم من وجه فلا يضره كثرة الماء في المسح بحيث يحصل منه جريان قليل و به صرح الشهيد في الذكرى فقال و لا يقدح قصد إكثار الماء لأجل المسح لأنه من بلل الوضوء و كذا لو مسح بماء جار على العضو و إن أفرط في الجريان لصدق الامتثال و لأن الغسل غير مقصود انتهى
و بالجملة الظاهر أن الجريان القليل غير ضار إذا لم يقصد أن المفروض غسل و هذا امتثال له لصدق المسح عليه فيشمله إطلاق الآية و الأخبار إذ يصدق عليه المسح بالبلة و لم يقيّد البلة في الأخبار بالقلّة و للخروج من العسر و الضّيق و أنه لم يعهد أنهم : أمروا بتخفيف الرطوبة خصوصا في مواقع التعليم مع عموم البلوى و وقوع الحاجة إذ لا تخلو اليد في أكثر الأحيان بعد الفراغ من الوضوء عن رطوبة يحصل به مسمى الغسل و لم ينقل أنهم : كانوا ينفضون الأيدي تخفيفا للرّطوبة مع توفر الدّواعي على نقل أمثاله إن كانت و لم يذكر السّلف أيضا ذلك فلا يبعد أن يحصل بمجموع ذلك الظن بما ذكرنا
و حينئذ كانت المقابلة بين المسح و الغسل في الآية باعتبار المغايرة لا المباينة الكليّة و المراد من الغسل الممنوع منه في الخبر الغسل بدون المسح أو مع قصد وجوب الغسل و لعلّ هذا مراد المصنف هنا
و في التذكرة حيث نقل فيها إجماع الأصحاب على أنّ الغسل لا يجزي عن المسح فظهر بذلك أن ما ذكره جماعة من الأصحاب من أن بين حقيقي الغسل و المسح تباينا و أن الجريان قادح في المسح تمسّكا بدلالة الأخبار و الآية على اختصاص كل من المسح و الغسل بأعضائه و بالإجماع المنقول في التذكرة ضعيف
و يستحب المسح مقبلا لم أطلع فيه على دليل صالح و تمسّك في المعتبر بالتفصّي عن الخلاف و ذهب الأكثر منهم الشيخ في النهاية و الخلاف و المرتضى و ابن حمزة إلى الوجوب لوقوع الخلاف فيه فيجب فعل المتيقن و هو ضعيف و الأقرب عدم الوجوب لإطلاق الآية و ما رواه الشيخ عن حماد بن عثمان في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال لا بأس بمسح الوضوء مقبلا و مدبرا و فيه تأمّل سيظهر و يدلّ عليه كثير من العمومات
و لا يجوز على حائل كعمامة لعدم حصول الامتثال و الظاهر أنه إجماعي و يدل عليه بعض الأخبار و المنافي مؤوّل أو غيرها كالحنّاء على الأشهر لعدم حصول الامتثال و روى الشيخ عن محمد بن يحيى في الصحيح رفعه عن أبي عبد اللّٰه ٧ في الذي يخضب رأسه في الحناء ثم يبدو له في الوضوء قال لا يجوز حتى يصيب بشرة رأسه الماء و يدل على جواز المسح على الحناء ما رواه الشيخ عن عمر بن يزيد في الصحيح قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن الرّجل يخضب رأسه بالحناء ثم يبدو له في الوضوء قال يمسح فوق الحناء و عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه ٧ في الرّجل يخلق رأسه ثم يطلبه بالحناء و يتوضأ للصّلاة فقال لا بأس بأن يمسح رأسه و الحناء عليه و حملها الشيخ على المشقة بإزالة الحناء و ربما يأولان بأثر الحناء و هو اللون المجرّد و فيه بعد و ينبغي التنبيه على أمور
الأول قال في الذكرى الظاهر أن باطن اليد أولى في المسح نعم لو اختص البلل بالظاهر و عسر نقله أجزأ و لو تعذر المسح بالكف فالأقرب جوازه بالذراع و يرد عليه أن المفهوم من الأوامر إما أن يكون المسح بالكف أو الأعم منه فعلى الأول لا يتجه الحكم ببدلية المسح بالذراع إلا بدليل و على الثاني يلزم إجزاؤه من غير ضرورة
الثاني لا يستحب مسح جميع الرأس عندنا قال في الذكرى و الأقرب كراهيته و حرمه ابن حمزة و في الخلاف أجمعنا على أنه بدعة و قال ابن الجنيد لو مسح من مقدم رأسه إلى مؤخره أجزأه إذا كان غير معتقد فرضه و لو اعتقد فرضه لم يجزه إلا أن يعود إلى مسحه و استضعفه في الذكرى باشتماله على الواجب فلا يؤثر الاعتقاد في الزائد و هو حسن و أبو الصّلاح أبطل الوضوء لو تدين بالزيادة في الغسل أو المسح
الثالث من منع