ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ٢
كتاب الطّهارة
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
و به نستعين الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلوة و السّلام على خيار خلقه سادات الأنام محمّد و آله الطاهرين الكرام الأجلّاء العظام كتاب الطّهارة أي هذا كتاب الطّهارة و الكتاب اسم مفرد جمعه كتب بضمّ التّاء و سكونها و هو فعال من الكتب بفتح الكاف سمّي به المكتوب كالخلق بمعنى المخلوق و كقولهم هذا درهم ضرب الأمير و معناه الجمع و منه تكتب بنوا فلان إذا تجمّعوا و منه الكتاب لأنّه يجمع أمورا متفرقة من المسائل
و الطهارة مصدر طهر بضم العين و فتحها و هي لغة النظافة و قد نقلت في الاصطلاح إلى المعنى الشّامل للوضوء و الغسل و التيمّم و قد اختلف كلام الأصحاب في تعريفها و لا يكاد يوجد تعريف خال عن الطعن حتى زعم بعضهم أن التعريف لفظي و الإطناب في هذا الباب قليل الجدوى في أمر الدّين فالاشتغال بالأمر الأهم أولى و النظر في أقسامها و أسبابها و هي الأحداث الموجبة للطّهارة و معنى السبب عند الأصوليين الوصف الظّاهر المنضبط الذي جعله الشّارع مناطا لحكم شرعيّ كالوقت لوجوب الصّلوة و ما يحصل به و هو الماء و التراب
و توابعها كأحكام الخلوة و النّجاسات و كيفية إزالتها و أحكام الأواني و غيرها
الأول في أقسامها
و هي وضوء و غسل و تيمم أي منقسمة إليها انقسام الكلّي إلى جزئياته و كل منها واجب و ندب
فالوضوء
يجب
بأصل الشرع للصّلاة و الطواف الواجبين و التقييد بالوجوب بناء على عدم وجوب الوضوء لصلاة النّافلة و إن كان شرطا في صحّتها لجواز تركه مع ترك المشروط به و قد يتوهم وجوب الوضوء لها بناء على توجّه الذم على تاركه إذا أتى بالنّافلة في تلك الحال غفلة عن أنّ الذّم ليس لترك الوضوء بل للفعل المذكور و ربما أعان على هذا التوهم إطلاق الواجب عليه مجازا لمشاركته مع الواجب في الشرطية و قد يعبّر عنه بالوجوب الشرطيّ إشارة إلى علاقة التّجوّز و هذا الحكم أعني وجوب الوضوء للصّلاة الواجبة إجماعي و تدلّ عليه الأخبار و الآية و تندرج في الواجب اليوميّة و غيرها من بقيّة الصّلوة الواجبة و لا يحتاج إلى إخراج صلاة الميّت إن قلنا إنّ إطلاق الصّلاة عليها مجاز.
و المعروف من مذهب الأصحاب أن الوضوء ليس واجبا لنفسه بل إنّما يجب عند اشتغال الذمة بواجب مشروط به حتّى أن المصنف في التّذكرة و المدقق الشيخ علي و الشهيد الثّاني نقلوا الإجماع عليه
و حكى الشهيد في الذكرى قولا بوجوب الطهارات أجمع بحصول أسبابها وجوبا موسعا لا يتضيّق إلا لظن الوفاة أو لضيق وقت العبادة المشروطة بها.
و احتمل المصنف في النّهاية وجوب الوضوء بحدث و أسبابه استدل الأولون بقوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا الآية إذ المراد و اللّٰه أعلم إذا أردتم القيام إلى الصّلوة أو معنى آخر يقاربه لا نفس القيام إلى الصّلوة و إلا لزم وجوب الوضوء مؤخّرا عن الصّلاة و هو باطل إجماعا و الاستدلال بالآية من وجهين:
الأول أنّ هذا الكلام يستفاد منه بحسب العرف أنّ المطلوب الغسل و المسح لأجل الصّلوة كما إذا قيل إذا أردت الحرب فخذ سلاحك يفهم منه الأخذ لأجل الحرب و فيه أنّه لا منافاة بين الوجوب لأجل الصّلوة و بين وجوبه في نفسه فيجوز أن يجتمع الوجوبان.
الثاني أنّ مفهوم الشرط حجّة عند أكثر الأصوليّين فالآية تدل على عدم وجوب الوضوء عند عدم إرادة الصّلوة فلا يكون واجبا لنفسه و فيه أنّ المسلم حجيّة مفهوم الشرط إذا لم يكن للتعليق بالشرط فائدة أخرى سوى التخصيص و هاهنا ليس كذلك إذ يجوز أن تكون الفائدة هاهنا بيان أن الوضوء واجب لأجل الصّلوة و إن كان واجبا في نفسه فيكون الغرض متعلقا بالوجوب العارض له حين إرادة الصّلوة باعتبار التوصّل به إليها و كونه من مصالحها مع أنه يستفاد من هذا التعليق كون الوضوء شرطا لصحة الصّلوة إذ يستفاد منه وجوب الوضوء سابقا على الصّلوة فالإتيان بالصّلاة بدون الوضوء كان ضدّا للواجب المذكور و ضد الواجب قبيح منهي عنه و لا يجوز التعبّد بالقبيح المنهيّ عنه على ما حققناه في أصول الفقه و إن خالف في كلتا المقدمتين جماعة من الأصوليين و سيجيء في بعض مباحث هذا الكتاب إشارة إجمالية إلى تحقيق الأمر فيهما بل يمكن أن يقال الآية حجة عليهم إذ يستفاد منها وجوب الوضوء عند إرادة القيام و قد تكون الإرادة متحققة قبل الوقت فيلزم على هذا أن يكون الوضوء قبل الوقت واجبا و هم نافون لذلك متحاشون عنه
و استدلّوا أيضا بما رواه الشيخ في كتاب الصّلاة في أوائل باب تفصيل ما تقدم ذكره
عن زرارة في الصحيح عن أبي جعفر ٧ قال إذا دخل الوقت وجب الطهور و الصّلاة و لا صلاة إلّا بطهور
و أورده الصّدوق في الفقيه مرسلا عن أبي جعفر ٧ وجه الاستدلال بهذا الخبر اشتراط وجوب الطهور بدخول الوقت و المشروط عدم عند عدم الشّرط و في ترتب الفعل الدّال على التجدّد على دخول الوقت دلالة على ذلك و أورد عليه بعضهم أنّ المشروط وجوب الطهور و الصّلاة معا و انتفاء هذا المجموع يتحقق بانتفاء أحد جزأيه فلا يتعيّن انتفاؤهما معا و لعلّ غرضه أن المشروط وجوب المجموع على سبيل الاستغراق الأفرادي فكأنه قيل إذا دخل الوقت وجب كل واحد من الأمرين و اللازم من ذلك على تقدير حجية مفهوم الشرط رفع الإيجاب الكلّي عند انتفاء الشرط إلا أنّ المشروط مجموع الأمرين من حيث هو مجموع إذ ذلك بعيد جدّا بقي الكلام في التجدد المستفاد من الفعل
و يمكن أن يقال تعليقه بالشرط بناء على أنّ الوجوب المؤكد إنّما يكون عند دخول الوقت أو باعتبار أن اتصافه بنوع من الوجوب و هو الوجوب لغيره متجدّد عند الوقت و ارتكاب هذا التأويل أقرب من حمل ما يعارضه على خلاف الظّاهر كما سيظهر على أن هذه الصّيغة شاع استعمالها في مجرّد الثبوت من غير إرادة التجدد الفعلي شيوعا تاما فيقال وجب كذا و يجب كذا مستعملين في أصل الثبوت يظهر ذلك للمتتبع.
و أمّا الإجماع المنقول ففيه أنّ الظاهر أنّ هذه المسألة ممّا لم يصرّح فيه القدماء بشيء و إنّما تجدّد الكلام في الوجوب الغيري و مقابله بين المتأخرين و كلام القدماء مجمل خال عن هذا التعيين نعم كلام ابن بابويه ظاهره الوجوب الغيري حيث قال باب وقت وجوب الظهور و أورد خبر زرارة المذكور و هو ليس بصريح فيه و إثبات الإجماع في مثل هذه المسائل الناشئة بين المتأخرين لا يخلو عن تعذّر و تعسّر سيّما مع وجود الخلاف كما عرفت
و يدل على وجوب الوضوء لنفسه الأخبار التي علق فيها الوجوب على وجود الأسباب و هي كثيرة منها
قول الصادق ٧ في حديث رواه الشيخ عن زيد الشحّام في الصحيح أنّ عليّا ٧ كان يقول من وجد طعم النوم فإنّما أوجب عليه الوضوء
و قوله ٧ فيما رواه الشّيخ عن زرارة في الصحيح فإذا نامت الأذن و العين و القلب وجب الوضوء
و قول أبي الحسن ٧ فيما رواه الكليني عن معمّر بن خلاد في الصحيح إذا خفي عليه الصّوت فقد وجب عليه الوضوء
إلى غير ذلك من الأحاديث.
و الحاصل أنه وقع التعارض بين تلك الأحاديث و بين الخبر السّالف في الجملة فلا بد من ارتكاب التأويل أما في الخبر السابق و يعضده قرب التأويل فيه و كثرة معارضه و أما في تلك الأحاديث و تعضده الشهرة بين الأصحاب و لولاها لكان القول بوجوب الوضوء لنفسه متجها إلا أن الاجتراء على خلاف المشهور مشكل و المسألة محلّ التوقف
و مسّ كتابة القرآن إن وجب لما لم تكن الغاية هنا واجبة بأصل الشرع لم يصفه بالوجوب بل أتى بطريق الشّرط بخلاف