ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١٧٧
أن الخبر الأول عامي معارض بمثله و الخبر الثاني غير صحيح السند معارض بخبر أبي العباس فليحمل على الاستحباب و ينبغي التنبيه على أمور
الأول قال الصدوق و إن ولغ كلب في إناء فيه ماء أو شرب منه أهريق الماء و غسل الإناء ثلاث مرات مرّة بالتراب و مرتين بالماء و المنقول عن والده في الرسالة نحو هذا الكلام و قوى المصنف في النهاية إلحاق اللعاب الحاصل بغير الولوغ به و استقرب ذلك في عرقه و سائر رطوباته و أجزائه و فضلاته و احتج بأن فمه أنظف من غيره و أحد و لهذا كانت نكهته أطيب من غيره من الحيوانات لكثر لهثه و هو ضعيف جدا و المشهور بين الأصحاب قصر الحكم على الولوغ و اللطع اقتصارا للحكم على مورد النصّ و وافق المصنف للمشهور في غير النهاية بل في النهاية أيضا فإنه رجع فيه عن الحكم السابق و أفتى بالمشهور
الثاني أطلق الصّدوقان و الشيخ في الخلاف اعتبار الغسل ثلاثا إحداها بالتراب من غير تعرض لبيان الترتيب و صرح بتقديم التراب الشيخ في النهاية و المبسوط و ابن الجنيد و عليه جمهور الأصحاب و يدل عليه النص المذكور و المفيد صرّح بتوسيط التراب و حجيته غير ظاهرة
الثالث أكثر الأصحاب على الاكتفاء في التعفير بالتراب وحده و بعضهم لم يصرحوا بحكمه حال المزج و صرّح الشهيد بالإجزاء و كذا الشارح الفاضل لكنه اعتبر عدم خروج التراب بالمزج عن اسمه و ابن إدريس اشترط المزج و قواه المصنف في المنتهى احتج ابن إدريس بأن حقيقة الغسل جريان المائع على الجسم المغسول فيعتبر مزج التراب تحصيلا لحقيقة الغسل
و أجاب عنه المصنف في المختلف و الشهيد في الذكرى بما محصّله أن مزج التراب غير محصل لحقيقة الغسل فإن حقيقة الغسل غير حاصلة على التقديرين و المجاز صادق بالتراب وحده و ليس على ترجيح أحد المجازين على الآخر دليل و يرد عليه أن الظاهر من حقيقة الغسل إجزاء الجسم المائع على الشيء سواء كان ماء مطلقا أم لا و لا خفاء في أن إجراء المائع إلى معنى الغسل الحقيقي من المسح بالتراب
و اللائق في الجواب أن يقال مدلول النصّ الغسل بالتراب و الضرورة يقتضي حمل الغسل على المعنى الحقيقي و ارتكاب المجاز في لفظ التراب و العكس و لا ترجيح للأول على الثاني و قد يقال الباء في قوله و اغسله بالتراب في الخبر يحتمل أن يكون للاستعانة كما في قولك كتبت بالقلم و الظرف لغو
و يحتمل أن يكون للمصاحبة كما في قولك دخلت عليه بثياب السفر و الظرف مستقر فعلى الأول يتعين التجوز في الغسل بإرادة الدلك منه لنوع من العلاقة و على الثاني لا حاجة إلى التجوز في الغسل و يحتاج الكلام إلى تقدير المتعلق للجار و هو و إن كان خلاف الأصل إلا أنه راجح على الأول لكونه أسبق إلى الفهم و أكثر في الاستعمال إذ لا ريب في قلة استعمال الغسل في الدلك بالتراب و بعده عن الفهم و ليس الإضمار المتعلق الجار بهذه المثابة و لا قريبا منها و إذا ثبت رجحانه فمقتضاه الاكتفاء بمسمّى المصاحبة
و لا يخفى أن احتمال حمل الباء على المصاحبة احتمال حسن لكن هاهنا احتمال آخر و هو أن يحمل الباء على الاستعانة و يقدر للظرف متعلق مثل الدلك و المسح و أمثاله و التقدير و إن كان خلاف الظاهر لكنه بعيد في مثل هذا المقام بمعونة القرينة و لا يبعد ترجيح هذا الاحتمال لكون المتبادر في مثل هذا المقام أن يكون الباء للاستعانة كما في قوله ثم بالماء المعطوف عليه و لو كان المراد ما ذكره لكان الظّاهر أن يقال ثم بالماء البحت أو القراح كما في أخبار غسل الميّت ثم دعوى تعين التجوز في الغسل على تقدير أن يكون الظرف لغوا و الباء للاستعانة لا يخلو عن إشكال و على ما ذكرنا فمختار الشارح الفاضل لا يخلو عن قوة
الرابع قال المصنف في التذكرة إن قلنا بمزج الماء بالتراب هل يجزي لو صار مضافا إشكال و على تقديره هل يجزي عوض الماء ماء الورد و شبهه إشكال و بنى الحكم في النهاية على أن التعفير حيث ثبت تعبدا أو استظهارا في القلع بغير الماء فعلى الأول يتوقف فيه مع ظاهر النقل و على الثاني يجزي عوض الماء غيره من المائعات كالخل و ماء الورد و لا يضر خروج الماء عن الإطلاق بالمزج بطريق أولى
و لا يخفى أن الحق هو التعبد و احتمال الاستظهار لا دليل عليه إذا ثبت هذا فاعلم أن المشهور بين الأصحاب أن غير الماء المطلق مما لا مدخل له في التطهير فمنهم من جعله مبينا على أن حقيقة الغسل لا يتحقق الماء بدون المطلق و منهم من سلم أن حقيقة الغسل يتحقق بدونه الفرد الشائع المتبادر منه الغسل بالماء المطلق فيجب حمل الأوامر عليه و ليس شيء منهما تامة كما أشرنا إليه في محله و حينئذ لم يضر خروج الماء بالمزج عن الإطلاق و لم يبعد إجزاء غير الماء من المائعات و كذا عدم خروج الماء بالمزج عن الإطلاق لأن اعتبار المزج إنما أخذ من الأمر بالغسل فلا خصوصيته لهذا النوع عن غيره
و إن قلنا بالوجه الثاني فعدم إجزاء غير الماء متجه لكن اشتراط عدم خروج المطلق بالمزج عن اسمه فمحل نظر إذ يمكن أن يقال الظاهر من إطلاق الأمر بالغسل بالماء المستصحب للتراب على ما مر من احتمال حمل الباء على المصاحبة عدم الالتفات إلى بقاء الاسم في شيء منهما بعد الاجتماع نعم اللازم صدق الاسم على كل منهما قبل الاجتماع فإن الفرد الشائع من الغسل الغسل بالماء فإذا وقع الأمر بالغسل مطلقا كان الظاهر منه أن يكون المغسول به مما يصدق عليه إطلاق الاسم و إذا قيد فكأنه قيل اغسل بالماء باعتبار استصحاب الماء للتراب لم يبق الظهور المذكور و كان مقتضاه مجرد صدق الاسم قبل الامتزاج فكأنه قيل اغسل بالماء الممتزج بالتراب مظهر الفرق
الخامس اشترط جمع من الأصحاب الطهارة في التراب و منهم المصنف في المنتهى فإنه قرب ذلك محتجا بأن المطلوب عنه التطهير و هو غير مناسب بالنجس و يشكل بإطلاق النص و حصول الاتقاء بالطاهر و النجس فالقول بعدم الاشتراط غير بعيد و احتمله المصنف في النهاية لكن علل بتعليل ضعيف
السادس ذكر الصدوقان و المفيد بعد الحكم بغسل الإناء من الولوغ أنه يجفف و وجهه غير معلوم و حكاه الفاضلان عن المفيد وحده و ذكر المحقق أنه منفي بالأصل و بالنص فإن ظاهره الاكتفاء بمضمونه و هو حسن
السابع نقل عن ابن الجنيد أنه قال المرة الأولى في الغسل من الولوغ يكون بالتراب و ما قام مقامه فهو يرى التخيير و الجمهور على خلافه اقتصارا على مورد النص
الثامن قال الشيخ في المبسوط إذا لم يوجد التراب و وجد غيره كالأشنان و ما يجري مجراه أجزأ و وجهه المحقق بأن الأشنان أبلغ في الإنقاء فإذا طهر بالتراب فبالأشنان أولى ثم قال المحقق و فيه تردد منشؤه اختصاص التعبد بالتراب و عدم العلم بحصول المصلحة المرادة منه في غيره على أنه لو صح ذلك لجاز مع وجود التراب و هو جيد و قد وافق الشيخ المصنف في كثير من كتبه و توقف في النهاية و قوى عدم الإجزاء في المنتهى و هو حسن
التاسع قال الشيخ في المبسوط و إذا لم يوجد التراب لعلة جاز الاقتصار على الماء و إن وجد غيره من الأشنان و ما يجري مجراه كان ذلك أيضا جائزا و قد يفهم منه اشتراط فقد شبه التراب في إجزاء الماء و اختاره المصنف في جملة من كتبه و الشهيد و ذكر في المنتهى بعد حكاية كلام الشيخ أنه يعطي أحد معنيين إما استعمال الماء ثلاث مرات أو استعماله مرتين
قال و وجه الاحتمال الأول أنه قد أمر بالغسل و قد فات ماء يغسل به فينتقل إلى ما هو أبلغ و هو الماء و فيه أنا لا نسلم كون الماء أبلغ سلمنا لكن يجوز أن يكون الغرض من التراب التعبد أو التعبد مع الإزالة به فلا يجزي الماء و لا ينفع كونه أبلغ على أن اللازم من ذلك عدم رعاية فقدان التراب في حصول الطهارة بالماء و وجه الثاني بأنه أمر بالغسل بالتراب و لم يوجد التراب فالتعدية خروج عن المأمور به و تنجس الإناء دائما تكليف بالمشقة فوجب القول بالطهارة بالغسل مرتين و فيه أن إثبات كون هذا المقدار من المشقة موجبا للترخيص مشكل على أن المشقة الحاصلة بفقد الماء أكثر و لا أقل من المساواة فيلزم القول بكفاية التراب حيث لا يوجد الماء
و لقائل أن يقول بل المستفاد من الرواية الأمر بالغسل بالتراب لا اشتراط حصول الطهارة به فعند التعذر يسقط التكليف و يحصل الطهارة بالماء وحده لعموم الماء يطهر و فيه أن الظاهر من الرواية بمعونة عمل الأصحاب و فهم أنه بيان لكيفية التطهير فيستفاد منه الاشتراط و لو صح ما ذكره يلزم أن يحصل الطهارة في صورة عدم تعذر التراب أيضا و المصنف لا يقول به و الخبر لا يدل على أن الماء مطهر لكل شيء بأيّ وجه اتفق
و قد يفهم بعضهم من كلام الشيخ التخيير عند عدم التراب بين الاقتصار على الماء و استعمال ما يشبه التراب و ذكر أنه لا يعرف للشيخ موافقا على هذا المعنى نعم ذكره المصنف في التذكرة و النهاية احتمالا و الأقوى في المسألة بقاء الإناء عند فقد التراب أو عدم استعماله على النجاسة كما ذهب إليه جمع من المتأخرين لأن مقتضى اشتراط الطهارة بالغسل بالتراب و الماء انتفاؤها عند انتفاء الشرط و لا شك في انتفاء المجموع بانتفاء أحد أجزائه و الاكتفاء ببعض الأجزاء أو قيام شيء آخر بدل البعض يحتاج إلى دليل فكما أن الجزء الآخر للشرط و هو الماء لا يتفاوت الحال في انتفاء المشروط عند