ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١٧٢
توقيف الشارع فالمسألة محلّ تأمّل و يمكن الاستناد في الطّهارة إلى العمومات الدالة على طهارة المياه بالتقريب الذي أشرنا إليه مرارا و ينبغي التنبيه على أمور
الأول مورد الحديث و كلام كثير من الأصحاب كما هو استحالة عين النجاسة و عمم بعضهم الحكم بحيث يتناول المتنجس أيضا تعويلا على أن ثبوت ذلك في أعيان النجاسات يقتضي ثبوته في المتنجس بها أيضا بطريق أولى و للتأمّل فيه مجال و الحكم بأحد الطرفين لا يخلو عن إشكال
الثاني ذكر جمع من الأصحاب أن الدخان المستحيل من الأعيان النجسة طاهر أيضا كالرماد و لم أقف على نص و ربما ينظر إلى أن تغير الحقيقة فيه أقوى من الرماد فيثبت فيه الحكم لمفهوم الموافقة و فيه تأمّل و يعزى إلى بعضهم نقل الإجماع عليه و تردّد في طهارته المحقق في الشرائع و لم يذكره في المعتبر و ينسب إلى الشيخ في المبسوط القول بنجاسة دخان الدّهن النجس معللا بأنه لا بد من تصاعد بعض أجزائه قبل إحالة النار لها بواسطة السّخونة و في التعليل نظر
و قال المصنف في النهاية بعد الحكم بطهارة الدخان مطلقا للاستحالة كالرماد أنه لو استصحب شيئا من أجزاء النجاسة باعتبار الحرارة المقتضية للصّعود فهو نجس و لهذا نهي عن الاستصباح بالدهن النجس تحت الظلال لعدم انفكاك ما يستحيل في الدخان عن استصحاب أجزاء دهنية اكتسب حرارة أو حيث ملاقاة الظّل و فيه تأمّل
الثالث ألحق بعضهم بالرماد الفحم محتجّا بزوال الصّورة و الاسم و توقف فيه الشارح الفاضل و التوقف في محلّه
الرابع اختلف الأصحاب في طهارة الطين النجس إذا أحالته النار خزفا و آجرا فذهب الشيخ في الخلاف و المصنف في النهاية و موضع من المنتهى و الشهيد في البيان إلى طهارته و اختاره صاحب المعالم و توقف المحقق في المعتبر و المصنف في موضع آخر من المنتهى و حكم جماعة منهم الشارح الفاضل بعدم الطهارة حجة القول بالطهارة وجوه الأول إجماع الفرقة نقله الشيخ في الخلاف
الثاني صحيحة الحسن بن محبوب السّابقة الثالث أصالة الطهارة بناء على أن مدرك الحكم بالتنجس في مثله بعد ذهاب العين إنما هو الإجماع و لا ريب في انتفائه بعد الطبخ و فيه نظر لمنع ثبوت الإجماع و لعدم شمول الرواية لموضع النزاع و ضعف التّمسك بأصالة الطهارة على ما أشرنا إليه مرارا
جهة القول بالنجاسة أنه لم يخرج بالطبخ عن مسمّى الأرض كما لم يخرج الحجر عن مسمّاها مع كونه أقوى تصلبا منه و استوائها في العلة المقتضية لذلك و هي عمل الحرارة في أرض أصابها رطوبة و فيه نظر لأن عدم الخروج عن اسم الأرض لا يوجب الحكم بالنجاسة فإنه تابع للدليل الدال عليها و هو مقصور على حالة مخصوصة فلا يتعدى إلى غيرها على أن ادعاء عدم الخروج عن الاسم محل تأمّل
و لعل منشأ الحكم بذلك ملاحظة ما ذكر من اشتراكهما في علة الصّلابة و كونها في الحجر أقوى لكن العرف يحكم بفساد ذلك و يصدق اسم الأرض على الحجر دون الخزف و قد تنبه لذلك المحقق في المعتبر فقال في بحث التيمم أن الخزف خرج بالطبخ عن اسم الأرض فلا يصحّ التيمم به ثم ذكر جوازه بالحجر محتجّا بأنه أرض إجماعا
الخامس إذا استحالت الأعيان النجسة ترابا أو دودا فالمشهور بين الأصحاب الطهارة و هو قول الشيخ في موضع من المبسوط و يعزى إليه في المبسوط قول آخر بالنجاسة في صورة الاستحالة بالتراب و تردّد المحقق في ذلك و توقف المصنف في التذكرة و التحرير و القواعد في صورة الاستحالة ترابا و جزم بالطهارة في صورة الاستحالة دودا و لعل الأول أقرب للعمومات الدالة على طهورية التراب السّالمة عن المعارض
السّادس قال في المعتبر لو كانت النجاسة رطبة و مازجت التراب فقد نجس فلو استحالت النجاسة بعد ذلك و امتزجت بقيت الأجزاء الترابية على النجاسة و المستحيلة أيضا لاشتباهها بها و هو حسن
السّابع إذا عجن العجين بالماء النجس ثم خبز لم يطهر على المشهور بين الأصحاب و قال الشيخ في الإستبصار في موضع من النهاية إنه يطهر حجة الأول أن المفروض كون الماء نجسا و النار لا تخرج عن العجين المبخور جميع الماء و إنما تجفف بعض رطوبته فيفتقر الحكم بطهارة باقي الرطوبة إلى الدليل و ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا و ما أحسبه إلا حفص بن البختري قال قيل لأبي عبد اللّٰه ٧ في العجين يعجن من الماء النجس كيف يعجن به قال يباع ممّن يستحل أكل الميّتة
و في الصحيح عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال يدفن و لا يباع و فيه نظر أما الأول فلأن الاستصحاب عندي تابع للدليل الدال على الحكم و هو إما الإجماع أو الخبر و الأول غير مقتض للاستصحاب في محل النزاع
و أما الثاني فمقتضاه النهي عن استعمال الماء النجس في الطهارة و الشرب و لا يخفى عدم ذلك من جريانه في محل البحث و بهذا يندفع ما يقال من أن العجين ينجس بالماء النجس و النار لم تحله بل جففته فأزالت بعض رطوبته و ذلك لا يكفي في التّطهير و ذلك لأن نجاسة العجين مسلم لكن استصحاب النجاسة في محل النزاع ممنوع لفقد الدليل عليه و أما الثاني فلكون الرّوايتين معارضتين بما سيجيء احتج الشيخ في الإستبصار بما رواه في الصحيح عن ابن أبي عمير عمّن رواه عن أبي عبد اللّٰه ٧ في عجين عجن و خبز ثم علم أن الماء كانت فيه ميتة قال لا بأس أكلت النّار ما فيه
و بما رواه عن عبد اللّٰه بن الزبير قال سألت أبا عبد اللّٰه عن البئر تقع فيها الفأرة أو غيرها من الدّواب فتموت فيعجن من مائها أ يؤكل ذلك الخبز قال إذا أصابته النار فلا بأس بأكله و أجيب عنهما أولا بالطعن في السّند أما الأولى فبالإرسال و فيه تأمّل و أما الثّانية فبأن من جملة زوالها أحمد بن الحسن الميثمي
و قال النجاشي أنه كان واقفيا و أحمد بن محمّد بن عبد اللّٰه بن الزبير و جدّه و هما مجهولان و ثانيا لعدم صراحة الرّوايتين في نجاسة الماء الذي عجن به أما الأولى فلاحتمال كون الماء الذي وقعت فيه الميّتة كرا و احتمال كون الميّتة مما لا نفس لها و أما الثانية فلعدم ظهور المقتضي للنجاسة فيما سوى تعليق نفي البأس عن أكله بإصابة النار و من الجائز أن يكون منشأ البأس مع عدم إصابة النار كراهة ما ماتت فيه الفأرة و نحوها من الماء و المسألة محل تردد لأنه وقع التعارض بين الأخبار فيجوز ترجيح خبري النجاسة و ارتكاب التأويل في خلافهما لاعتضادهما بالشهرة و يجوز العكس لاعتضاد ما دل على الطهارة بالأصل و بما دل على حمل ما لم يثبت النهي فيه و قرب الجمع بحمل خلافه على استحباب التنزه أو يقال يتعين الدفن و البيع عند عدم الخبر لا مطلقا فلا تعارض بين الأخبار و لعل احتمال الطهارة أقرب
و اعلم أن المصنف وقف في العمل بمدلول الرواية المتضمنة لبيع العجين النجس ممن يستحيل الميّتة ثم قال و يمكن أن يحل البيع على غير أهل الذمة و إن لم يكن ذلك بيعا في الحقيقة و اعترض عليه بأنّ العجين النجس عين مملوكة يمكن الانتفاع بها نفعا محللا في علف الحيوان و غيره فلا مانع من جواز بيعه من المسلم مع الإعلام بحاله كالدهن النجس و كذا من مستحله من أهل الذمة و غيرهم لعدم ثبوت كون ذلك قائما حتى يتعلق به النهي في قوله تعالى وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ و لما رواه الشيخ بسندين أحدهما صحيح و الآخر حسن عن الحلبي قال سمعت يقول إذا اختلط الذكي بالميتة باعه ممّن يستحل الميّتة و أكل ثمنه
الثامن اختلف الأصحاب في طهارة الخنزير إذا وقع في المملحة و استحال ملحا و العذرة إذا وقعت في البئر فصار حمأ فذهب المحقق في المعتبر و المصنف في عدة من كتبه إلى عدم حصول الطهارة بذلك و توقف في التذكرة و القواعد و ذهب جماعة منهم فخر المدققين و الشهيدان و الشيخ علي إلى الطّهارة و هو أقرب للعمومات الدالة على حل ما عدا شيئا مخصوصة و من جملتها الملح المذكور و الحل يستلزم الطّهارة مضافا إلى أن الحكم بالنجاسة منوط باسم مخصوص فلا يبقى عند زواله لغة و عرفا كما فيما نحن فيه
احتج الفاضلان بأن النجاسة قائمة بالأجزاء لا بأوصاف الأجزاء فلا تزول بتغير أوصاف محلها و تلك الأجزاء باقية فتكون النجاسة باقية
و الجواب أن النجاسة قائمة بالأجزاء بشرط الوصف لا مطلقا و اعلم أن فخر المدققين خرج بقاء النجاسة تارة على أن النجاسة ذاتية لهذه الأعيان و أخرى على أن الباقي مستغن عن المؤثر و زوالها على احتياجه و فيه ضعف و الحق أن تخرج المسائل الفقهية على أمثال هذه القواعد قوي الوهن و ينبغي أن نفرض المسألة فيما إذا كان ماء المملحة كرا نظرا إلى أن الأرض تنجس عند القلة و كذلك الماء و يلزم من ذلك نجاسة ما يلاقيهما من الملح و استحالة الماء ملحا غير مؤثر في تطهير الملح المتنجس به
التاسع من باب الاستحالة المطهرة استحالة النطفة حيوانا طاهرا و الماء النجس بولا لحيوان مأكول اللحم و الغذاء النّجس روثا أو لبنا لمأكول اللحم و الدم النجس قيحا أو جزءا من حيوان لا نفس له و الظاهر أنه لا خلاف في شيء من ذلك و منه استحالة الخل خمرا و لو بعلاج
و قد نقل المصنف اتفاق علماء الإسلام عليه إذا كانت استحالته من قبل نفسه و الأخبار في هذا الباب كثيرة كموثقة عبيد بن زرارة قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن الرّجل يأخذ الخمر فيجعله خلّا قال لا بأس و موثقة عبيد بن زرارة أيضا عن أبي عبد اللّٰه ٧ أنه قال في الرجل باع عصيرا فحبسه السلطان حتى صار خمرا فجعله صاحبه خلا فقال إذا تحول عن اسم الخمر فلا بأس به
و يمكن إلحاق الروايتين بالصحاح لما أشرنا إليه من أنّ وجود ابن بكير في الطريق غير قادح و حسنة زرارة عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال سألته عن الخمر العتيق