ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١٦٤
في المائع مطلقا إلّا أن يثبت إجماع على خلافه و إثبات كون بعض الوجوه المذكورة مطهرا مشكل كما أن إثبات عدمه أيضا مشكل لفقد دليل تام على أحد الجانبين فالمسألة محلّ الإشكال و إن قلنا بتوقف الطهارة على وصول الماء إلى كل جزء من أجزائه أشكل الحكم بالطّهارة في الدّهن و أمثاله لما ذكره جماعة من أن العلم بوصول الماء إلى جميع أجزاء الدهن غير ممكن بل قد يعلم خلافه لأن الدهن يبقى في المأمور عافية غير مختلط به و إنما يصيب سطحه الظاهر
و أما غيره من المائعات فالظاهر على القول المذكور أن تطهيرها يتوقف على شيوعها في الماء و استهلاك فيه بحيث لا يبقى شيء من أجزائه ممتازا إذ مع الامتياز لا يحصل العلم بنفوذ الماء إلى ذلك الجزء و إذا حصل الاستهلاك على الوجه المذكور لم يبق المائع على الحقيقة التي كان عليها
و الظّاهر أن مثل هذا لا يسمّى تطهيرا في الاصطلاح و من هاهنا قيل إن النزاع بين المصنف و غيره في تطهير غير المضاف من المائعات لفظي و هو غير بعيد و على القول المذكور فالثوب المصبوغ بالمتنجس المائع يتوقف طهره قبل الجفاف على استهلاك الماء للأجزاء المائعة من الصّبغ و كذا القول في ليقة الحبر المتنجس أما بعد التجفيف فيمكن طهارة الثوب و إن بقي أجزاء الصّبغ فيه إذا علم نفوذ الماء في جميع تلك الأجزاء و أما طهارة الليقة ففيه إشكال لأن الاجتماع الحاصل في أجزائها موجب لعدم نفوذ الماء في الأجزاء الداخلة إلّا بعد المرور على الخارجة و تكرر مرور الماء على أجزاء الحبر موجب لتغيره و خروجه عن الإطلاق و الحال أن التّطهير متوقف على بقاء الماء على إطلاق الاسم و لو فرض الأمر على خلاف ذلك حصلت الطهارة و لو فرضت المماثلة بين بعض أنواع الصّبغ و الحبر في الحكم المذكور كان له حكم الحبر و بالجملة الحكم يختلف في أنواع الصّبغ و الحبر فينبغي اعتبار ذلك
الثالثة عشر قال في المنتهى الصّابون إذا انتقع في الماء النجس و السّمسم و الحنطة إذا انتقعا كان حكمهما حكم العجين يعني في عدم قبول التطهير بالماء لأن ظاهره ذلك في العجين ثم حكى عن بعض العامة أنه قال في الحنطة و السّمسم إذا تنجسا بالماء أو اللحم إذا كان مرقه نجسا يطهر بأن يغسل ثلاثا و يترك حتى يجف في كل مرّة فيكون ذلك كالعصر ثم قال و هو أقوى عندي لأنه قد ثبت ذلك في اللحم مع سريان أجزاء الماء النجسة فيه فكذا ما ذكرناه
و لا يخفى أنّ الحكم بالغسل ثلاثا و كذا تنزيل الجفاف منزلة العصر غير معهود عن مذهب المصنف و لعلّ مراده من الحكم بقوة ما حكاه ليس إلا إثبات القبول للتطهير و أمّا اعتبار التعدد و الجفاف فغير منظور إليه و يؤيد ذلك تعليل الحكم بحال اللحم مع أن الثابت على ما قرّره هو و غيره طهارته بالغسل إذا وقع في مرقه ما يقتضي التنجيس
و يؤيده أيضا أنه اقتصر في النهاية على الحكم بقبولها للتطهير ثم ما دل على الحكم المذكور في اللحم روايتان الأولى رواية السّكوني عن أبي عبد اللّٰه ٧ أن أمير المؤمنين ٧ سئل عن قدر طبخه و إذا في القدر فأرة قال يهراق مرقها و يغسل اللحم و يؤكل و الأخرى رواية زكريا ابن آدم قال سألت أبا الحسن ٧ عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيها لحم كثير و مرق قال يهراق المرق أو يطعمها أهل الذمة أو الكلاب و اللحم اغسله و كله
و قد يقال كلتا الروايتان ضعيفتان فالتعويل في الحكم على الثبوت في اللحم ليس بجيد و مع هذا فالحق أن إمكان التطهير في الكل ثابت لكنه موقوف على العلم باستهلاك الماء الطاهر لأجزاء النجس و يزيد في خصوص اللحم زوال الأجزاء الدهنية التي حكم بنجاستها في حال المائعية
و أمّا ما عرض له التنجيس و هو جامد فإنما ينجس ظاهره و يطهّر بالغسل كسائر الجامدات و فيه نظر لأنه غير بعيد التعويل على الروايتين بناء على سلامتها عن المعارض و كونهما معمولين عند الأصحاب مشهورين بينهم و على تقدير التسليم فإثبات توقف التطهير على ما ذكره يحتاج إلى دليل إذ لا دليل على استصحاب حكم النجاسة في محل النزاع على ما أشرنا إليه مرارا
ثم إن قلنا بتوقف طهارة اللحم على زوال الأجزاء الدّهنية المذكورة فالظّاهر أن الموقوف عليه زوال الأجزاء التي وقعت النجاسة فيها مما لاقى ظاهر اللحم أو نفذ فيه بعد وقوع النجاسة إلّا أن يكون متصلا بالأول متحدا معه فتدبر
الرابعة عشر زوال حكم النجاسة يتوقف على زوال العين إن كان لها عين أو استحالتها و ذلك في مواضع مخصوصة سيجيء بيانها و لا عبرة ببقاء اللون و الرائحة قد حكى المحقق إجماع العلماء على ذلك و الظاهر أنه لا خلاف فيه إلّا أنه قال المصنف في النهاية بعد أن حكم بأن بقاء اللون غير ضائر و لو بقيت الرائحة كرائحة الخمر و هي عسرة الإزالة فالأقرب الطهارة كاللون لجامع مشقة الإزالة و لو بقي اللون و الرائحة و عسر إزالتهما ففي الطهارة إشكال
و الظّاهر ما ذكرناه لحسنة ابن المغيرة عن أبي الحسن ٧ قال قلت له للاستنجاء حد قال لا حتى ينقى ما ثمة قال فإنه ينقى ما ثمة و يبقى الريح قال الريح لا ينظر إليها و يدل على اغتفار اللون رواية علي بن أبي حمزة عن العبد الصّالح ٧ قال سألته أمّ ولد لأبيه فقالت جعلت فداك إني أريد أن أسألك عن شيء و أنا أستحيي منه قال سليني و لا تستحي قلت أصاب ثوبي دم الحيض فغسلته فلم يذهب أثره قال اصبغيه بمشق حتى يختلط به و يذهب أثره
و عن عيسى بن منصور قال قلت لأبي عبد اللّٰه ٧ امرأة أصاب ثوبها من دم الحيض فغسلته فبقي أثر الدم في ثوبها قال قل لها تصبغه بمشق حتى يختلط و عن أبي بصير قال سألته امرأة أن بثوبي دم الحيض و غسلته و لم يذهب أثره قال اصبغيه بمشق و لو كان زوال اللون شرطا في زوال النجاسة لم يكن للأمر بالصبغ فائدة إذ الظّاهر أن فائدته إخفاء لون النجاسة عن الحس و عدم صحة الروايات و اختصاصها ببعض المواد غير قادح لانجبار ضعفها بالشهرة و عمل الأصحاب و الإجماع المنقول و عدم القائل بالفصل
و يدل عليه أيضا إطلاق الأمر بالغسل الحاصل مع بقاء اللون و الرائحة و يؤيده ضعف الاستناد إلى استصحاب النجاسة في محل البحث إلّا في بول الرضيع فإنه يكفي فيه الصّب و لا يحتاج إلى العصر على المشهور بين الأصحاب بحيث لا نعلم فيه مخالفا و ظاهر كلام الفاضلين حيث ذكرا هذا الحكم و نسبا المخالفة فيه إلى العامة كونه اتفاقيا بين الأصحاب و نقل اتفاقهم عليه الشيخ في الخلاف
و ربما يتوهم من كلام المصنف في التذكرة أن للأصحاب في هذه المسألة قولين أحدهما الاكتفاء بالصبّ و ثانيهما الاكتفاء بالرش و أنهما متغايران و من تأمّل في كلامه يجد أن هذا التوهم خطأ و أن ما زعم قولا مغايرا إعادة للقول المذكور أولا و أن المراد بالصبّ و الرش في هذا الموضع إيراد الماء مع الغلبة بدون التقاطر و السّيلان و من جملة ما ينبه على ذلك أنه قد يورد هذا الحكم بلفظ الصبّ و قد يورد بلفظ الرش و قد ذكره في النهاية بلفظ الرش و يشترط أن يصيب الماء جميع موضع البول و ذكر أن مراتب إيراد الماء ثلاثة النضح المجرّد و مع غلبة الماء و مع الجريان و لا حاجة في الرش إلى الدرجة الثالثة قطعا و هل يحتاج إلى الثانية الأقرب ذلك و يفترق الرش و الغسل بالسيلان و التقاطر
و مستند هذا الحكم ما رواه الكليني و الشيخ عن الحلبي في الحسن قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن بول الصبيّ قال يصب عليه الماء فإن كان قد أكل فاغسله غسلا و الغلام و الجارية شرع سواء و تؤيده رواية السّكوني عن جعفر عن أبيه أن عليا ٧ قال لبن الجارية و بولها يغسل منه الثوب قبل أن تطعم لأن لبنها يخرج من مثانة أمها و لبن الغلام لا يغسل منه الثوب و لا بوله قبل أن يطعم لأنّ لبن الغلام يخرج من العضدين المنكبين
و الخبر الأول يكفي مستندا لهذا الحكم و إن لم يكن صحيحا بعد اعتضاده بعمل الطائفة و تأيده بالرّواية الثانية مضافا إلى حسنه برواية إبراهيم بن هاشم و هو ممّن يرى بعض الأصحاب الاعتماد على روايته بشهادة القرائن على حسن حاله و الاعتماد على نقله
فإن قلت قد روى الحسين بن أبي العلاء قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن الصّبي يبول على الثوب قال يصب عليه الماء قليلا ثم يعصره و عن سماعة قال سألته عن بول الصّبي يصيب الثوب فقال اغسله قلت فإن لم أجد مكانه قال اغسل الثوب كله
و هذان الخبران ينافيان الأول مع اعتضادهما بالأخبار الدالة على اعتبار الغسل مرتين في البول قلت عمل الأصحاب بمدلول الأول يرجح العمل به و ارتكاب التأويل في الأخيرين أما الأولى منهما يحمل على الاستحباب أو على أن يكون الغرض من العصر إخراج أجزاء النجاسة كما يشعر به قوله يبول على الثوب و أما الثانية فقد حملها الشيخ على إرادة الصب من الأمر بالغسل أو على أن المراد بالصّبي من أكل الطّعام و الثاني أقرب من الأول و الحمل على الاستحباب أقرب منهما
و أما الأخبار الدالة على اعتبار الغسل مرتين في البول تخصص جمعا بين الأدلة و قد نوقش في عمومها بناء على أن العموم فيها مستند إلى القرائن لا إلى عموم اللفظ و في شهادة القرائن على دخول بول الرضيع نظر و كأن الظّاهر العموم لو لا المعارض و يعتبر في الصبّ الاستيعاب لإصابة البول لا الانفصال إلّا أن يتوقف عليه زوال عين النجاسة مع احتمال الاكتفاء به مطلقا لإطلاق النص و الحكم معلّق في الرواية على صبي لم يأكل و كذا في كلام الشيخ و غيره
و يحكى عن ابن إدريس تعليق الحكم بالحولين و ذكر جماعة من المتأخرين منهم الفاضل الشارح أنّ المراد بالرضيع من لم يغتذ بغير اللبن كثيرا بحيث يزيد على اللّبن أو يساويه و لم يتجاوز الحولين و قال المحقق في المعتبر المعتبر أن يطعم ما يكون غذاء له و لا عبرة بما يلعق دواء أو من الغذاء في الندرة