ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١٦٣
العامية المشهورة المتضمنة أمر النبي٦بإهراق الذنوب من الماء على بول الأعرابي لما بال في المسجد و قوله لهم بعد ذلك علموا و يسرّوا و لا تعسروا و إثبات وجه الأول مشكل و أما الرّواية فضعيفة لأنها عامية و راويها أبو هريرة
و قد حكى المحقق محصول كلام الشيخ ثم استشكله بأن الرّواية ضعيفة و منافية للأصل لأنا بينا أن الماء المنفصل عن محل النجاسة نجس سواء تغير أو لم يتغير لأنه ماء قليل لاقى النجاسة ثم حكم بطهارة الأرض بأشياء و ذكر من جملتها أن يغسل بماء يغمرها ثم يجري إلى موضع آخر فيكون ما انتهى إليه نجسا و لم يفرق بين رخاوة الأرض و صلابتها و ربما يحصل التوقف مع الرّخاوة لعدم انفصال الماء المغسول به عن المحلّ إلّا أن نقول باغتفاره و وافق ابن إدريس الشيخ في الحكم السّابق
قال بعض العلماء بعد نقل صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال سألته عن الصّلاة في بيوت المجوس فقال رش و صل و في هذين الخبرين نوع إشعار بالاكتفاء في زوال النجاسة عن الأرض بصب الماء عليها و إلّا لم يكن للرش في المواضع المذكورة فائدة و هو حسن إلّا أن الاستدلال بمجرّد ذلك مشكل
ثم قال و كذا في صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّٰه ٧ في السّطح يبال عليه فتصيبه السماء فكيف فيصيب الثوب قال لا بأس به ما أصابه من الماء أكثر منه و وجه الإشعار به تعليل نفي البأس بكون الماء الذي أصاب المحلّ أكثر من البول و أنه ليس بالبعيد كون أداة التعريف في الماء للعهد الذهني لا الخارجي
و فيه تأمّل لجواز رجوع الضمير في قوله ما أصابه إلى الثوب و قد ذكرنا ذلك في حكم ماء المطر عند نقل الحديث هناك و قد يصوب رأي الشيخ بانتفاء الدليل على التكليف بما زاد عليه و صدق مسمى الإزالة و الغسل المعتبرين في مثله و يرد على الوجه الأول أنه لم يثبت دليل على طهارته بمجرد ما ذكر و كما أن النجاسة حكم شرعيّ يحتاج إلى دليل فكذلك الطّهارة لأنه حكم شرعي يحتاج إلى دليل يعلم بتوقيف الشارع فإذن يقتضي تعين التكليف بالصّلاة المشترطة بطهارة الثياب تنزيه الثياب عن ملاقاة مثله بالرطوبة تحصيلا لليقين بالبراءة فيجب تطهيره لذلك نعم لا يثبت بهذا الوجه الذي ذكرنا وجوب الاجتناب عنه مطلقا
و يرد على الثاني أنا لا نسلم وجود ما دل على اعتبار الغسل و الإزالة في كل مادة بحيث يشمل محل النزاع إذ الأخبار مختصة بالثوب و البدن فتدبّر
العاشرة اختلف الأصحاب في حكم غير البول من سائر النجاسات إذا أصابت غير الأواني فذهب جمع منهم إلى الاكتفاء بالمرة الواحدة و هو مذهب الشيخ في المبسوط و اللائح من كلام المحقق في المعتبر و اختاره الشهيد في البيان و مال إليه في الذكرى و إليه ذهب الشهيد الثاني لإطلاق الأمر بالغسل المتناول للمرة و ذهب جماعة إلى اعتبار المرتين و هم بين مطلق القول على وجه يظهر منه العموم و مقتصر على الثوب و البدن بل على الثوب فقط
و قال المصنف في التحرير يغسل الثوب من البول مرتين و الثخينة أولى بتعداد الغسل أما ما لا يشاهد من النجاسات فإنها تطهر بالمرة و قال في المنتهى النجاسات التي لها قوام و ثخن كالمني أولى بالتعدد في الغسلات قال و يؤيده قول أبي عبد اللّٰه ٧ في رواية الحسين بن أبي العلاء و قد سأله عن البول يصيب الجسد صب عليه الماء مرتين فإنما هو ماء فإنه يدل بمفهومه على أن غير الماء أكثر عددا
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه ٧ أنه ذكر المني فشدّده و جعله أشد من البول و تمسك بعضهم بالخبر المتضمن لتعليل إيجاب المرتين بأن واحدة تزيل و أخرى تطهر ثم توجيه الاقتصار على الثوب أو عليه و على البدن أو إلى التعدية إلى غيرهما قد علم ممّا مر في البول و الجواب عن هذه الوجوه منع أولوية التعدد و أقصى ما نسلّمه توقف إزالة هذه النجاسات على أمر زائد على ما يعتبر في البول و أقله الحت و الفرك المزيل للنجاسة و لا يلزم منه اعتبار التعدد خصوصا إن اعتبر بعد زوال العين و قريب منه الكلام في الرواية الأولى
و أما الرواية الثانية فلا دلالة لها على المطلوب فإن الظّاهر أن التشديد في المني باعتبار التأكيد في وجوب إزالته و شدة إثم من أخل به ردا لما ذهب إليه العامة من القول بطهارته و لا دلالة في الرواية على أن التشديد باعتبار كيفية الغسل و أما التمسّك الأخير فقد علمت حاله ممّا سلف و ذهب الشهيد في اللمعة و الرّسالة و الفاضل الشيخ علي إلى وجوب المرتين في الجميع و التحقيق أن ما حكم بنجاسته على وجهين الأول ما استفيد نجاسته من أمر الشارع بغسله و حينئذ فالظاهر الاكتفاء بالمرة لصدق الامتثال و لأنّ الظّاهر في مقام البيان أنه لو وجب شيء زائد على الغسل لبيّنه
الثاني ما استفيد نجاسته من الإجماع و الأمر فيه مشكل فيحتمل اعتبار المرتين استصحابا لحكم النجاسة إلى أن يعلم المزيل و النظر إلى عموم كون الماء مطهّرا لكنهما لا يسلمان عن الإيراد لما عرفت من ضعف دلالة الاستصحاب المذكور مع ما قد عرفت من ضعف الوجه الثاني عن قريب و يحتمل الثاني اقتصارا في الحكم بالتنجيس على موضع الوفاق و هو ما قبل المرة استنادا إلى أصل البراءة من الزيادة فيما بعدها و يرد عليه ما ذكرنا في المسألة السّابقة من أنه إذا لم يثبت الطّهارة يلزم الاجتناب عنه في الصّلاة تحصيلا لليقين بالبراءة من التكليف الثابت
نعم إن ثبت الإجماع على عدم الفرق بين القسمين كما هو الظاهر اتجه القول بالاكتفاء بالمرة مطلقا فتدبر
الحادية عشر اعتبر السيّد المرتضى على ما نقل عنه في إزالة النجاسة بالماء القليل ورود الماء على النجاسة فلو عكس نجس الماء و لم يفد المحل طهارة و به قطع المصنف في جملة من كتبه و هو ظاهر الشيخ و المحقق و به قطع الشهيد في الدروس و لكنه استثنى فيه نحو الإناء
و قال في الذكرى الظاهر اشتراط ورود الماء على النجاسة لقوته بالعمل إذ الوارد عامل و النهي عن إدخال اليد في الإناء فلو عكس نجس الماء و لم يطهر قال و هذا ممكن في غير الأواني و شبهها ممّا لا يمكن فيه الورود إلّا أن يكتفى بأول وروده ثم قال مع أن عدم اعتباره مطلقا متوجّه لأن امتزاج الماء بالنجاسة حاصل على كل تقدير و الورود لا يخرجه عن كونه ملاقيا للنجاسة
و في خبر الحسن بن محبوب عن أبي الحسن ٧ في الجصّ يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى أن الماء و النّار قد طهراه تنبيه عليه و قد يقال الحق أنه لا يراد بالورود أكثر من هذا و إلّا لم يتحقق الورود في شيء مما يحتاج فصل الغسالة عنه إلى معونة شيء آخر و في التنبيه الّذي ذكره تأمّل
و تحقيق المقام أن توجيه الفرق المذكور بناء على القول بعدم نجاسة القليل بالملاقاة إذا كان الوارد الماء كما ذهب إليه المرتضى ره واضح بناء على استبعاد التطهير بالماء النجس و كذا على قول من زعم أن التنجيس إنما يعرض للغسالة بعد انفصاله عن المحل في صورة الورود
و أما على القول بأن الغسالة في حال ملاقاته للثوب أيضا نجس فأقصى ما يمكن أن يقال في تصويره أن الظّاهر من حال ما حكم بنجاسته شرعا عدم صلاحيته لإفادة التطهير لكن لما دلت الأدلة على حصول الطّهارة بالماء القليل و اقتضت القاعدة انفعاله بملاقاة النجاسة يلزم من ذلك ارتكاب الاستثناء فيما ذكرناه من عدم صلاحيّة الماء النجس للتطهير لكن الاستثناء متقدر بقدر الضرورة فيجب قصره على القدر الثابت المجمع عليه و هو صورة ورود الماء و الحق أنه لم يثبت المنافاة بين انفعال الماء و إفاداته التطهير فيحكم بطهارة المغسول مطلقا لصدق الغسل المعتبر و حصول الامتثال نعم إن كان الماء نجسا بغير هذا الوجه لم يصلح للتطهير بدليل مختصّ به
ثم لا يخفى أن الأدلّة الدالّة على انفعال القليل بالملاقاة لا عموم لها بحيث يشمل صورة عدم ورود النجاسة بل هي مختصة ببعض النجاسات الواردة على الماء و مقتضى ذلك الحكم بطهارة الماء في صورة عدم ورود النّجاسة لا تخصيصها بصورة ورود الماء فمتى جعل مبنى الفرق انفعال الماء و عدمه كان عليه أن يجعل مدار الفرق و تردد النجاسة و عدمه و حينئذ لا احتياج إلى استناده نحو الأواني و لا حمل الورود على ما يقع أولا
الثانية عشر ما لا ينفصل الغسالة عنه بالعصر إما مائع أو غيره أما الثاني كالصّابون و الفواكه و الجر و الحبوب و ما جرى هذا المجرى فالظّاهر أنه لا خلاف بينهم في طهارته بالكثير إذا تخلله و أصاب جميع الأجزاء المحكوم بنجاستها و ذكر جمع من الأصحاب أنه لا يطهر بالغسل القليل و استشكل بعض المتأخرين ذلك لوجوه
الأول أنه مستلزم للضرر و الحرج المنفي الثاني أن المتخلف من الماء في هذه المذكورات ربما كان أقل من المتخلف في الحشايا بعد الدّق و التغميز و قد حكموا بطهارتها بذلك الثالث أنه لم يثبت تأثير ذلك في المنع مع إطلاق الأمر بالغسل المتحقق بالقليل و الكثير و في الأخير نظر لأنه ليس في الأدلة فيما أعلم ما دل على الأمر بالغسل في كل مادة بحيث يشمل مورد النزاع لاختصاصها بالبدن و الثوب و بعض المواد الخاصة فتعدية الحكم إلى غيرها يحتاج إلى دليل و المسألة محل تردد و الاحتياط عدم الاكتفاء بالقليل
و أمّا الأول فالظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب في عدم طهارتها بالقليل و مال جماعة إلى أنّ غير الماء المطلق من المائعات غير قابل للتطهير مطلقا ما دام باقيا على حقيقة و ظاهر كلام المصنف في التذكرة إمكان طهارتها بأن تطرح في ماء جار أو كر فما زاد بحيث يسري الماء إلى جميع أجزائه قبل إخراجه منه و ذكر فيه و في المنتهى و النهاية أنه لو صب الدّهن النجس في كر فما زاد و مازجت حتى يحلل الماء جميع أجزاء الدّهن بأسرها طهر
و وافقه الشهيد في الذكرى على مختار التذكرة لكن أفرد الدّهن بالذكر و نسب القول بطهره إلى التذكرة و قد سبق في بحث المضاف أقوال مختلفة في حكم المضاف النجس منها طهره بالامتزاج بالماء الكثير و إن سلبه إطلاق الاسم و منها طهره بمجرّد الاتصال بالماء الكثير و ينسحب تلك الاحتمالات