ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١٥٩
و قبل الكوفة انتهى كلامه
و المراد بأخمص الراحة ما انخفض منها قال الجوهري الأخمص ما دخل من باطن القدم فلم يصب الأرض و قال الشهيد في الذكرى إن الدّرهم الوافي هو البغلي بإسكان الغين و هو منسوب إلى رأس البغل ضربه الثاني في ولايته بسكة كسروية وزنه ثمانية دوانيق و البغلية تسمى قبل الإسلام الكسروية فحدثت لها هذا الاسم في الإسلام و الوزن بحاله و جرت في المعاملة مع الطبرية و هي أربعة دوانيق فلمّا كان زمن عبد الملك جمع بينهما و اتخذ الدراهم منهما و استقر أمر الإسلام على ستة دوانيق قال و هذه التسمية ذكرها ابن دريد
و قيل منسوب إلى بغل قرية بالجامعين كان يوجد بها دراهم يقرب سعتها من أخمص الراحة لتقدم الدراهم على الإسلام قلنا لا ريب في تقدمها و إنما التسمية حادثة فالرجوع إلى المنقول أولى انتهى كلامه ره و يعلم منه أن الدرهم كان يطلق على البغلي و غيره و أن البغلي ترك في زمان عبد الملك و زمان الباقر و الصادق ٨ متأخر عن ذلك فحمل الدرهم الواقع في المنصوص عليه لا يخلو عن إشكال و يظهر مما ذكرنا وقوع الاختلاف في تفسير الدّرهم و في تقديره أيضا اختلاف لأنه قد علمت أن المشهور أن وزنه درهم و ثلث
و المستفاد من كلام ابن إدريس أنه بمقدار أخمص الراحة و نقل المحقق عن ابن أبي عقيل بعد الكلام الذي حكيناه عنه أن المراد منه ما كان بسعة الدينار و عن ابن الجنيد أن سعته كعقد الإبهام الأعلى قال و الكل متقارب و التفسير الأول أشهر
و نقل عن بعض المتأخرين بعض الأصحاب أنه لا تناقض بين هذه التقديرات لجواز اختلاف أفراد الدرهم من الضّارب الواحد كما هو الواقع و إخبار كل واحد عن فرد رآه و اعترض عليه بأن هذا إنما يصح على تقدير الاتفاق في التفسير و هو غير معلوم من كلامهم و ذكر الشارح الفاضل و غيره بعد نقل أن ابن إدريس شاهده و أنه يقرب سعته من سعة أخمص الراحة و شهادة ابن إدريس في قدره مسموعة مريدين بذلك الاعتماد على التقدير الذي ذكره
و فيه تأمّل لأن شهادته مبنية على أحد التفسيرين فالاعتماد عليه موقوف على ثبوته و بالجملة ترجيح أحد التفسيرين و البناء على بعض التقديرات يحتاج إلى حجة و هي غير معلومة فاللازم الوقوف على القدر الأقل تحصيلا للبراءة اليقينية و في المتفرق خلاف فذهب سلار إلى وجوب إزالة الدم إذا زاد على مقدار الدرهم سواء كان مجتمعا أو متفرقا دون ما إذا كان بمقدار الدرهم أو نقص منه و ذهب ابن حمزة و المصنف و أكثر المتأخرين إلى وجوب إزالة الدم المتفرق إذا بلغ المجموع على تقدير الاجتماع مقدار الدّرهم
و قال الشيخ في النهاية لا يجب إزالته ما لم يتفاحش و اختاره المحقق في المعتبر و قال في المبسوط ما نقص عنه لا يجب إزالته سواء كان في موضع واحد من الثوب أو في مواضع كثيرة بعد أن يكون كل موضع أقل من مقدار الدرهم و إن قلنا إذا كان جميعه لو جمع كان مقدار الدرهم وجب إزالته كان أحوط للعبادة
و جعل ابن إدريس الأقوى و الأظهر في المذهب عدم الوجوب و إليه ذهب المحقق في الشرائع و النافع و هو أقرب لنا صحيحة عبد اللّٰه بن أبي يعفور السّابقة فإن الظاهر من قوله إلّا أن يكون مقدار الدّرهم مجتمعا أن يكون مجتمعا خبرا ليكون و مقدار اسمه و لا ينافي ذلك كون السؤال عن المتفرق و هو نقط الدم فإن الظاهر كون السؤال عن النقط باعتبار مجموعه و باعتبار كل جزء منه فكأنه قال ٧ في الجواب لا يعيد صلاته باعتبار شيء من ذلك إلّا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا بأن يكون شيء من النقاط بمقدار الدرهم و لو جعل مجتمعا حالا محققة أفادت اشتراط الاجتماع أيضا إذ يصير المعنى حينئذ إلّا أن يكون الدم مقدار الدّرهم حال كونه مجتمعا و كذا لو جعل خبرا بعد خبر إلّا أن هذين الاحتمالين بعيدان لا يسلمان عن التكلف كما لا يخفى على المتأمّل
و بهذه الرواية احتج المحقق في المعتبر على ما اختاره ثم قال و الرواية صحيحة سليمة عن المعارض و هو حسن لكن لا دلالة فيها على القيد الذي ذكره و أجاب المصنف عن الاستدلال بهذه الرواية بأنه كما يحتمل أن يكون المراد اشتراط الاجتماع يحتمل أن يكون المراد مقدار الدّرهم لو كان مجتمعا
فالحاصل أنه كما يحتمل في المجتمع أن يكون خبرا لكان احتمل أن يكون حالا مقدّرة و اعترض عليه بأن الحال المقدّرة هي التي زمانها غير زمان عاملها كمررت برجل معه صقر صائدا به غدا أي مقدرا فيه الصّيد و هنا لا بد من اتحاد زمان الحال و عاملها و قد يقال الأولى أن يجعل حالا محققة و يقدر الاجتماع فيه و فيه أن تقدير الاجتماع فيه خلاف الظاهر من اللفظ فالمصير إليه ممّا لا يساعد الحجة عليه
و تؤيد ما اخترناه مرسلة جميل السّابقة فإن دلالتها على المدعى أوضح و إن كان احتمال تقدير الاجتماع غير ممتنع فيها يظهر جميع ذلك عند التأمّل احتجوا بوجوه
الأول أن الحكم معلق على مقدار الدرهم في حسنة محمد بن مسلم و هو أعمّ من المجتمع و المتفرق و قريب منه الاحتجاج برواية إسماعيل بن جابر
الثاني رواية عبد اللّٰه بن أبي يعفور السابقة فإن الحكم فيها مفرد مفروض في المتفرق
الثالث أن الأصل وجوب إزالة الدّم بقوله تعالى وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ خرج عنه ما نقص عن الدّرهم فيبقى الباقي مندرجا في الإطلاق
الرابع أن النجاسة البالغة قدرا معيّنا لا تتفاوت الحال باجتماعها و تفرقها في المحل و الجواب عن الأول أن مقدار الدم في الخبر مختص بالمجتمع لقيام المعارض و هو تخصيص غير بعيد لكون المتبادر منه المقدار الواحد لا المقادير المتعددة و الجواب عن الثاني قد ذكر و الجواب عن الثالث قد علم من المباحث السّالفة و الرابع ظاهر الضعف و على القول بوجوب الإزالة فهل ينسحب الحكم في المتفرق في الثياب المتعددة أو فيها و في البدن فيقدر جميع ما فيها أو لكل واحد من الثوب و البدن حكم بانفراده فلا ينضم أحدهما إلى الآخر و لكل ثوب حكم كذلك فلا يضم بعضها إلى بعض و لا إلى البدن فيه أوجه و الذي رجحه الفاضل الشيخ علي و الشارح الفاضل الأول
و اعلم أن التفاحش المذكور في كلام الشيخ لم يبين مقداره قال المحقق في المعتبر ليس للتفاحش تقدير شرعي و قد اختلف قول الفقهاء فيه فبعض قدره بالشبر و بعض مما يفحش في القلب و قدره أبو حنيفة بربع الثوب و المرجع فيه إلى العادة لأنّها كالأمارة الدالة على المراد باللفظ إذا لم يكن له قدر شرعا و لا وضعا و ينبغي التنبيه على أمور
الأوّل مورد الروايات المتضمنة للعفو تعلق النجاسة بالثوب و قال في المنتهى لا فرق في ذلك بين الثوب و البدن و أسنده إلى الأصحاب و عللها بالاشتراك في المشقة و هو مقتضى الأصل و تؤيده رواية مثنى بن عبد السّلام عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال قلت له إنّي حككت جلدي فخرج منه دم فقال إن اجتمع منه قدر حمصة فاغسله و إلّا فلا و لعل المراد قدر الحمصة وزنا لا سعة
الثاني إذا أصاب الثوب وجهي الدم فإن كان بالتفشي فدم واحد و إلّا فدمان كما نقل عن جماعة من الأصحاب و فصّل الشهيد بين الرقيق و الصّفيق و نص المصنف في المنتهى بعدم الفرق و إحالة ذلك إلى العرف حسن
الثالث لو أصاب الدم المعفو عنه رطب طاهر ففي انسحاب العفو فيه قولان اختار ثانيهما المصنف في المنتهى محتجا بأنه ليس بدم فوجب إزالته بالأصل السّالم عن المعارض و لأن الاعتبار بالمشقة المستندة إلى كثرة الوقوع و ذلك غير موجود في صورة النزاع و إليه ذهب الشهيد في البيان و قيل بالأول لأصالة البراءة عن وجوب إزالته و لأن المتنجس بالشيء أضعف حكما منه و إليه ذهب الشهيد في الذكرى
و للتأمّل في هذه المسألة مجال و إن كان للقول الثاني رجحان ما لأنه قد ثبت باجتماع أخبار متعددة وجوب طهارة الثوب في الصّلاة و اشتراطها به و قد ثبت العفو في المستصحب للدم و انسحاب ذلك في المتنجس يحتاج إلى دليل و إثبات الأولوية لا يخلو عن إشكال فإن قلت مستند انفعال الرطب الملاقي للنجاسة هو الإجماع و إثباته في هذا المقام لا يخلو عن عن إشكال لأن القدر المسلم ثبوته فيما لاقى النّجس بالاتفاق و الأمر هاهنا ليس كذلك لأن الدم القليل المعفو عنه ليس بنجس عند ابن الجنيد قلت احتمال النجاسة يكفينا لأن اليقين بالبراءة عن التكليف الثابت يقتضي ثبوت طهارة الثوب شرعا و على كل تقدير لو أزال عين الدم بما لا يطهرها فالظّاهر بقاء العفو لخفة النجاسة و استقربه المصنف في المنتهى
الرابع قال الشهيد في الدروس لو اشتبه الدم المعفو عنه بغيره كدم الفصد بدم الحيض فالأقرب العفو و لو اشتبه الدم الطّاهر بغيره فالأصل الطّهارة و نقل في توجيهه عن بعض الأصحاب بناء الحكمين على القاعدة المقررة في استثناء الشيء بين المحصور و غيره و هي الإلحاق بغير المحصور من حيث إن الحصر على خلاف الأصل و اعترض عليه بأن هذا الكلام متجه بالنظر إلى الحكم الأول لعدم انحصار المعفو عن قليله من الدماء دون غير المعفو عنه
و أما في الحكم الثاني فظاهر الفساد لأن كلا من الدم الطاهر و النجس غير منحصر و قد يوجه بأن أصالة الطهارة لم ترد في نفس الدم بل فيما لاقاه على معنى أنّ طهارته إذا علمت قبل ملاقاة هذا الدم فالأصل بقاؤها إلى أن يعلم المقتضي للنجاسة و مع الاشتباه لا علم و قد يقال لهذا التوجيه وجه إلّا أنّ لنا توجيها أحسن منه و هو أنه لا معنى للنجس إلّا ما أمر الشارع بإزالته أو اجتنابه و لا للطاهر إلّا ما لا تكليف فيه بأحد الأمرين فإذا حصل الاشتباه كان مقتضى