ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١٥٢
سبحانه أن قيام مثل الاحتمال لا يخرجه عن وصف الطيب الذي هو مناط الحل و احتمل فيها وجه آخر و هو أن يكون الحكم بحلّ طعام كل من فريقي المسلمين و أهل الكتاب للآية كناية عن عدم إرادة قطع الوصلة بين الفريقين رأسا كما تشعر به المباينة الدينية و كون منساق جملة من الآيات المتقدمة لبيان ما حرّم على المسلمين و الكفار يستحلونه و قوله سبحانه في جملة من الآيات الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ثم قوله يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا أُحِلَّ لَهُمْ فغير مستبعد بعد هذا كله أن يقع في الوهم انقطاع الوصلة بين المسلمين و الكفار بكل وجه فذكر سبحانه ما يزيل الوهم و سوغ للمسلمين إعطاء أهل الكتاب طعامهم بالبيع و نحوه و أباح لهم أخذ أهل الكتاب كذلك و جعله دليلا على عدم التكليف بالتقاطع في أمثال ذلك و لا بدّ من ارتكاب نحو هذا التقريب في ذكر حلّ طعام المسلمين لأهل الكتاب فيقرب اعتباره في الطرف الآخر
و أما ثانيا فلأنه لو سلّم أنّ المراد بالآية العموم لكن الظاهر منها أن طعامهم من حيث أنه طعامهم حل لكم و ذلك لا ينافي نجاسة بسبب أمر عرضي هو ملاقاتهم له بالرطوبة و فيه تأمّل و يرد على التعلق بالأخبار أنه يجوز حملها على التقية جمعا بينها و بين ما يعارضها من الأخبار السابقة الموافقة لعمل أكثر الأصحاب المخالفة لجمهور العامة و ربما كان في بعض الأخبار السابقة إشعار بذلك
و التحقيق أنه لو لا الشهرة العظيمة بين العلماء و ادعاء جماعة منهم الإجماع على نجاسة أهل الكتاب كان القول بطهارتهم متجها لصراحة الأخبار الدالة على الطهارة على كثرتها في المطلوب و بعد حمل الكل على التقية و قرب التأويل في أخبار النجاسة بحملها على الاستحباب و الكراهة فإنه حمل قريب خصوصا إذا تأيد ببعض القرائن كما مر على أن شيئا منها غير دال على النجاسة و إن حمل على الإيجاب و التحريم إلّا أن يثبت عدم القائل بالفصل فتدبر جدا و عليك بالاحتياط
و اعلم أن الطريق إلى إثبات نجاسة الخوارج و الغلاة أنهم كفار لإنكار الخوارج ما هو من ضروريّات الدين و اعتقاد الغلاة ألوهية غير اللّٰه سبحانه و إذا ثبت كفرهم ثبت نجاستهم للإجماع المنقول سابقا فإن التعويل في نجاستهم مبنيّ على ثبوت الإجماع و يلحق بهم النواصب و هم الذين ينصبون العداوة لأهل البيت : و يدل عليه ما رواه الشيخ عن الوشاء عمن ذكره عن أبي عبد اللّٰه ٧ أنه كره سؤر ولد الزنا و اليهودي و النّصراني و المشرك و كل ما خالف الإسلام و كان أشد ذلك عنده سؤر الناصب و في رواية حمزة بن أحمد عن أبي الحسن ٧ و رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّٰه ٧ السّابقتين في مبحث غسالة الحمام تأييدا ما للمطلوب و كذا في الأخبار الدالة على تحريم ذبائحهم و ينتفي التنبيه على أمور
الأول حكم الشيخ في المبسوط بنجاسة المجسّمة و المجبرة و لم يرتض ذلك المحقق و احتج للطّهارة بفقد الدليل على النجاسة و لظاهر بعض الأخبار و وافق في المجسمة جماعة من الأصحاب و اختلف كلام المصنف في نجاستهم فاستقرب في المنتهى نجاسته المجسّمة و المشبّهة و اختاره في القواعد و استقرب في التذكرة و النهاية طهارتهم و اختلف كلام الشهيد أيضا في كتبه
و احتج المصنف في المنتهى على نجاستهم بأنهم يعتقدون أنه تعالى جسم و كل جسم محدث و يرد عليه أن الظاهر أن المقتضى للكفر القول بالحدوث لا مجرد التجسّم فلعلهم زعموا برأيهم الفاسد عدم المنافاة بين الجسمية و القدم الذاتي و لا يلزم من القول بالملزوم القول باللازم و من الأصحاب من فرق بين المجسّمة في الحقيقة و هم الذين يزعمون أن اللّٰه جسم كالأجسام و المجسّمة بالتّسمية و هم الذين يقولون إن اللّٰه تعالى جسم كالأجسام فجزم بنجاسة الأول و تردّد في الثاني و اعترضه بعضهم بأن الدليل الدال على الأول دال على الثاني
و أما المجبرة فذهب إلى نجاستهم الشيخ و حكم المتأخرون بضعفه قال في المنتهى يمكن أن يكون مأخذ الشيخ في حكمه بنجاسة سؤر المجسّمة و المخيرة قوله تعالى كَذٰلِكَ يَجْعَلُ اللّٰهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ ثم استضعف تنجيس سؤر المجبّرة
و أنت خبير بضعف دلالة الآية على ما ذكر و يمكن أن يكون نظر الشيخ إلى استدلال المعتزلة على كفر المجبرة بقوله تعالى سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ مٰا أَشْرَكْنٰا وَ لٰا آبٰاؤُنٰا وَ لٰا حَرَّمْنٰا مِنْ شَيْءٍ كَذٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّٰى ذٰاقُوا بَأْسَنٰا قال صاحب الكشاف إخبار بما سوف يقولونه و بما قالوه و قال الذين أشركوا لو شاء اللّٰه ما عبدنا من دونه من شيء يعنون بكفرهم و تمردهم أن شركهم و شرك آبائهم و تحريم ما أحل اللّٰه بمشية اللّٰه و إرادته و لو لا مشيته لم يكن شيء من ذلك كمذهب المجبرة بعينه كذلك كذب الذين من قبلهم أي جاءوا بالكذب المطلق لأن اللّٰه عز و جلّ ركب في العقول و أنزل في الكتب ما دل على غناه و براءته من مشية القبائح و إرادتها و الرّسل أخبروا بذلك فمن علق وجود القبائح من الكفر و المعاصي بمشية اللّٰه و إرادته فمن كذب التكذيب كله و هو تكذيب اللّٰه و كتبه و رسله و نبذ أدلة العقل و السّمع وراء ظهره انتهى كلامه
و لقائل أن يقول يجوز أن يكون قوله تعالى كَذٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ إشارة إلى قوله سابقا على هذه الآية فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ أي مثل هذا التكذيب لك في أن اللّٰه تعالى منع من الشرك و لم يحرم ما حرّموه كذب الذين من قبلهم و يكون مرادهم بقولهم لو شاء اللّٰه ما أشركنا أنهم على الحق المرضي عند اللّٰه لا الاعتذار عن ارتكاب هذه القبائح بإرادة اللّٰه تعالى إياها
و إذ قد عرفت أن العمدة في إثبات نجاسة الكفار على أصنافها هو الإجماع و هو غير جار في محل النزاع كان القول بالنجاسة هاهنا عاريا عن الدليل و لا يبعد القول بالطّهارة تمسكا بظاهر ما رواه ابن بابويه في كتابه حيث قال و سئل علي ٧ أ يتوضأ من فضل وضوء جماعة المسلمين أحب إليك أو يتوضأ من ركو أبيض مخمر فقال لا بل من فضل وضوء جماعة المسلمين فإن أحب دينكم إلى اللّٰه الحنيفية السّمحة السّهلة
إذ هذه الرواية معتضدة بالأصل سالمة عن المعارض و الظاهر أن المسلم شامل لمن أظهر الشهادتين إلّا ما أخرج بالدليل و ينضاف إليه العمومات الدالة على طهارة المياه و طهوريتها إلّا ما أخرج بالدليل إذ يلزم منه طهارة سؤرهم ثم يلزم عموم الحكم إذ الظاهر عدم القائل بالفصل
الثاني ذهب ابن إدريس إلى نجاسة من لم يعتقد الحق عدا المستضعف حكاه عنه جماعة من الأصحاب و لم يتعرضوا لنقل حجته و يحكى عن المرتضى القول بنجاسة غير المؤمن لقوله تعالى كَذٰلِكَ يَجْعَلُ اللّٰهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ و لقوله تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّٰهِ الْإِسْلٰامُ- وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلٰامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ و الإيمان يستحيل مغايرته للإسلام فمن ليس بمؤمن ليس بمسلم و يرد على الأول ما عرفت من منع كون المراد من الرّجس النّجس بالمعنى المعهود مع ابتنائه على إرادة المعنى العرفي من الإيمان في الآية و هي في معرض المنع
و أما الاستدلال الثاني فمع ظهور ضعفه مندفع بقوله تعالى قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا و الأكثر على طهارتهم و احتج عليه المحقق بأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)لم يكن يجتنب سؤر أحدهم و كان يشرب من الموضع الذي تشرب منه عائشة و بعده لم يجتنب علي ٧ سؤر أحد من الصحابة مع منابذتهم له
و لا يقال ذلك تقية لأنه لا يصار إليها إلّا مع الدلالة ثم احتج بالرواية التي نقلناها عن الفقيه و برواية عاصم بن القاسم عن أبي عبد اللّٰه ٧ أن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)كان يغتسل هو و عائشة في إناء واحد و بأن النجاسة حكم مستفاد من الشرع فيقف على الدلالة
و لا يخفى أنه يمكن النظر في بعض تلك الوجوه لكنها بمجموعها يوجب الظن القوي بالمطلوب مضافا إلى العمومات الدالة على طهارة الماء و طهوريته بالتقريب الذي ذكرناه في المسألة السّابقة
الثالث حكي عن ابن إدريس أنه حكم بنجاسة ولد الزنا و علله بأنه كافر و ذكر في المختلف أن القول بكفره منقول عن السّيد المرتضى و ابن إدريس ثم قال و باقي علمائنا حكموا بإسلامه و هو الحق و ربما نسب إلى الصدوق القول بنجاسة سؤره لكن كلامه ليس بصريح فيه فإن قال لا يجوز الوضوء بسؤر اليهودي و النصراني و ولد الزنا و المشرك و كل من خالف الإسلام و عدم جواز الوضوء أعمّ من النجاسة إلّا أن ذكره مع المشرك و نحوه قرينة على إرادة النجاسة
قال المحقق و ربما يعلل المانع بأنه كافر و نحن نمنع ذلك و نطالبه بدليل دعواه و لو ادعى الإجماع كما ادّعاه بعض الأصحاب كانت المطالبة باقية فإنا لا نعلم ما ادعاه انتهى و ربما يستند إلى القائل بنجاسة الاحتجاج بمرسلة الوشاء السابقة و ضعفه ظاهر و له أن يستند بالرّوايتين المذكورتين في بحث غسالة الحمام و يندفع بضعف السّند و الدلالة و يدلّ على الطهارة الأصل و كونه محكوما بالإسلام ظاهرا و أن سؤره طاهر لما أشرنا إليه من العمومات فيلزم العموم لعدم القائل بالفصل
الرابع ظاهر كلام المصنف في التذكرة أنّ ولد الكافرين يتبعهما في النجاسة بغير خلاف حيث ذكر ذلك من غير إشارة إلى خلاف و لا استدلال عليه كما هو شأنه في إيراده المسائل الاتفاقية و نقل إيراد المسألة كذلك جماعة من الأصحاب لكن المصنف في النهاية أشار إلى نوع خلاف أو تردد فيه حيث قال الأقرب في أولاد الكفار التبعية لهم
و إذ قد عرفت أن التعويل في إثبات نجاسة الكفار على الإجماع كان الحكم بالنجاسة متوقفا على صدق عنوان الكفر أو ثبوت الإجماع هاهنا على الخصوص و إثباته مشكل و الاستدلال على النجاسة بأنه حيوان متفرع من حيوانين نجسين فيثبت له حكمهما كالكلب و الخنزير ضعيف لأن المقتضي للتبعية