ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١٣٢
الصحيح على القول بنجاسة البئر بالملاقاة وجوب نزح السبعين في موت الكافر اعلم أن كلام ابن إدريس و المحقق صريح في أن مورد النزاع وقوعه حيا و موته في البئر و من الأصحاب من يحكي عنه أنه يحصل مورد النزاع وقوعه فرجح فيه التسوية ثم ذكر وقوعه حيا و موته و حكم فيه بالفرق و استند في الأول إلى العموم و في الثاني إلى أن مباشرة الكافر حيا سبب في نجاسة الماء و ملاقاته ميتا سبب آخر فيثبت لكل حكمة
و أنت خبير بما فيه لأن مورد النزاع ليس ما ذكر و الرواية غير شاملة له بل مختصة بالثاني فلا يصح الاستدلال بالعموم و احتجاجهم الثاني استدلال في مقابلة النص و منهم من حكى أنه حرف استدلال ابن إدريس فتوهم أنه يرجع إلى وجوب نزح الجميع لوقوعه حيا باعتبار عدم النصّ يقتضي وجوبه مع الوقوع ميتا بطريق أولى لزيادة نجاسته بالموت فأجاب عنه بمنع بقاء النجاسة بعد الموت و من ثم لا يغسل و لا يدفن في مقابر المسلمين
و جعل التحقيق في الجواب أنه استدلال في مقابلة النص و فيه ما فيه و المصنف في المختلف منع بقاء نجاسة الكفر بعد الموت و حكم بوجوب نزح السّبعين بناء على القول بالتنجيس لوقوعه ميتا نظرا إلى العموم ثم قال و إن وقع حيا ثم مات فكذلك لأنه لو باشرها حيا نزح له ثلاثون
و أنت خبير بأن العموم الذي ادعي محل تأمّل و استقرب كلامه بعض المتأخرين و حكم بفساد التسوية التي ذكرها بعد منعه لبقاء نجاسة الكفر بعد الموت و جعل مورد الحديث الوقوع ميتا كما أفصح به تمسكه في حكم الوقوع ميتا بالعموم فإن اللازم من ذلك كون نزح السبعين واجبا لنجاسة الموت فقط إذ ليس هناك غيرها بنزعه و حينئذ فإذا وقع حيا و مات اقترن بها أمر آخر غير منصوص عنده و هو المباشرة حيا فيجب لها ما يجب لغير المنصوص فكيف يقول بعد هذا إنه إن وقع حيا و مات فكذلك
و لا يذهب عليك أن كلام المصنف مبني على وجوب نزح الثلاثين لوقوع الكافر كما صرح به هاهنا أو وجوب الأربعين بناء على وجوب ذلك فيما لا نص فيه عنده مع أن مذهبه تداخل النزح و حينئذ يندفع عنه هذا الاستغراب
و خمسين
في العذرة الذائبة العذرة فضلة الإنسان قيل سميت بذلك لأنهم كانوا يلقونها في العذرات أي الأفنية و الموجود في الصحاح ضد ذلك قال العذرة فناء الدار سميت بذلك لأن العذرة كانت تلقى إليه و المراد بالذوبان تفرق أجزائها في الماء و شيوعها فيه و احتمل بعض الأصحاب الاكتفاء بذوبان بعض الأجزاء نظرا إلى أن القلة أو الكثرة غير معتبرة فلو سقط مقدار البعض الذائب منفردا و ذاب لأثر فانضمام الغير إليه لا يمنع التأثير للتأمّل فيه مجال و الحكم المذكور مسند إلى الثلاثة و أتباعهم و الشيخ ذكر ذلك في العذرة الرطبة
و قال المفيد إن كانت العذرة رطبة و ذابت و تقطع فيها نزح منها خمسون دلوا و عن المرتضى فإن ذابت و تقطعت فخمسون دلوا و استدل عليه ابن زهرة بإجماع الفرقة و ذهب الصدوق في الفقيه و المقنع إلى أنه يستقى أربعون إلى خمسين إن ذابت فيها و هو منقول عن أبيه و اختاره المحقق في المعتبر بعد ما نقل مذهب الثلاثة و أنه لم يقف به على شاهد
و الأصل في هذا الباب رواية أبي بصير قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن العذرة تقع في البئر قال نزح منها عشر دلاء فإن ذابت فأربعون أو خمسون دلوا قال المصنف في المختلف
و يمكن أن يقال إيجاب أحدهما يستلزم إيجاب الأكثر لأنه مع الأقل غير متيقن للبراءة و إنما يعلم خروجه عن العهدة بفعل الأكثر و فيه نظر لأن التخيير بين الأمرين لا يقتضي وجوب الأكثر عينا فتحصل البراءة بالأقلّ فدلالتها على مذهب الصدوق أقوى لكن الرواية ضعيفة السند و مع ذلك تعارضه صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى ٧ أنه سئل عن بئر ماء وقع فيها زنبيل من عذرة رطبة أو يابسة أ يصلح الوضوء منها قال و لا بأس و صحيحة محمد بن إسماعيل الدالة على جواز الاكتفاء في وقوع العذرة في البئر بنزح دلاء
و يمكن أن يقال هذه الرواية مخصصة للروايتين و ضعفها منجبر بعمل الأصحاب و التحقيق أن الحمل على الاستحباب أولى و هذه الاختلافات إنما نشأت منه بناء على الاختلاف في مراتب الاستحباب باعتبار شدة التأكيد و عدمهما و اختلاف الآبار بحسب الغزارة و النزارة و ضيق المجاري و سعتها و كثرة الأخذ منها و عدمه
قال المصنف في المنتهى بعد نقله لهذه الرواية و أنها تتضمن مذهب الصدوق و يمكن التعدية إلى الرطبة للاشتراك في شياع الأجزاء و لأنها تصير حينئذ رطبة و فيه نظر لأنا لا نسلم أن الرطوبة تقتضي الذوبان مطلقا و لو سلم لم يكن من باب تعدية الحكم و أما قولها و لأنها تصير حينئذ رطبة فلا وجه له
و الدم الكثير غير الثلاثة كذبح الشاة و هو مذهب الشيخ و ابن البراج و سلار و ابن إدريس و قال المفيد ينزح للكثير عشر دلاء و المنقول عن المرتضى أنه ينزح للدم ما بين دلو واحد إلى العشرين و عن ابني بابويه إذا وقع فيها قطرات من دم ينزح منها دلاء و لم يعينا العدد و لم يذكرا حديث القليل و الكثير و الصدوق و روى في ذبح الشاة من ثلاثين إلى أربعين و في دم الدجاجة و الحمامة دلاء و لم نقف على حجة لقول الشيخ و المرتضى
و أما ما ذهب إليه المفيد فاحتج عليه الشيخ بصحيحة محمد بن إسماعيل قال كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا ٧ عن البئر تكون في المنزل للوضوء فتقطر فيها قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شيء من عذرة كالبعرة أو نحوها ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها للصلاة فوقع ٧ في كتابي بخطه ينزح منها دلاء قال وجه الاستدلال من هذا الخبر أنه قال ينزح منها دلاء و أكثر عدد يضاف إلى هذا الجمع عشرة فيجب أن يؤخذ به أن لا دليل على ما دونه و اعترض عليه بأنه لإشعار في الخبر على الكثرة التي هي مورد البحث بل ظاهر في إرادة القلة كما اعترف به في الإستبصار و بأن كلامه مبني على كون الدلاء جمع قلة و ليس كذلك لانحصار جموع القلة في أوزان أربعة مشهورة أو خمسة عند بعضهم و ليس هو منها فيكون جمع كثرة كما ذكر في الإستبصار في البحث عما يجب لموت الكلب و بأن حمل الدلاء على جمع القلة يقتضي الاجتزاء بأقل مدلولاته و هو الثلاثة لأن إطلاق اللفظ يدل على أن المطلوب الماهية بأيّ فرد اتفقت
و المحقق اعترض على الشيخ بأنا نسلم أن أكثر عدد يضاف إلى الجمع عشر لكن لا نسلم ذلك إذا جرد عن الإضافة فإنه لا يعلم من قوله عندي دراهم أنه لم يجز عن زيادة من عشرة و رده المصنف في المنتهى بأن الإضافة هاهنا و إن جردت لفظا لكنها مقدرة و إلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة
و حينئذ فلا بد من إضمار عدد يضاف إليه فيحمل على العشرة التي هي أقل ما يصلح إضافته إلى هذا الجمع أخذا بالمتيقن و حوالة على الأصل من براءة الذّمة و اعترض عليه بأنه لا يلزم من عدم التقدير تأخير البيان إنما يلزم لو لم يفهم بدون التقدير معنى و هاهنا ليس كذلك فإن لصيغ الجموع الواقعة في أمثال هذه المقامات معنى يتبادر منها و هي أي مقدار كان مما يصدق عليه و لو أقلها
و على تقدير وجوب التقدير ليس على تقدير العشرة دليل و توجيهه فاسد إذ هي الأكثر على ما ذكره الشيخ و هو بصدد انتصاره لا الأقل فكيف يوجهه بما لا يلائمه و احتج في المختلف بأن هذا جمع كثرة و أقله ما زاد على العشر بواحد فيحمل عليه
و لا يخفى أن مقتضى هذا الاحتجاج كون الواجب إحدى عشرة و أين المدعى منه و أقوى ما ورد في هذه المسألة صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى ٧ قال سألته عن رجل ذبح شاة فاضطربت فوقعت في بئر ماء و أوداجها تشخب دما هل يتوضأ من تلك البئر قال ينزح منها ما بين الثلاثين إلى الأربعين دلوا ثم يتوضأ و لا بأس به و نقلها الصدوق في الفقيه
فالظاهر أنه عامل بها قيل و عمل بهذه الرواية جماعة من الأصحاب و هو جيد غير أن ظاهر البعض العمل بمضمونها في مطلق الدم الكثير و عندي فيه نظر إذ ليس فيها ما يقتضي العموم فينبغي أن يكون العمل بها في موردها و يلحق ما عداه بغير المنصوص انتهى
و هل يستوي في الحكم المذكور دم نجس العين و غيره فتوى الأصحاب ذلك و قد يرجح لغلظ نجاسته و اختصاص مورد الخبر بدم ذبح الشاة و على المشهور فالمعتبر من القلة و الكثرة ما كانت في نفسها و قال القطب الراوندي إن المعتبر ما كان بالنسبة إلى ماء البئر في الغزارة و النزارة و نقله المحقق قطب الدين الرازي عن المصنف و هو اعتبار حسن لكن لا يساعده النص فلا عبرة به
و أربعين
في موت السنور و الكلب و إليه ذهب الشيخان و جماعة ممن تبعهما و تمسك فيه ابن زهرة بإجماع الفرقة و قال الصدوق في الفقيه و إن وقع فيها كلب نزح منها ثلاثون دلوا إلى أربعين دلوا و إن وقع فيها سنور نزح منها سبع دلاء و قال في المقنع على ما نقل عنه و إن وقع فيها كلب أو سنور فانزح منها ثلاثين دلوا إلى أربعين دلوا قد روي سبع دلاء احتج الشيخ بما رواه الحسين بن سعيد عن القاسم عن علي قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن الفأرة تقع في البئر إلى أن قال و السنور عشرون أو ثلاثون أو أربعون دلوا و الكلب و شبهه و بما رواه سماعة و قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن الفأرة تقع في البئر إلى أن قال و إن كانت سنور أو أكبر منه نزحت منها ثلاثين