ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١٣١
على تلك البئر
و لعل مرادهم النوع المعتاد على مثل تلك البئر و هو غير بعيد و إن كان إثباته لا يخلو عن إشكال و لو اختلف المعتاد و لم يغلب البعض فالأصغر مجز و الأكبر أولى و إن غلب البعض فهو أولى و لو نزح بإناء عظيم ما يخرجه الدلاء المقدرة فقد قطع المصنف في كثير من كتبه بالإجزاء و استقرب في المعتبر عدم الإجزاء لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه
و اختاره المصنف في المنتهى و الشهيد في الدّروس و البيان و إليه ذهب الشهيد الثاني و هو حسن لأن الأمر بالتطهير وقع بنحو خاص فالتعدي منه إلى غيره يحتاج إلى دليل و ليس في موت الإنسان قال المحقق هذا مذهب علمائنا ممن أوجب النزح و في المنتهى أنه مذهب القائلين بالتنجيس أجمع و نقل ابن زهرة إجماع الفرقة عليه
و الأصل فيه موثقة عمار الساباطي قال سئل أبو عبد اللّٰه ٧ عن رجل ذبح طيرا فوقع بدمه في البئر فقال ينزح منها دلاء هذا إذا كان ذكيا فهو هكذا و ما سوى ذلك ممّا يقع في بئر الماء فيموت فيه فأكبره الإنسان ينزح منها سبعون دلوا و أقله العصفور ينزح منها دلو واحد و ما سوى ذلك فيما بين هذين
قال المحقق لا يقال رجال هذا السند فطحية لأنا نقول هذا حق لكن هم الثقات مع سلامته عن المعارض ثم هذه الرواية معمول عليها بين الأصحاب عملا ظاهرا و قبول الخبر بين الأصحاب مع عدم الراد له يخرجه إلى كونه حجة فلا يعتد إذن بمخالف فيه و لو عدل إلى غيره لكان عدولا عن المجمع على الطّهارة به إلى الشاذ الّذي ليس بمشهور و هو باطل لخبر عمر بن حنظلة المتضمّن لقوله ٧ خذ ما اجتمع عليه أصحابك و اترك الشاذ الذي ليس بمشهور
و كلامه هذا دال على وجوب العمل بأخبار اشتهرت بين الأصحاب و عملا بمدلولها و إن كان في بعض رواتها قدح مع عدم معارض أقوى منه و هو غير بعيد لأن العمدة في الأخبار في باب الاحتجاج ما اقترن به قرينة قوية موجبة لغلبة الظن بصحة مدلوله و عمل الطّائفة و تلقيهم الخبر بالقبول من أقوى القرائن الدالة على ذلك كما أن تركه لهم و ردهم إياه من القرائن الدالة على عدم صحته و انتسابه إلى المعصوم ٧
و لهذا كثيرا ما تترك الأخبار الصحيحة بناء على أن الأصحاب تركوا العمل بمدلولها لأن هذا مما يضعف الظن بصحة مدلوله و من نظر بعين التأمّل و الاستبصار و أنعم الفكر البالغ المستقصى في أدلة حجية أخبار الآحاد و الشواهد و الأمارات المقتضية لها علم أن من رد مثل هذه الأخبار ثم سلك مسلك العمل بأخبار الآحاد لكان متحكما صرفا مفرقا بين المدلولات مع اجتماعها و اشتراكها في الدلائل و لو شئت لبنيت حقيقة هذه الدعوى و كشف قناع الخفاء عنها لكنه يقتضي كلاما طويلا لا يناسب وظيفة هذا الكتاب أن ذلك خروج عن الفن إلى غيره فإذن لا تعتمد على قول من يقول إن كان الإجماع واقعا على مضمون الخبر كان هو الحجة و لا حاجة إلى ما ذكر من الاعتبارات و نحن معاشر القائلين بعدم نجاسة البئر بالملاقاة لا نحتاج إلى زيادة تجشم في تصحيح هذا الخبر إذ هو على ما به يكفي مستندا للحكم الاستحبابي
و اعلم أن الأكثر ذهبوا إلى عدم الفرق في ذلك بين المسلم و الكافر نظرا إلى عموم اللفظ و فرق ابن إدريس بينهما فأوجب للكافر نزح الجميع و نسب ذلك إلى الشيخ أبي علي أيضا و ذكر ابن إدريس كلاما طويلا مضطربا حاصله إلى أن الكافر إذا باشر بجسمه الماء ثم خرج و هو حي وجب نزح الجميع لإجماع الطائفة عليه فإذا دخل الماء و هو حي ثم مات فيه فكذلك لأن الموت لا يطهر النجس بل ينجس الطاهر
ثم أورد على نفسه أنه قد ورد أنه ينزح إذا مات إنسان في البئر سبعون دلوا و هو عام في المؤمن و الكافر و قد أورد الشيخ ذلك و كذا المفيد و ابن بابويه فأجاب عنه بوجوه
الأول أن النكرة لا تفيد الاستغراق إنما المفيد له المعرف باللام و هذا الكلام ناظر إلى أنه نظر إلى كلامهم في الكتب لا إلى متن الرواية لأن لفظ الإنسان في الرواية معرف باللام قال و أيضا الرواية كما وردت بما ذكره السائل فقد وردت بخلاف ذلك و هو أنه إذا ارتمس الجنب في البئر ينزح منها سبع دلاء و الرواية عامة فمن قال بالعموم هنا في لفظ الإنسان يلزمه القول بالعموم هناك فيه و هو باطل بالاتفاق ثم ذكر كلاما طويلا حاصله تسليم العموم و حكمه بصحّته
لكن يجب حمل العام على الخاص فيجب تخصيص هذا العام بإخراج الكافر عنه بدليل الإجماع و كلامه ضعيف و أجاب عنه المحقق و ملخصه منع الإجماع على وجوب نزح الجميع بملاقاة الكافر بل أنكر القول به فكيف الإجماع و حكم الشيخ بذلك في المبسوط فليس على سبيل الجزم بل على سبيل الاحتياط مع أنه مبني على توهمه أنه من قبيل ما لا نص فيه فإن تمسّك في إيجابه نزح الجميع بأنه لا دليل على مقدر فحينئذ نقول الدليل موجود لتناول لفظ الإنسان للكافر و المسلم
فإذا وجب في موته سبعون لم يجب في مباشرته أكثر لأن الموت يتضمن المباشرة فيعلم نفي ما زاد عن مفهوم النص و أجاب عن المعارضة بالجنب بوجوه
أحدها أن الارتماس من الجنابة للطهارة فيكون ذلك قرينة دالة على من له عناية بالطهارة و هو المسلم
الثاني أن نقول إما أن يكون هنا دليل دال على تخصيص حكم الجنب بالمسلم أم لا و على الأول فالحكم بالتخصيص لذلك الدليل و إلّا قلنا بالعموم هناك أيضا فإنا لم نره زاد على الاستبعاد شيئا و الاستبعاد ليس حجة
الثالث أن مقتضى الدليل العمل بالعموم في الموضعين و امتناعنا من استعمال أحد العمومين في العموم لا يلزم منه إطراح العموم الآخر لأنا نتوهم أن لأحد العمومين مخصصا و التوقف عنه إنما هو لهذا الوهم فإن صح و إلّا قلنا به مطلقا فالإلزام غير وارد ثم ليس هذا نقضا على مسألتنا بل نقض على استعمال اللام في الاستغراق إن كان فيلزم أن لا ينزل قوله الزّٰانِيَةُ وَ الزّٰانِي فَاجْلِدُوا على العموم لأنا لم ننزل الجنب هنا على العموم هذا ملخَّص كلامه
و حكم بعض المتأخرين بضعفه بناء على أن الحيثية معتبرة في جميع موجبات النزح فمعنى وجوب نزح السبعين لموت الإنسان أن نجاسة موته يقتضي ذلك فالعموم الواقع فيه إنما يدل على تساوي المسلم و الكافر في الاكتفاء لنجاسة موتهما بنزح السبعين فإذا انضم إلى ذلك جهة أخرى للنجاسة كالكف و نحوه لم يكن للفظ دلالة على الاكتفاء به أ لا ترى أنه لو كان بدون المسلم متنجسا بشيء من النجاسات و كان العين غير موجودة لم يكف نزح المقدر عن الأمرين و لو تم ما ذكروه لاقتضى الاكتفاء و هم لا يقولون به
و بالجملة الكفر أمر عرضي للإنسان كملاقاة النجاسة و لكل منهما تأثير في بدنه بالتنجس فكما أن العموم غير متناول لنجاسة الملاقاة لا يتناول نجاسة الكفر ثم بنى على هذا الأصل تصحيح المعارضة و دفع إيرادات المحقق بأسرها
ثم ذكر أن ملاحظة الحيثيّة يرشدك إلى كلام المحقق في هذا المقام من أصله لابتنائه على إغفالها و ذكر أن قول المحقق إن الارتماس من الجنابة إنما يراد للطهارة ضعيف لخلو أكثر الأخبار الواردة في الجنب عن ذكر الاغتسال و إنما ذكر فيها النزول و الوقوع
و فيه نظر لأن الإنسان المعرف باللام في الخبر مفيد للعموم بانضمام القرائن فيرجع محصل الكلام إلى قولنا كلّ إنسان سواء كان مسلما أو كافرا إن وقع في البئر فمات فيه وجب نزح السبعين و يؤيده صحة الاستثناء فحينئذ إن اعتبرنا المفهوم كان المستفاد منه ثبوت نزح السبعين من غير زيادة لوقوع الكافر و موته أيضا و إلّا لم يكن نفي الزيادة على السبعين معلوما لكنّ نزح السبعين منصوصا عليه فلم يكن من قبيل ما لا نص فيه غاية ما يمكن أن يقال أن تعليق الشيء بالوصف المناسب يشعر بعلية المبدإ و هذا يقتضي أن يكون العلة في وجوب نزح السبعين و ثبوته لكل فرد من أفراد الموضوع الوقوع في البئر و الموت فيه لا أن الواجب نزح السبعين بسبب الموت حتى لا ينافي ثبوت شيء آخر بسبب الكفر و من أين يستفاد هذا الدلالة
نعم لو كان الكفر من الأمور الغرضية الخارجة عن أشخاص الإنسان بحسب العرف و العادة كتنجس بدن الإنسان كان إلى ما ذكره طريق لكنه ليس الأمر كذلك و لا ينفع كون الكفر خارجا عن قوام الشخص بحسب العادة لأن العبرة في أمثال هذه المواضع بالعادة و بالجملة إذا وقع كافر في البئر فمات لم يكن هناك إلّا وقوع فرد معين من الإنسان و موته فيه فيجب السبعين حسب
و أما إذا كان بدنه متنجسا أو كان للنجاسة عين أو لم يكن كان هنا أمر آخر أجنبي بالنسبة إلى وقوع فرد من الإنسان في البئر و موته فيه لأن التنجس بنجاسة خارجة مما لا دخل له في خصوصيات الأفراد المتعارفة الإنسانية بحسب العرف و العادة فمن المحتمل إيجاب نزح آخر لذلك الأمر العرضي بخلاف الكفر فإنه خصوصية لصنف متعارف من أفراد الإنسان
و من هنا يعلم الفرق بين ما نحن فيه و بين النظير الذي ذكره بعد تسليم عدم تداخل النزح على أن التخصيص بإخراج الأفراد النادرة ليس كالتخصيص بإخراج الأفراد الشائعة فتدبر جدا فإنك إن تأملت ما ذكرناه عرفت صحة إيرادات المحقق و اندفاع أكثر الاعتراضات عنه و أن