ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١٢
أو مبيحا للصّلاة على القول بعدم حصول ذلك في مطلق الوضوء أم لا بل يعم الوضوء مطلقا
فيه وجهان أقواهما الثاني فعلى الثاني ينعقد نذر الوضوء في زمان معيّن و إن لم يكن محدثا فيه نعم يشترط صحّته و مشروعيته فلا ينعقد نذره مع غسل الجنابة و ما قيل من انعقاد نذر الوضوء دائما محل التأمّل و على الأول فإن كان محدثا فالأمر فيه واضح و إن كان متطهرا فالذي ذكره الشارح الفاضل أنه لم يجب عليه الوضوء لامتناع تحصيل الحاصل و لا الحدث لعدم وجوب تحصيل شرط الواجب المشروط و يتوجه عليه المنازعة في كون الوضوء الرافع مستحبا مشروطا
بل يقال إنه مستحب مطلق و الحدث شرط لوجوده لا لاستحبابه على أنّ الوضوء مستحب مطلق و الوضوء الرافع فرد منه فلو نذره وجب لكونه فردا للوضوء المطلق الراجح مطلقا و لا يشترط كون الفرد من حيث الخصوص راجحا حتّى ينعقد نذره كما في الصّلاة في موضع لا مزية و لا بد لبيان الحقّ في هذا المقام و تحقيقه من تمهيد مقدمتين إحداهما أن المكلف إذا جمع بين مباح و مندوب مثلا في النذر و تعلق غرضه بالمجموع من حيث هو مجموع أو بكلّ واحد واحد على سبيل الاستغراق بأن يكون غرضا واحدا لا بكل واحد واحد على حدة فالظاهر عدم انعقاد النذر على القول باشتراط الرجحان في المنذور إما لأن عدم رجحان أحد الجزءين يستلزم عدم رجحان المجموع لا وجود له على حدة حتى يتصف بالرجحان أو عدمه
و ثانيهما أن الإتيان بالوضوء الرافع للحدث في الحقيقة ليس إلّا الإتيان بالحدث في زمان سابق في الواقع و الإتيان بالوضوء في زمان لاحق لأن الوضوء الموصوف بهذا الوصف مسبّب عن الأمرين المذكورين و التكليف بالمسبّب تكليف بأسبابه حقيقة على ما تبيّن في محلّه
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ المكلف إذا نذر الوضوء في زمان معين لم يكن محدثا فيه فمتعلق النذر حقيقة الحدث في زمان سابق في الواقع و الوضوء في زمان لاحق له كما ذكر في المقدمة الثانية و الحدث لا رجحان له لكونه مستلزما لتفويت الكون على طهارة في زمان ما و للأصل مع انتفاء الدّليل على رجحانه فلا يكون للمجموع رجحان
لا يقال الوضوء الرافع راجح و هو مما يتوقف على الحدث فيكون الحدث مصلحة راجحة لتوقف الأمر الراجح عليه لأنا نقول لا رجحان لخصوص الوضوء الرافع من حيث إنه رافع فتوقفه على الحدث لا يقتضي رجحانه و ذلك بناء على أنّ الرافعيّة خصوصيّة ملحقة بالوضوء إذا اتفق أن يكون بعد الحدث و انضمام هذا القيد إليه لا يوجب مزية رجحانه فما توقف هو عليه باعتبار هذه الخصوصيّة لا يكتب رجحانا باعتبار توقفها عليه لأن الموقوف عليه لخصوص الفرد الراجح لا يكون راجحا إلّا إذا كان للخصوصيّة رجحان أ لا ترى أن المشي إلى المواضع المكروهة ممّا يتوقف عليه الصّلاة فيها و هي فرد لطبيعة الصّلاة الراجحة مع أنه لا رجحان للمشي إلى تلك للواضع فإذن علم بما ذكرنا أنه لا ينعقد النذر المذكور بحيث يجب عليه وضوء رافع و لو اتفقت المرأة حائضا في الوقت المعيّن في النذر و حضر وقت صلاة بنى على الوجهين
و أمّا الغسل فإن قيده في نذره بأحد أسبابه انعقد و إن أطلقه أوقعه على أحد تلك الأسباب و إن قيده بزمان لم يوجد فيه شيء من أسبابه فيمكن أن يقال إن النذر باطل لأن الوجوب العارض بسبب النذر تابع لرجحان المنذور في نفسه و لما كان رجحان المنذور هنا رجحانا مشروطا مقيّدا بوجود السّبب كان الواجب أيضا كذلك فإذا لم يتحقق السّبب لم يكن هناك وجود بسبب النّذر أصلا
و يمكن أن يقال الغسل مثلا كغسل الجنابة راجح مطلقا و إن كان وجوده به مشروطا بوجود السّبب و تقريبه أن غسل الجنابة مثلا مستتبع لثواب مترتب على فعله و لما كان مشروعيته متوقفة على وجود السّبب كان وجود السّبب من حيث كونه مستتبعا لمشروعية غسل الجنابة المستتبع للثواب مصلحة راجحة و لكان مثل تحصيل النّصاب لأجل الزكاة
لكن هذا مبنيّ على عدم رجحان الغسل بدون السّبب أو مزية ثواب ذي السّبب على غيره و الأول ممّا قد اختلف فيه و الثاني ممّا أمكن النزاع فيه
و أما التيمم فلما مشروعيته مشروطة بعدم الماء أو عدم التمكن من استعماله كان ذلك شرطا في انعقاد نذره مع التعيين فإن لم يتفق ذلك بطل نذره و لم يجب عليه اتحاد السّبب لما مر و إن أطلق توقفه هذا مع تعيين إحدى الطهارات و مع الإطلاق فإن قصد المعنى الشرعي توقف على ثبوته و تعيينه و إن قصد المعنى الاصطلاحي بنى على تحقيق المعنى المنقول إليه اصطلاحا و قد اختلف فيه فمنهم من جعل الطهارة اسما لما يبيح العبادة من الأقسام الثلاثة دون إزالة الخبث و منهم من أطلقها على إزالة الخبث أيضا
و قد يقال ربما يظهر من كلام بعض المتقدّمين إطلاقها على مطلق الثلاثة سواء كانت مبيحة أم لا و الأكثرون على الأول و هل يحمل على المائية خاصّة أو الترابية أو التخيير فيه أوجه منشؤها أنّ إطلاق الطهارة على الأقسام الثلاثة إمّا بطريق الاشتراك أو التواطؤ أو التشكيك أو الحقيقة و المجاز
فعلى الأولين الثالث و كذا على الثالث على الأظهر و يحتمل انصرافه إلى الفرد الأقوى لأنه المتيقن و إلى الأضعف لأصالة البراءة من الزائد و الاحتمالان ضعيفان و على الرابع الأول لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة
النظر الثاني في أسباب الوضوء
و المراد بالسّبب هنا الوصف الدّال على المخاطبة بالطّهارة وجوبا أو ندبا و لو بالقوة لئلّا يخرج حدث الصّبي و المجنون و الحائض لأن التخلف لفقد الشرط أو وجود المانع لا يقدح في السّببيّة و السّبب أعمّ من الموجب لأن الإيجاب إنّما يكون عند المخاطبة بالواجب المشروط بالطهارة فيما يجب لغيره على المشهور أو عند وجوب السّبب فيما يجب لنفسه إلّا أن يراد بالموجب أعمّ من أن يكون موجبا بالفعل أو يكون من شأنه ذلك و هو خلاف المتبادر و كذا السّبب أعمّ من النّاقض لأن النقض يقتضي سبق الطّهارة فالتعبير عن الأحداث بالسّبب أولى و ممّا ذكرنا علم أن الفرق بين الموجب و النّاقض عموم من وجه
و كيفيته إنّما
يجب الوضوء
من البول و الغائط و الريح من الموضع المعتاد المراد به المخرج الطبيعيّ و وجوب الوضوء بهذه الأشياء ممّا لا خلاف فيه و تدل عليه الأخبار المستفيضة بل المتواترة و في حكم المعتاد لو اتفق المخرج في غيره لا أعلم فيه خلافا
و حكى المصنف في المنتهى الإجماع عليه و ألحق به الخارج من غير الطبيعي مع انسداده و ظاهر المصنف في المنتهى دعوى الإجماع عليه و إن لم ينسد الطبيعي فإن صار الخروج معتادا فالمشهور بين المتأخرين النقض مطلقا
و يظهر من المنتهى وجود الخلاف فيه و احتمل في النهاية عدم النقض به إذا خرج من فوق المعدة أو محاذيه و ذهب الشيخ إلى نقض ما خرج من تحت المعدة دون ما فوقه من غير استفصال و ذهب ابن إدريس إلى النقض مطلقا
و المسألة عندي محل التردد و احتج الشيخ بالآية و بعدم تناول الاسم لما خرج مما فوق المعدة و هو ضعيف لأن الآية تنصرف إلى المعنى المعهود المتعارف و عدم تناول الاسم ممنوع احتج ابن إدريس بالآية و هو أيضا ضعيف لما ذكرنا من انصرافها إلى المعهود المتعارف
فإن قلت قد روى الشيخ عن زرارة في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه ٧ قال لا يوجب الوضوء إلّا من الغائط أو بول أو ضرطة أو فسوة تجد ريحها و هذا الخبر و ما في معناه يدلّ على صحة قول ابن إدريس قلت ليس الناقض ذات الأحداث المذكورة بل وصف متعلق بها فينصرف إلى المعهود الغالب و هو خروجها على الوجه الطبيعي الشائع
فإن قلت قد دلت الأخبار الكثيرة على حصر الناقض فيما خرج من الطّرفين الأسفلين أو الذكر أو الدبر و فيه دلالة على عدم حصول النقض بغير ذلك إلّا في مواضع الإجماع فما وجه التردد في المسألة قلت قد أشرنا سابقا إلى أن التصفح كاشف عن أن النظر في الأحكام المودعة في الأحاديث المنقولة عن أصحاب العصمة : إنما هو مقصور على الشائع المتعارف لا على الفروض النادرة فلعل الحصر في الأخبار مبني على ذلك فلا يعلم منها حكم الفروض المذكورة فيبقى حكمها في معرض الجهل و الاشتباه
فإن قلت فإذن يرتفع حكم النقض عنها نظرا إلى أن الوضوء لا ينتقض إلّا باليقين بالحدث على