ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١١٩
يكون النّجاسة مستوعبة له أم لا و على الأول نجس أجمع و على الثاني نجس المتغير قطعا
و أما الباقي فيختلف بحسب اختلاف حال الماء فلا يخلو إما أن يكون الماء مستوي السّطوح أم لا و على التقديرين إما أن تستوعب النجاسة عمود الماء و هو ما بين حافتي المجرى عرضا و عمقا أم لا و على الأول إما أن يبلغ ما يلي المتغير من غير جهة المنبع كرا أم لا فهذه ستّ صور
الأولى أن يكون السطوح مستوية و لا تستوعب النّجاسة عمود الماء و لا ريب في اختصاص المتغير بالنجاسة إذا بلغ الباقي كرا و إن لم يبلغ فيبنى على الخلاف في اشتراط الكرية في الجاري
الثانية الصّورة بحالها لكن استوعب النجاسة عمود الماء و كان ما يلي المتغير من غير جهة المنبع كرا و حكمها كالأولى لكن يشترط في بقاء ما يلي المتغير إلى جانب المنبع على الطهارة أن يكون كرا بناء على القول باشتراط الكرية في الجاري و عن بعضهم الحكم بعدم الانفعال مع القلة و إن اعتبرنا الكرية استنادا إلى أنّ جهة المنبع في الجاري أعلى سطحا فلا تسري النجاسة إليه و فيه منع واضح لأن الجريان قد يتحقق مع المساواة خصوصا المساواة العرفية التي هي مناط الاعتبار
الثالثة الصّورة بحالها و لكن يكون ما يلي المتغير من غير جهة المنبع دون الكر و لا ريب في نجاسته لقلته مع ملاقاته للنجاسة و حكم ما قبل المتغير كما قبلها
الرابعة أن تختلف السّطوح و لم تستوعب النجاسة العمود و هي كالصّورة الأولى في الحكم بناء على ما ذكرنا من عدم اشتراط استواء السّطوح في الماء الجاري و إن قلنا باشتراط الكرية فيه
الخامسة الصّورة بحالها و لكن استوعبت النجاسة العمود و كان ما بعده بالغا قدر الكر فلا يخلو إما أن يكون سطوح ما بعده مستويا أم مختلفا و على الأول فلا ريب في بقائه على الطهارة و على الثاني فهو مبني على الخلاف المتقدم في اشتراط استواء سطوح مقدار الكر في الواقف و عدمه و من التفصيل المذكور فيه يستفاد الحكم هاهنا و أما ما يلي المنبع فهو طاهر قطعا و إن اعتبرنا الكرية في الجاري إن كان فوقه و إلا فيشترط في طهارته الكرية بناء على القول باعتبارها في الجاري
السّادسة الصّورة بحالها و لكن كان ما بعد المتغير دون الكر و لا ريب في نجاسته و حكم ما قبل التغير كما قبلها
و يطهر
بتدافع الماء الطّاهر عليه حتى يزول التغير
تمام الكلام في هذه المسألة يحتاج إلى تقديم بحث هو أنه هل يكفي في تطهير الماء مجرد الاتصال أم لا بد من الممازجة و الاستيلاء اختلف فيه كلام الأصحاب و ظهر من فتوى جماعة منهم الاضطراب فممن صرّح بعدم الاكتفاء بالاتصال المحقق في المعتبر في مسألة الغديرين الموصول بينهما بساقية و المصنف في التذكرة في المسألة المذكورة و الشهيد في الذكرى حكم بعدم طهارة القليل بمماسته الكثير
و اعتبر المصنف في المنتهى و الدراية-) في تطهير الحوض الصغير من الحمام غلبة المادة عليه بحيث يستولي عليه و لم يكتف بإجرائها إليه و قريب منه في التحرير و اكتفى المصنف بمجرّد الاتصال في المنتهى في مسألة الغديرين على الظاهر من كلامه و جعل في التحرير الأولى زوال النجاسة بالاتصال في المسألة المذكورة
و قريب منه في النهاية و اكتفى الشهيد في اللمعة بمجرّد الملاقاة و قال الشارح في الروضة يشمل إطلاق المساواة ما لو تساوى سطحاهما أو اختلفا مع علو المطهّر على النجس و عدمه و المصنف لا يرى الاجتزاء بالإطلاق في باقي كتبه بل يعتبر الدفعة و الممازجة و علو المطهر أو مساواته انتهى و ممن جعل المناط إلا الاتصال الفاضل الشيخ على و الشهيد الثاني لكنه قيد المساواة أو علو المطهر و صدق الوحدة العرفية في بعض كتبه و أطلق في البعض و حجة من اعتبر الامتزاج أن النجس في صورة عدم الامتزاج متميز عن الطاهر فيكون على حكمه
و فيه أنه إن أراد بالتمييز عدم صدق الوحدة العرفية بينه و بين الظاهر فالصّغرى ممنوع كلية و إن أراد أعمّ من ذلك فالكبرى ممنوع على أنا لا نسلّم توقف الطّهارة على عدم التمييز لا بدّ لذلك من دليل و يمكن الاستدلال عليه بوجهين آخرين
الأول أصالة عدم الطهارة منه فإنّ حكم النجاسة مستصحب إلى أن يثبت الرافع و لم يثبت أنّ مجرّد الاتصال كاف و يرد عليه ما أشرنا إليه سابقا من أن استمرار الحكم تابع لدلالة الدليل الدال عليه فإذا دل الدّليل عليه ثبت و إلا فلا و هاهنا القدر المسلّم استصحاب النجاسة إلى زمان الاتصال حسب سلّمنا الاستصحاب لكنّه دليل ظني و قد عارضه هاهنا أقوى منه و هو العمومات الدالة على طهورية المياه مطلقا و العمومات الدالة على طهارة الماء الذي لم يتغير بالنجاسة فيكون العمل بها متعينا سلمنا عدم قوة المعارض لكن ترجيح الاستصحاب عليه يحتاج إلى دليل
الثاني توقف البراءة اليقينية على الاجتناب عنه ما لم يمتزج يقتضي الحكم بنجاسة و يرد عليه دلالة العمومات المذكورة على الطهارة فتحصل البراءة اليقينية على أن البراءة اليقينية قد يقتضي استعماله كما إذا انحصر الماء فيه و احتجنا إلى الطّهارة احتج الشارح الفاضل على الاكتفاء بمجرّد الاتصال و عدم الاحتياج إلى الامتزاج بالأصل و لعدم تحقق الامتزاج لأنه إن أريد به امتزاج مجموع الأجزاء لم يتحقق الحكم بالطّهارة لعدم العلم بذلك بل ربما علم عدمه و إن أريد به البعض لم يكن المطهر للبعض الآخر الامتزاج بل مجرد الاتصال فيلزم إما القول بعدم طهارته أو القول بالاكتفاء بمجرد الاتصال و لأن الأجزاء الملاقية للطاهر يطهر بمجرّد الاتصال قطعا فيطهر الأجزاء التي تليها لاتصالها بالكثير الطاهر و كذا القول في بقية الأجزاء و لأن اتصال القليل بالنابع قبل النّجاسة كاف في رفع النجاسة و عدم قبولها و إن لم يمتزج فكذا بعدها لأن عدم قبول النجاسة إنما هو لصيرورة الماءين ماء واحدا بالاتصال و هو بعينه قائم في المتنازع فهذه وجوه أربعة و في الكل نظر
أما الأول فلما أشرنا إليه من أن كلا من الطّهارة و النجاسة حكم شرعي يحتاج إلى دليل و لا مدخل للعقل فيها و أجيب عنه أيضا بمعارضته لاستصحاب النجاسة و أما الثاني فلأنا نقول غرض القائل باشتراط الامتزاج أن الماء النجس الذي له وحدة حقيقية لا يطهر إلا بأن يصدق على مجموعه من حيث هو مجموع أنه ممتزج معه مستهلك فيه و ذلك إنما يحصل بامتزاج بعض أجزائه مع المطهر و نفوذه في بعض أجزاء المطهر حتى يصدق على المجموع أنه ممتزج معه و حينئذ يلزم طهارة المجموع و يلزم من ذلك طهارة الأجزاء الغير الممتزجة باتصال خاص و هو اتصال مجامع لصدق الامتزاج على المجموع للاتفاق عليه و لا يلزم من كون اتصال خاص سببا للطهارة بدليل شرعيّ كون الاتصال مطلقا سببا لها لكونها غير مورد الدليل و لا نص هنا على علة مشتركة توجب تعدية الحكم
و أما الثالث فلأنه موقوف على أنّ للماء أجزاء متعددة بالفعل بعضها ملاق لبعض و هو ممنوع بل ليس هاهنا إلا جسم واحد متّصل حصل الاتصال لطرفه بالجسم الطاهر و إثبات كون ذلك مطهّرا له يحتاج إلى دليل شرعي على أنا لو سلّمنا تعدّد الأجزاء و تلاقي بعضها بالبعض في الحقيقة أو في العرف لكن لنا أن نقول كون الماء مطهرا لنفسه على أي وجه اتفق ملاقاته لها يحتاج إلى دلالة شرعية و هي هنا ممنوعة و العمومات الدالة على طهورية الماء لا يدل إلا على كونه طهورا في الجملة فيحتاج في إجرائها إلى خصوص المواد إلى ضميمة الإجماع و هو في محل النزاع ممنوع
و أمّا الرابع فلأن عدم الانفعال بملاقاة النجاسة حال كونه طاهرا بسبب الاتصال لا يستلزم زوال النجاسة بسببه و ما ذكر في تعليله ضعيف و الأجود الاستدلال عليه بالعمومات الدالة على طهورية الماء و بالعمومات الدالة على طهارة الماء إذا لم يكن متغيرا بالنجاسة لا يقال قول أبي جعفر ٧ في صحيحة زرارة لا تنقض اليقين أبدا بالشك و لكن تنقضه بيقين آخر يقتضي استصحاب النجاسة إلى أن يثبت الرافع لأنا نقول قد أشرنا في أحكام المضاف إلى أن الاستدلال بهذا الخبر في أمثال هذه المواضع غير صحيح و مع قطع النظر عن ذلك نقول ليس النقض هاهنا بالشك بل باليقين المستفاد من الدليل الدال على وجوب العمل بالعام ما لم يثبت تخصيصه بدليل كما هو الواقع هاهنا فاندفع الإيراد لكن يرد عليه أن كثيرا من الأخبار الآتية في مبحث نجاسة القليل بالملاقاة دال على النهي من الوضوء بالقليل النجس بالنجاسة المذكورة فيها على وجه يعم الأوقات فيكون هذا الحكم مستصحبا فيها إلى أن يثبت الرافع و النهي فيها و إن احتمل الرجحان المطلق لكن باقي أدلة نجاسة القليل بالملاقاة قرينة على أن ليس المراد به فيها ذلك و حينئذ يجب قصر الصّلوة بصورة الامتزاج لكونها مورد الاتفاق و بدونه لا يصح الحكم بالطهارة لعدم الدليل و لا يمكن تخصيص هذه الأخبار بتلك العمومات بناء على القول بانفعال القليل بالملاقاة مع كونها أخص مطلقا من بعض تلك العمومات فإذن ثبت أن القليل لا يطهر بالاتصال ثم يضم إليه دعوى الإجماع على عدم الفصل حتى يعم الحكم لكن لمعارض أن يقول مقتضى العمومات السّابقة طهارة الكر النجس بالاتصال بعد زوال التغير لسلامتها في دلالتها عليها عن المعارض ثم يضم إليه دعوى الإجماع على عدم الفصل حتى يعم الحكم
و التحقيق أنه إن ثبت الإجماع على عدم الفصل كان الدليلان متعارضين و لا بد من ترجيح أحدهما على الآخر من دليل و لا يبعد ترجيح