ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد - المحقق السبزواري - الصفحة ١١٠
بينا هناك و قد يجاب أيضا بأنّ الظاهر أنّ المراد بالخبث حيث أطلق الخبث المحض الذي لم يحصل معه المطهر أصلا و فيه تأمّل و الصّواب أن يقال قوله سبحانه وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ إلى آخر الآية متصلا بذلك بمنزلة الاستثناء عن الحكم المذكور فكأنه قال لا تدخلوا مواضع الصّلاة مجنبين بدون الغسل إلا أن تكونوا معذورين فيجوز لكم ذلك بالتيمّم
و من تأمّل في سياق الآية علم أن الاستدلال بها على القول المشهور أقرب على أنّ تخصيص الآية بالأخبار الكثيرة الصّحيحة المعتضدة بعمل الطائفة و الاشتهار بينهم غير بعيد
و لا يعيد المتيمّم تيمما مشروعا ما صلّى به مطلقا لأنه صلّى صلاة مأمورا بها فتكون مجزئة و لأنّ إيجاب القضاء يحتاج إلى دليل لأن وجوب القضاء يحتاج إلى دليل لأن وجوب القضاء بتكليف جديد و لا دليل عليه فيكون منتفيا و لما رواه الشيخ في الصّحيح عن عبد اللّٰه بن سنان قال سمعت أبا عبد اللّٰه ٧ يقول إذا لم يجد الرجل طهورا و كان جنبا فليمسح من الأرض و ليصل فإذا وجد ماء فليغتسل و قد أجزأه صلاته التي صلى
و صحيحة محمّد بن مسلم قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن رجل أجنب فتيمّم بالصّعيد و صلّى ثم وجد الماء فقال لا يعيد إنّ ربَّ الماء ربّ الصّعيد فقد فعل أحد الطهورين و صحيحة زرارة قال قلت لأبي جعفر ٧ فإن أصاب الماء و قد صلّى بتيمّم و هو في وقت قال تمت صلاته و لا إعادة عليه و في صحيحة عبد اللّٰه بن علي الحلبي فإذا وجد الماء فليغتسل و لا يعيد الصّلاة
و صحيحة عيص قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن رجل يأتي الماء و هو جنب و قد صلّى قال يغتسل و لا يعيد الصلاة و حسنة الحلبي قال سمعت أبا عبد اللّٰه ٧ يقول إذا لم يجد الرّجل طهورا و كان جنبا فليمسح من الأرض و ليصل فإذا وجد ماء فليغتسل و قد أجزأته صلاته التي صلّى و حسنة زرارة عن أحدهما ٨ قال إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم و ليصل في آخر الوقت فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه إلى غير ذلك من الأخبار و قد وقع الخلاف في هذه المسألة في مواضع
الأول نقل عن السيّد المرتضى أن الحاضر إذا تيمم لفقد الماء وجب عليه الإعادة إذا وجده و لم نقف له على حجة يعتدّ به و الأقوى عدم الإعادة لما ذكرنا من الأدلة
الثاني لو تيمم و صلّى مع سعة الوقت ثم وجد الماء في الوقت فإن قلنا باختصاص التيمم بآخر الوقت بطلت صلاته مطلقا سواء وجد الماء أم لا و إن قلنا بجوازه مع السّعة فالأقرب عدم الإعادة و هو خيرة المحقق في المعتبر و الشهيد في الذكرى و المنقول عن ابن الجنيد و ابن أبي عقيل القول بوجوب الإعادة و هو ضعيف لما ذكرنا من الأدلة و لنا أيضا موثقة يعقوب بن سالم و رواية معاوية ابن ميسرة و رواية أبي بصير و قد سلف الكل عند شرح قول المصنف و الأولى تأخيره إلى آخر وقت الصّلاة فإن كل واحد من تلك الرّوايات تدل على أنه لا يعيد إذا وجد الماء و عليه شيء من الوقت
و لنا أيضا صحيحة عيص قال سألت أبا عبد اللّٰه ٧ عن رجل يأتي الماء و هو جنب و قد صلى قال يغتسل و لا يعيد الصّلاة احتج المخالف بقوله ٧ في صحيحة يعقوب بن يقطين السّالفة في المبحث المذكور إذا وجد الماء قبل أن يمضي الوقت توضأ و أعاد و الجواب أنّها محمولة على الاستحباب جمعا بين الأدلة
الثالث ذهب الشيخ إلى أنّ من تعمد الجنابة و خشي على نفسه من استعمال الماء تيمم و صلّى و يعيد إذا وجد الماء و الباقون على خلافه و هو أقرب و قد مرّ الكلام في تحقيقه
الرابع ذهب الشيخ في النهاية و المبسوط إلى أن من منعه زحام الجمعة عن الخروج يتيمم و يصلي و يعيد إذا وجد الماء و المشهور خلافه و هو أقرب لما ذكرنا من الأدلة و لعل مستند الشيخ ما رواه السكوني عن جعفر عن أبيه عن عليّ : أنه سئل عن رجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة لا يستطيع الخروج من المسجد من كثرة الناس قال يتيمم و يصلّي معهم و يعيد إذا انصرف
و رواية سماعة عن أبي عبد اللّٰه ٧ عن أبيه عن علي ٧ أنه سئل عن رجل يكون وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة فأحدث أو ذكر أنه على غير وضوء و لا يستطيع الخروج عن كثرة الزحام قال يتيمم و يصلّي معهم و يعيد إذا انصرف و الرواية الأولى ضعيفة جدا و في طريق الثانية زرعة و سماعة و هما واقفيان و محمد بن عيسى و فيه شيء فحملها على الاستحباب غير بعيد
الخامس لو كان الثوب نجسا و لا ماء معه نزعه و صلى عاريا بتيمّم و لا إعادة عليه أمّا لو لم يتمكن من نزعه صلّى فيه بتيمّم و هل يجب الإعادة أم لا المشهور العدم و المنقول عن الشيخ وجوب الإعادة و قال في المبسوط أيضا من كان على بعض بدنه نجاسة و لا يقدر على ما يزيل به ذلك تيمم و صلّى ثم يعيد فيما بعد إذا غسل الموضع و المشهور خلافه و هو أقرب و لعلّه عول في الحكم الأول على رواية عمار السّاباطي عن أبي عبد اللّٰه ٧ أنه سئل عن رجل ليس عليه إلا ثوب و لا تحل الصّلاة فيه و ليس يجد ما يغسله كيف يصنع قال يتيمم و يصلّي فإذا أصاب ماء غسله و أعاد الصّلاة و هي غير ناهضة بالدلالة على الوجوب و الحمل على الاستحباب غير بعيد
و يؤيد ما ذكرنا في الجملة عدم ذكر الإعادة في صورة نجاسة الثوب في بعض الرّوايات كصحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه موسى ٧ قال سألته عن رجل عريان و حضرت الصّلاة فأصاب ثوبا نصفه دم أو كله أ يصلّي عريانا قال إن وجد ماء غسله و إن لم يجد ماء صلّى فيه و لم يصلّ عريانا قال إن وجد و غيرهما مما في معناها و على قول الشيخ هل تجب الإعادة عند غسل النجاسة أو عند وجود الماء الكافي للطهارتين ظاهر كلامه و ظاهر الرّواية الأولى
السادس ذهب ابن الجنيد إلى أن من لم يجد الماء إلا بثمن غال يتيمم و يعيد و المشهور خلافه و هو الصّحيح
السّابع ظاهر كلام الشيخ أن من أخل بالطلب فتيمم عند ضيق الوقت وجب عليه الإعادة و المشهور خلافه و هو أقرب و قد مر الكلام
الثامن المشهور فيه أن من أخل بالطلب ثم وجد الماء في رحله أو عند أصحابه وجب عليه الإعادة و قد مر الكلام عليه
التاسع لو أراق الماء بعد دخول الوقت فالأقوى عدم وجوب الإعادة و قيل بوجوبها و قد مرّ ذلك و يختص الجنب بالماء المباح و المبذول للأحوج و يتيمم المحدث و الميّت إذا اجتمع الحيان مع الميّت و معهم من الماء ما يكفي لأحدهم فإن كان الماء ملكا أو مبذولا لأحدهم فلا خفاء في اختصاصه به و لا يجوز مقاهرته عليه و لا يجوز له بذله لغيره لوجوب صرفه في الطهارة و إن كان مباحا وجب على كل من الحيين المبادرة إليه فإن سبق أحدهما إلى حيازته كان ملكا له و إن أثبتا اليد عليه دفعة كان ملكا لكلّ واحد منها على سبيل الاشتراك و لو توافيا دفعة اشتركا و لو تغلب أحدهما أنعم
و هل يملك قال الفاضلان نعم و استشكله الشهيد في الذكرى بأنه إزالة أولوية غيره و هذا في معنى الملك قال و هذا مطرد في كل أولوية كالتحجير و التعشيش و رد بأن تملك المباحات مفتقرا إلى الحيازة مع النية و لم يحصل الشرطان إلا للمتغلب و إن كان ملكا لهم جميعا أو لمالك يسمح ببذله فلا ريب في أنّ للمالك التخصيص بالبعض أو الإمساك و إنّما الكلام في الأولى فقال الشيخ في النهاية أنه الجنب و اختاره المصنف و قيل الميّت
و قال الشيخ في الخلاف إن كان لأحدهم فهو أحق به و إن لم يكن لواحد بعينه تخيروا في التخصيص لأنها فروض اجتمعت و ليس بعضها أولى من بعض فتعين التخيير و لأن الروايات اختلفت على وجه لا ترجيح فيحمل على التخيير كذا نقل عنه و مقتضاه انتفاء الأولوية و مختار المصنف أقرب لما رواه ابن بابويه في الصحيح عن عبد الرحمن بن أبي نجران أنه سأل أبا الحسن موسى بن جعفر ٧ عن ثلاثة نفر كانوا في سفر أحدهم جنب و الثاني ميّت و الثالث على غير وضوء و حضرت الصّلاة و معهم من الماء قدر ما يكفي أحدهم من يأخذ الماء و كيف يصنعون فقال يغتسل الجنب و يدفن الميّت بتيمم و يتيمم الذي هو على غير وضوء لأن الغسل من الجنابة فريضة و غسل الميّت سنة و التيمم للآخر جائز و رواه الشيخ مرسلا
و احتج القائل بتقديم الميّت بأن الجنب يستدرك طهارته و الميّت لا استدراك لطهارته و برواية محمد بن علي عن بعض أصحابه قلت الميّت و الجنب يتفقان و لا يكون الماء إلا بقدر كفاية أحدهما أيهما أولى قال يتيمم الجنب و يغتسل الميّت و الجواب عن الأول أنّ مثل هذه الاعتبارات لا تكفي مستندا إلا للأحكام الشرعية خصوصا في معرض النص مع أنه معارض بأن الجنب متعبّد بطهارته دون الميّت و بأن الجنب يترتّب على طهارته غايتان أحدهما استباحة الصلاة دون الميّت و عن الثاني ما يطعن في سند الخبر بالضّعف و الإرسال و الإضمار فلا يصلح معارضا للخبر الصّحيح المعتضد بالشهرة و غيره من الأخبار كخبر حسين بن نصر الأرمني قال سألت أبا الحسن الرّضا ٧ عن القوم يكونون في السّفر فيموت منهم ميّت و معهم جنب و معهم ماء قليل قدر ما يكفي أحدهما أيّهما يبدأ به قال يغتسل الجنب و يترك الميّت لأنّ هذا فريضة و هذا سنّة
و روى حسن التفليسي قال سألت أبا الحسن ٧ عن ميت و جنب اجتمعا و معهما ماء يكفي أحدهما أيهما يغسل قال إذا اجتمعت سنة و فريضة بدئ بالفرض قال في المعتبر بعد