مواهب الرحمن في تفسير القرآن - الموسوي السبزواري، السيد عبد الأعلى - الصفحة ٩٧
منزلة شؤون أنفسهم ، ونسبة فعل الأتباع إلى النفس باب من أبواب البلاغة تترتب عليه فوائد وحكم كثيرة.
السادس : إتمام حجة الإختيار على المخاطبين ، وجميع هذه الوجوه صحيحة يمكن الاعتماد عليها في مثل هذا النهج من التعبير ، كما في قوله تعالى : (يُرِيدُ اللهُ) الوارد في أكثر من عشرين موضعا في القرآن الكريم.
قوله تعالى : (وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ). كبيرة أي عظيمة وثقيلة. وقد وردت مادة (كبر) في القرآن بهيئات مختلفة ، والكبير والصغير من الأمور الإضافية يتصف بهما جميع الجواهر والأعراض ، بل الاعتباريات أيضا ، كما هو معلوم. ويطلق الكبير على الله تعالى قال سبحانه : (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ) [سورة الرعد ، الآية : ٩] ، وقال تعالى : (وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) [سورة الحج ، الآية : ٦٢].
والضمير في «كانت» يرجع إلى القبلة من جهة تحويلها أي : انه عظم أمر القبلة في تحويلها على أهل الكتاب والمنافقين وغيرهم ممن لم يثبت على الإيمان إلّا أن الذين هداهم الله تعالى إلى دينه وهم الذين صدقوا الرسول ٦ وآمنوا به بحقيقة التصديق والإيمان لم يفرقوا بين القبلة الأولى المحول عنها والقبلة الثانية المحول إليها ، وأنهم يعلمون أن ذلك من أمر الله تعالى العالم بالمصالح والحكم ، والمبين لعبده ما لم يكن يعلم ، فاستسلموا لأمره وأطاعوا رسوله. وفي الآية إشارة إلى الطائفتين من الطوائف الثلاثة المتقدمة وهم المنافقون والمؤمنون.
قوله تعالى : (وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ). الضياع الهلاك والفساد ، والآية المباركة في مقام الجواب عما ارتكز في النفوس عن شأن الأعمال التي تقع على طبق الحجة السابقة إذا تبدلت إلى حجة اخرى ؛ فكان الجواب أنها صحيحة ومقبولة لدى الله تعالى ويجزي عليها بالجزاء الأوفى.
وفي الآية بشارة للمؤمنين وإيماء إلى أن أعمالهم إنما كان مبعثها هو الإيمان بالله تعالى والتسليم لأمره.