مواهب الرحمن في تفسير القرآن - الموسوي السبزواري، السيد عبد الأعلى - الصفحة ١١
الامتحان والابتلاء ، وإلّا لا معنى لأن يتعلق الجعل بأمر كان حاصلا له.
وثانيا : ظاهر قوله تعالى : (إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً) يدل على كون الجعل في المستقبل ، وصرفه إلى معنى (جعلت) في الماضي خلاف الظاهر ويحتاج إلى دليل ، وقد ذكر علماء الأدب أن اسم الفاعل إنما يعمل إذا كان بمعنى المستقبل.
وبالجملة أنّ توهم كون المراد بالإمامة هي النبوة خلاف الظاهر المنساق من الآيات المباركة الواردة في القصة. وقد وردت روايات مستفيضة عن الأئمة الهداة : تدل على أن إمامة إبراهيم ٧ كانت بعد النبوة يأتي التعرض لها في البحث الروائي.
والمستفاد من جميع ما تقدم أن النسبة بين النبوة والإمامة هي العموم من وجه ، فليس كل نبي إماما كما أنه ليس كل إمام نبيا ، ومورد الاجتماع إبراهيم ٧ ، ومحمد ٦.
قوله تعالى : (قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي). مادة (ذرأ) تأتي بمعنى الفرق والتفرق ، وأبدلت الهمزة ياء ، سواء كان أصلها من ذرأ بمعنى الخلق ، أم ذرر من لفظ الذر ، أم من ذري أو ذرو بمعنى الإلقاء والتفريق ؛ يقال : ذريت الحب ، أو ذروته. وهي بمعنى النسل سمي ذرية ، للاختلاف في الخصوصيات والهيئة ، وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم كثيرا لا سيما في قضايا إبراهيم ٧ ، قال تعالى حكاية عنه ٧ : (رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) [سورة البقرة ، الآية : ١٢٨] ، وقال تعالى : (رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) [سورة إبراهيم ، الآية : ٣٧].
والظاهر من سياق الآية المباركة أنّ إبراهيم ٧ كما بشر بالإمامة العظمى بعد الابتلاء العظيم من ربه دعا الله تعالى أن يجعل هذه الموهبة العظيمة في ذريته أيضا إما جزاء لابتلائه ، أو رغبة منه فاستجاب تعالى ذلك له بقوله تعالى : (فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) [سورة النساء ، الآية : ٥٤].