مواهب الرحمن في تفسير القرآن - الموسوي السبزواري، السيد عبد الأعلى - الصفحة ١٠٢
والمعنى : ولئن جئتهم بكل برهان وحجة على صدقك ما تبعوا قبلتك ، ولم يعترفوا بملتك ، فقد تمكن منهم الجهل وغلب عليهم العناد واللجاج بارتكابهم السيئات ، فلم يوفقهم الله تعالى للإيمان بك.
قوله تعالى : (وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ). بعد ما أيأس سبحانه النبي ٦ من اتباعهم لقبلته أراد سبحانه وتعالى إياسهم من اتباعه قبلتهم بعد ما اتضح الحق ، وأن قبلته ٦ أولى بالاتباع خصوصا بعد ما أمر بالتوجه إلى شطر المسجد الحرام ، ولا وجه لمتابعة قبلة أوجب الله تعالى الانحراف عنها وأكد فيه التأكيد البليغ.
ويمكن أن يريد منه بيان بطلان أصل المتابعة ، لأنه بعد وضوح بطلان شيء كيف يعقل على العاقل الحكيم متابعته ، فيكون مفاد هذه الآية كالآية السابقة.
قوله تعالى : (وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ). أي أن أهل الكتاب على خلاف وعناد في أمور دينهم فلا اليهود تتبع قبلة النصارى ولا هؤلاء تتبع قبلة اليهود ، فإن كلّا منهما يرى قبلة صاحبه باطلة ، فكيف يتوجه إلى الباطل ويستقبله ، وقد أعمى الجهل بصيرته فلا يتبع ما هو صالح واقعا.
قوله تعالى : (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ). قضية عقلية برهانها معها ، أي : إنه إذا ثبت أنك على حق ـ كما هو الواقع ـ وكل من خالف الحق بعد ثبوته هو ظالم ، فانك لو خالفته لكنت من الظالمين. وقد ثبت في محله. أن صدق القضية الشرطية بصدق النسبة بين الطرفين لا بتحقق موضوعها في الخارج.
والخطاب موجه إلى النبي ٦ تعظيما وتشريفا لأنه المشرع المسؤول عن الأمة في يوم المعاد ، وقطعا لأطماعهم بأنه لا يتبع أهواءهم ، وإلّا فحقيقة مثل هذه الخطابات العقلية تكون لجميع العقلاء في القرآن الكريم بلا اختصاص لها بأحد ، ولا بزمان دون آخر ، وإلى ما ذكرنا يشير ما ورد في الحديث : «أنّ القرآن نزل على طريقة إياك اعني واسمعي يا جارة». وفي الآية توعيد وتوبيخ لهم وتبكيت لهم بأنهم أصحاب أهواء