قراءة جديدة للفتوحات الإسلامية - الكوراني العاملي، علي - الصفحة ٣٢٢
الخوص والاستغناء به عن رفيع المطعم والمشرب ، وعن غصب مؤمن حقه وادعاء ما ليس له بحق ، أفضل وأحب إلى الله عز وجل وأقرب للتقوى . ولقد رأيت رسول الله ( ( ٦ ) ) إذا أصاب الشعير أكل وفرح به ولم يسخطه .
وأما ما ذكرت من عطائي ، فإني قدمته ليوم فاقتي وحاجتي . ورب العزة يا عمر ما أبالي إذا جاز طعامي لهواتي وانساغ في حلقي ، ألباب البر ومخ المعز كان أو خشارة الشعير .
وأما قولك : إني ضعَّفْتُ سلطان الله ووَهَّنْتُهُ وأذللت نفسي وامتهنتها ، حتى جهل أهل المدائن إمارتي واتخذوني جسراً يمشون فوقي ، ويحملون عليَّ ثقل حمولتهم ، وزعمت أن ذلك مما يوهن سلطان الله ويذله .
فاعلم أن التذلل في طاعة الله أحب إليَّ من التعزز في معصيته ، وقد علمت أن رسول الله ( ( ٦ ) ) يتألف الناس ويتقرب منهم ويتقربون منه في نبوته وسلطانه ، حتى كأنه بعضهم في الدنو منهم ، وقد كان يأكل الجشب ويلبس الخشن ، وكان الناس عنده قرشيهم وعربيهم وأبيضهم وأسودهم سواء في الدين .
وأشهد أني سمعته يقول : من وليَ سبعة من المسلمين بعدي ثم لم يعدل فيهم ، لقي الله وهو عليه غضبان . فليتني يا عمر أسلم من إمارة المدائن مع ما ذكرت أني أذللت نفسي وامتهنتها ، فكيف يا عمر حال من ولي الأمة بعد رسول الله وإني سمعت الله يقول : تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . إعلم أني لم أتوجه ، أسوسهم وأقيم حدود الله فيهم إلا بإرشاد دليل عالم ، فنهجت فيهم بنهجه ، وسرت فيهم بسيرته .