بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٦٤
و التّفصيل ممّا لا يعتريه ريب و إن كان تخصيص المردّد في كلامه بالصّدور و
جهته محلّ نظر لأنّ التّحقيق تردّد الأمر بين ثلاثة جهات الصّدورو جهته و
الدّلالة كالاستدلال للمدّعى بترجيح الأوثق في أخبار الباب لمنع كون المراد
من الأوثق مجرّد الأقرب إلى الواقع على ما عرفت فيمطاوي كلماتنا السّابقة
و هذا نظير الاستدلال للمدّعى في الجواب عن السّؤال فيما سيذكره بعموم
قوله دع ما يريبك إلى ما لا يريبكفإنّك قد عرفت فيما قدّمناه لك عدم تعلّق
الرّواية بباب التّرجيح أصلا مضافا إلى عدم دلالتها و إن كان مستقيما على
تقدير عمومهاللمقام نعم الاستدلال على المدّعى بعموم كلمات العلماء و معاقد
الإجماعات لمطلق الأمارة المطابقة لمضمون أحد الخبرين و إن لم ترجع
إلىالمرجّح الخارجي ممّا لا شبهة في استقامته كالاستدلال بالأصل بالتّقريب
المتقدّم في كلام شيخنا العلاّمة قدس سره في مسألة وجوب التّرجيحفلعلّ
عدم ذكره في عداد الوجوه في المقام من جهة ابتناء كلامه قدس سره على ذكر
الأدلّة لا مطلق الوجه نعم قد مرّ منّا فيما تقدّم التّأمّل فيالأصل
المذكور في مطلق التّرجيح نقل كلام السّيد في المفاتيح في التّرجيح بالقياس و ما يتوجّه عليه
قوله
قدس سره و مال إلى ذلك بعض سادة مشايخنا المعاصرين إلخ(١)
أقول
مراده قدس سره السيّد طيّب اللّهرمسه الشّريف في المفاتيح حيث قال بعد
نقل كلام المعارج ما هذا لفظه و التّحقيق أن يقال إن كان القياس الموافق
لأحد الخبرين منالقياس بالطّريق الأولى أو المنصوص العلّة فلا إشكال في
صحّة التّرجيح به لأنّ هذين القياسين من الأدلّة الشّرعيّة المعتبرة و قد
بيّناأنّ أحد الخبرين المتعارضين إذا اعتضد بدليل شرعيّ كان اللاّزم ترجيحه
و إن كان من القياس المستنبط العلّة الّذي ليس بحجّة شرعا فلا يخلوإمّا أن
لا يقتضي الظّن بصدق مضمون الخبر الّذي يوافقه أو يقتضيه فإن كان الأوّل
فلا إشكال في عدم صحّة التّرجيح به للأصل السّليم عنالمعارض و ما سيأتي
إليه الإشارة و إن كان الثّاني ففي صحّة التّرجيح به إشكال من الأصل و عموم
كثير من الأخبار الواردة في المنع من العمل بالقياسفإنّ التّرجيح به عمل
به و عموم الأخبار الدّالة على التّخيير بين الخبرين المتعارضين إمّا مطلقا
أو بعد فقد مرجّحات ليس منها محلّ البحث و أنّالقياس لو كان مرجّحا
لاشتهر بل تواتر لتوفّر الدّواعي و أنّه لو كان مرجّحا للزم معرفة مسائل
القياس و تنقيحها و ضبطها كما لا يخفى و ذلكقد يكون منافيا لحكمة حرمة
القياس كما لا يخفى و من أصالة حجّيّة الظّن خصوصا في مقام التّرجيح و فحوى
ما دلّ على اعتبار كثير من المرجّحات المنصوصةو غلبة حجّيّة مرجّحات ظنّية
غير منصوصة فيلحق بها محلّ الشّك و هو محلّ البحث و لا يعارض ما ذكر عموم
الأخبار المانعة عن العمل بالقياس لإمكاندعوى انصرافه إلى المنع من
التّمسّك به على حكم شرعي و لو سلّم شمول بعضها لمحلّ البحث فيتوقّف على
اعتبار سنده و لو سلّم فغايته إفادة الظّنبأنّ هذا الظّن لا يكون حجّة في
هذا المقام و في صلاحيّة هذا لمعارضة أصالة حجّيّة الظّن إشكال فتأمّل و
كذلك لا يصلح لمعارضةذلك عموم الأخبار الدّالة على التّخيير للمنع عن
ظهورها في المنع عن التّرجيح بالمفروض سلّمنا و لكن لم يعلم اعتبار سندها و
لو سلّم اعتبار سندبعضها ففي صلاحيّته لمعارضة أصالة حجّيّة الظّن إشكال و
مع ذلك فبعضها معارض مع بعض فيبقى الرّجوع هنا إلى المرجّح الظّني و لا
يمكنالتّمسّك بها كما لا يخفى فتأمّل و أمّا دعوى ظهور اتّفاق الأصحاب على
المنع من التّرجيح به فمحلّ إشكال إذ ليس بناء معظمهم على ضبط جميع
المرجّحاتو الإشارة إليها و لو سلّم ذلك فغايته الظّن و في صلاحيّته
لمعارضة الأصل المذكور إشكال و كيف كان فالأحوط الأخذ بالخبر الموافقله
حيث يدور الأمر بينه و بين التّخيير و بينه و بين معارضه و أمّا إذا وجد
للمعارض مرجّح معتبر فإن كان القياس أضعف منه فلا إشكالو كذا إذا كان
مساويا فتأمّل و أمّا إذا كان القياس أقوى ففيه إشكال عظيم فتأمّل انتهى
كلامه رفع مقامه و فيه أنظار غير مخفيّةسيّما في تكرّر ذكر أصالة حجّيّة
الظّن فإنّه إن كان المراد من الأصل المذكور أصالة حجّيّة الظّن في أحكام
اللّه تعالى الّتي بين الأمر عليها جمعمن المتأخّرين فيتوجّه عليه ما
أسمعناك في بيان محلّ التّعارض أنّ القول بحجّيّة مطلق الظّن ينافي باب
التّعارض في الجملة مضافا إلى رجوعالإشكال على تقديره إلى إشكال خروج
القياس عن الدّليل العقلي القاضي بحجّيّة الظّن مطلقا هذا مضافا إلى أنّ
الإشكال مع تسليماعتبار سند الأخبار المانعة بقول مطلق لا معنى له أصلا
لأنّه من تعارض الظّن الخاصّ و المطلق إلى غير ذلك ممّا يتوجّه عليه على
هذاالتّقدير و إن كان المراد أصالة اعتبار الظّن في خصوص باب التّرجيح في
قبال التّخيير على ما بنى عليه شيخنا العلاّمة قدس سره فيما تقدّم من
كلامهففيه أنّ الأصل المذكور ربما نقول به عند الشّك فكيف يصلح لمعارضة ما
دلّ على حرمة إعمال القياس في الدّين مطلقا كما قضى بهصريح كلامه قوله
مع أنّه يمكن دعوى حكم العقل إلخ(٢)
أقول
دعوى حكم العقل بوجوب العمل بالأقرب إلى الواقع إنّما يستقيم على
القولبحجّيّة الأمارات من باب الظّن المطلق و القول به لا يجامع التّعارض
على ما أسمعناك عن قريب و أمّا على القول باعتبارها من باب الظّنالخاصّ
فمقتضاه على ما عرفت في صدر المسألة هو التّوقّف و الرّجوع إلى الأصل
المطابق لأحدهما إن كان و إلاّ فالتّخيير العقلي و من هناأمر قدس سره
بالتّأمّل فيما أفاده نعم مقتضى الأصل بعد البناء على التّخيير في
المتعارضين و إهمال ما دلّ عليه من أخباره وجوب التّرجيح بكلّ مزيّة