بحر الفوائد في شرح الفرائد

بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٦

تصوّر التّعارض بينهما في الأحكام بعنوان الأصل الجاري في المسألة إن كان عقليّا محضا كالتّخيير بين الاحتمالين و البراءة و الاحتياطعلى ما هو الحقّ عندنا المبرهن عليه في الجزء الثّاني من التّعليقة من رجوع ما ورد فيهما في الشّرع من الأدلّة النّقليّة إلى تأكيد حكم‌العقل بهما في مواردهما فلا إشكال في عدم تصوّر التّعارض بينه و بين الدّليل الموجود في مورده ضرورة ارتفاع موضوع حكم‌العقل فيها بوجود الدّليل و إن كان ظنيّا لأنّ الموضوع في التّخيير هو عدم ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر و في البراءة عدم البيان‌الواصل إلى المكلّف من الشّارع بحيث يرجع العقاب معه إلى العقاب من دون حجّة من الشّارع و في الاحتياط احتمال العقاب و المؤاخذةعلى الواقع المحتمل لا عدم العلم بالواقع و الشّكّ فيه و من المعلوم ضرورة ارتفاع تلك الموضوعات العقليّة بعد قيام الدّليل الشّرعي‌على الحكم في المسألة و هذا هو المراد من الورود في كلام شيخنا الأستاذ العلاّمة دام ظلّه العالي و إن أطلق عليه الحكومة في لسان‌غير واحد من المتأخّرين من جهة عدم الفرق عندهم بينهما و لا مشاحة و يطلق عليه التّخصّص في لسان شيخنا أيضا و إن كان التّخصّص عنده‌أعمّ من الورود من حيث شموله لما لا يشمل مورد الدّليل الآخر في نفسه و ابتداء و إن كان منظورا فيه إلاّ أنّه لا مشاحة فالدّليل‌و الأصل العقلي لا يجتمعان في مورد و موضوع واحد حتّى يتصوّر التّعارض بينهما و إن كان الأصل شرعيّا كالاستصحاب بناء على التّمسّك‌فيه بالأخبار النّاهية عن نقض اليقين بالشّك و عدم تنزيلها على صورة حصول الظّن كما زعمه بعض إذ على التّمسّك فيه بالعقل يخرج‌عن الأصول و يدخل في الأدلّة و إن كان تعليقيّا بالنّسبة إلى غالب الأدلّة الظّنيّة فلا يتصوّر التّعارض بينهما من حيث كون دليل‌اعتبار الأمارة القائمة في المسألة شارحا لما أثبته الأصل و دلّ عليه و مفسرا له و حاكيا عنه من حيث دلالته على عدم الاعتناءباحتمال كونه مخالفا للواقع و ترتيب آثار الواقع عليه فمؤدّاه واقع بنائي بمقتضى دليل اعتباره فكلّما ترتّب شرعا على احتمال مخالفة الدّليل‌للواقع لو لا اعتباره و هو الرّجوع إلى الأصل يحكي دليل اعتباره عن كونه ملغى في نظر الشّارع كما يدلّ على ترتيب الآثار الشّرعيّة المترتّبةعلى الواقع على مؤدّى الأمارة فهو بمنزلة الواقع كما أنّ الاحتمال بمنزلة عدمه في حكم الشّارع فيكون دليل اعتبار الأمارة ناظرا إلى‌دليل الأصل و شارحا عنه و هذا هو المراد بالحكومة و لا يعتبر فيها تأخّر الحاكم عن المحكوم كما ربما يتوهّم من بيان شيخنا في الكتاب و من‌المعلوم أنّ الحاكم بالمعنى المذكور لا يعدّ في العرف معارضا للمحكوم و منافيا له فيكون تقدّمه عليه في نظر العرف تقدّما ذاتيا لا لمكان‌التّرجيح و إن كان أضعف الظّنون المعتبرة و من هنا يقدّمون ما دلّ على نفي الحرج و الضّرر على أدلّة الأحكام من غير ملاحظة تعارض وترجيح و هذا يكشف عن التّقدّم الذّاتي و إن زعم بعض خلاف ما ذكرناه هذا فيما كان الدّليل ظنّيّا و لو كان قطعيّا فتقديمه على الأصل‌من باب الورود مطلقا ثمّ إنّ الحكومة بالمعنى المذكور إنّما هو فيما لوحظ فيه حال الدّليلين و إلاّ فالحكومة قد توجد بين فردين من‌جنس واحد كالاستصحابين في الشّك السّببي و المسبّبي فلا يكون هناك دليلان يكشف أحدهما عن الآخر كما هو ظاهر ثمّ إنّ افتراق‌الحكومة عن الورود لا يكاد يخفى على أحد و أمّا افتراقها عن التّخصيص فيما كان الخاصّ ظنّيّا من جميع الجهات فإنّما هو في مجرّد التّرتّب والتّعبير و إلاّ فهو تخصيص في المعنى و رافع لحكم الموضوع واقعا و من هنا ذكر شيخنا الأستاذ العلاّمة في الكتاب أنّها تخصيص في المعنى بعبارةالتّفسير فكلامه هذا منزّل على الخاصّ الظّني من جميع الجهات حتّى لا ينافي ما يفيده بعد ذلك في شأن العامّ و الخاصّ فقد تبيّن ممّاذكرنا كلّه أنّ الدّليل و الأصل لا يتصوّر التّعارض بينهما في الشّبهة الحكميّة و إن كان الدّليل ظنّيّا و هذا يقال علي سبيل الموجبةالكلّيّة و أمّا الأدلّة الظّنية بعضها مع بعض و الأصول كذلك فقد يوجد بينهما الورود كما أنّه قد يوجد بينهما الحكومة فيما إذا كان‌أحدهما تنجيزيّا و الآخر تعليقيّا كما في العام و الخاصّ مثلا فإنّ أصالة العموم معتبرة فيما إذا لم يكن هناك قرينة على التّخصيص كما هو الشّأن‌في جميع الظّواهر فإنّها مشروطة بعدم قيام القرينة على الخلاف فإن كان الخاصّ قطعيّا من جميع الجهات فيكون واردا على أصالة العموم‌كما هو شأن القرينة القطعيّة بالنّسبة إلى جميع الظّواهر فإنّها تعليقيّة بأسرها و إن كان قطعيّا بحسب الدّلالة و ظنّيّا بحسب الصّدورفيكون حاكما على أصالة العموم بالنّظر إلى دليل اعتبار صدوره فإنّ مقتضاه عدم الاعتناء باحتمال عدم الصّدور و الرّجوع إلى أصالة العموم‌و البناء على عدم القرينة لو لا دليل التّعبّد بالصّدور فيكون الدّليل المذكور شارحا لما دلّ على اعتبار أصالة العموم فلا يكون الخاصّ‌معارضا للعام إلاّ فيما كان ظنّيّا بحسب الدّلالة كالعام و إن كان راجحا عليه إذا لوحظا بأنفسهما من غير ملاحظة الخصوصيّات و إلاّ فقديكون العام أقوى دلالة من الخاصّ بملاحظتها كما ستقف على شرح القول فيه هذا و في الكتاب جعل النّص الظّني الصّدور واردا أيضاعلى أصالة العموم إذا كان مستند اعتبار أصالة العموم الظّن النّوعي بإرادة الحقيقة الحاصل من الغلبة من حيث استظهار تقيّد اعتباره‌