بحر الفوائد في شرح الفرائد

بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٤٢

بمعنى عدم ملاحظة مصلحة الواقع أصلا على القول بالتّصويب إلى غير ذلك ممّا يتوجّه عليه هذا بعض الكلام فيما يقتضيه الأصل في المسألة في ذكر وجوه أخر غير ما تقدّم للقول بوجوب التّرجيح‌ ثمّ إنّ في كلماتهم جملة من الوجوه للقول بوجوب التّرجيح غير الأخبار و الإجماع و الأصل لا بأس بالتّعرض لها و الإشارة إلى ما يتوجّه عليها فمنها ما عن النّهاية و الأحكام من تقرير النّبي صلى اللَّه عليه و آله معاذا لمّا بعثه قاضيا إلى اليمن في ترتيب الأدلّة و تقديم بعضها على بعض و منها دلالة الكتاب على ذلك فإنّ لازم ترك التّرجيح التّخيير و التّسوية بين خبر الفاسق و العادل و العالم و الجاهل و هو منفيّ بقوله تعالى أ فمن‌كان مؤمنا كمن كان فاسقا و قوله تعالى هل يستوي الّذين يعلمون و الّذين لا يعلمون و منها أنّه لو لم يجب العمل بالرّاجح و جاز التّخييرلم يجب تخصيص عامّ بخاصّ و لا تقييد مطلق بمقيّد و لا تأويل ظاهر بالأظهر و ذلك هدم للدّين و تضييع لشريعة سيّد المرسلين صلى اللَّه عليه و آله و إبطال‌لمنهاج الأئمّة المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين لأنّ معظم الأدلّة الشّرعيّة متعارضة فيلزم من ترك التّرجيح المحظور المذكور وبطلان التّالي من جهة وضوحه لا يحتاج إلى البيان و هذا هو المراد ممّا ذكره جماعة من لزوم الهرج و المرج و الفقه الجديد من ترك‌التّرجيح كما في الكتاب و إلاّ فالقائل بعدم وجوب التّرجيح لا يعترف بثبوت التّرجيح في الشّرع حتّى يلزم من تركه بطلان الدّين نعم لمّا كان‌التّرجيح بالمرجّحات المذكورة ممّا لا يقبل الإنكار استدلّ به على لزومه و من هنا أجاب شيخنا العلاّمة عن هذا الوجه في الكتاب بأنّ الظّاهرخروج هذا النّحو من المتعارضات عن محلّ الكلام فإنّ التّرجيح بينها من الجمع الّذي تقدّم تقديمه على الطّرح ترجيحا و تخييرا عندهم فلا يلزم‌من ترك التّرجيح التّخيير بين المتعارضات المذكورة حتّى يلزمه المحظور المذكور و منها ما في كتب جماعة من الخاصّة منهم العلامّة في‌النّهاية و التّهذيب و العامّة من أنّه لو لم يجب ترجيح الرّاجح يلزم إمّا ترجيح المرجوح أو التّسوية بينهما و هما قبيحان بضرورة العقل و من‌هنا ذكر في محكيّ الأحكام أنّه إذا كان أحد الدّليلين راجحا فالعقلاء يقدّمونه و يرجّحونه بعقولهم و في محكيّ شرح المبادي أنّه لو لم يجب العمل‌بالرّاجح فإمّا يعمل بالمرجوح أو بهما معا أو لا يعمل بشي‌ء منهما و الكلّ باطل فيتعيّن العمل بالرّاجح و منها ما تمسّك به في محكيّ النّهاية و غايةالبادي من أنّه إذا وقع التّعارض بين الظّنين و ترجّح أحدهما كان العمل به متعيّنا عرفا فيجب شرعا لقوله صلى اللَّه عليه و آله ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه‌حسن و في محكيّ الأحكام الأصل تنزيل التّصرّفات الشّرعيّة منزلة التّصرّفات العرفيّة و لهذا قال صلى اللَّه عليه و آله ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن‌ و منها أنّه لو وجب التّخيير أو التّوقف لزم ارتكاب تخصيصات كثيرة لا تحصى فيما دلّ من العمومات على حجّيّة الظّنون كآية النّبإ و غيرها وهو مع كونه خلاف الأصل في غاية البعد و الفساد لأدائه إلى سقوط فائدة تلك العمومات لا يقال تلك العمومات كما تدلّ على حجّيّةالرّاجح كذلك تدلّ على حجّيّة المرجوح من غير فرق فإنّ آية النّبإ تدلّ على قبول خبر الأعدل و العادل بدلالة واحدة لأنّا نقول إذا فسد احتمال التّخيير و التّوقّف بما بيّناه لزم التّخصيص في تلك العمومات قطعا و لا يمكن إخراج الرّاجح إلاّ بتعيّن العمل بالمرجوح و هو مع قبحه‌عقلا مجمع على بطلانه فتعيّن إخراج المرجوح و إبقاء الرّاجح فيجب العمل به إلى غير ذلك ممّا ذكره في المفاتيح ممّا يقرب من تلك الوجوه أويرجع إليها و الإنصاف تطرّق المناقشة إلى جميعها حتّى قاعدة بطلان ترجيح المرجوح من حيث قبحه في مقام و امتناعه في مقام آخرو إن جمع بين القبح و الامتناع بعض فقال بقبحه بل‌امتناعه مع عدم إمكان اجتماعهما فإنّه في مقام التّشريع قبيح لا محال و في مقام التّكوين محال لا قبيح كما هو ظاهر فإنّ المكلّف لا يختارالموهوم و لا المظنون إلاّ لمرجّح و غرض و إلاّ امتنع اختياره و الشّارع لا يحكم بالموهوم إلاّ لمرجّح عنده فالصّغرى ممنوعة على كلّ تقديرفلو قام هناك دليل على كون المظنون راجحا عند الشّارع فهو يغني عن القاعدة جدّا و من هنا ورد في الشّرع النّهي عن اتّباع الظّن‌و كذا لو قام هناك دليل عقلا عليه كما إذا قلنا بتماميّة مقدّمات الانسداد المنتجة لحجّيّة مطلق الظّن حسبما عرفت شرح القول فيه‌في الجزء الأوّل من التّعليقة و الإنصاف أنّ صرف الوقت في بيان فساد الوجوه المذكورة ممّا لا ينبغي فإنّ العمدة ما عرفت من الوجوه الثّلاثةو فيها غنى و كفاية لأنّ الأخبار على ما ستقف عليه واضحة الدّلالة عليه و كذا انعقاد الإجماع عليه قولان و عملا ممّا لا شبهة فيه‌و لو لم يكن إلاّ الإجماعات المنقولة البالغة حدّ التّواتر كفت في حصول القطع منها بتحقّق الإجماع و لا يقدح مخالفة قليل ممّن لا يعتنى به‌كما أنّه لا يقدح عدم تمسّك كثير في المقام بالأخبار مع بلوغها حدّ التّواتر مع أنّ فيها الأخبار المعتبرة فيشبه المقام من هذه الجهةبالاستصحاب فإنّه مع ورود الأخبار الكثيرة و فيها الصّحاح و غيرها لم يتمسّكوا له بالأخبار فكأنّهم أرادوا في المقامين النّسج على‌طريقة العامّة ثمّ إنّ كلماتهم و إن كانت مختلفة من حيث مورد الإجماع من جهة أنّه خصوص الأخبار أو مطلق الظّنين إلاّ أنّه لا يقدح‌فيما نحن بصدده من وجوب التّرجيح في الجملة قال في محكي المبادي أنّ إجماع الصّحابة وقع على ترجيح بعض الأخبار على بعض انتهى