بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢٦
فيجب على المكلّف تخييرا امتثال أحد النّهيين إذا كانا في مرتبة واحدة فالحكم في جميع موارد التّزاحم بعد إحراز وجود المصلحة الفعليّة في المتزاحمينكما هو مناط التّزاحم على ما عرفت إذ لو فرض عدم تعيّن الإتيان ببعضها مع عدم الإتيان ببعضها الآخر لزم الاشتراط بشيء آخر غير القدرةو هو خلف و إلى ما ذكرنا يرجع ما أفاده بقوله فوجوب الأخذ بأحدهما نتيجة وجوب الامتثال و العمل بكلّ منهما بعد تقييد وجوب الامتثالبالقدرة نعم فيما كان أحدهما أهمّ يتعيّن الإتيان به مطلقا و لا يجوز الإتيان بغيره كذلك لا من جهة تعلّق النّهي بل من جهة عدم تعلّقالطّلب فيكون فاسدا إذا كان من العبادات خلافا لفقيه عصره في كشفه و من تبعه ممّن قال بالتّرتّب في المقام و في مسألة الضدّكما أشرنا إليه و إلى ما فيه في الجزء الثّاني من التّعليقة هذا حاصل ما استفدناه من إفاداته في الكتاب و مجلس المذاكرة بتوضيح منّاحسبما يساعده فهمي القاصر على تقدير كون الأمر بالعمل بالأخبار و غيرها من الأمارات من باب السّببيّة و الموضوعيّة و أمّا حاصل ما أفادهفي وجه فساد توهّم التّساقط على الطّريقيّة و لو من جهة قيامها بالسّبب الخاص المعبّر عنه بالظّن الخاصّ فهو أنّ مناط الحجيّة و وجوب العملو إن كان مرتفعا عن كلام المتعارضين و لو كان الملحوظ في مقام الجعل هو الظّن النّوعي و الكشف الغالبي و غلبة المطابقة للواقع لا الظّنالشّخصي ضرورة ارتفاع المناط المذكور عنهما مع العلم بعدم مطابقة أحدهما للواقع و امتناع قيامه بهما أو بأحدهما المعيّن في الواقعأو عندنا أو بأحدهما المردّد أي بهذا المفهوم إذ الصّالح المتوهّم من الوجوه المذكورة ليس إلاّ الثّاني بتوهّم جعل الحجّة ما طابق الواقع منالخبرين في نظر الشّارع و إن تردّد عندنا كما في موارد اشتباه الحجّة بما ليس بحجّة كالصّحيح المردّد بين الخبرين و هو غير صالح جزما لاستحالةتعلّق الجعل ظاهرا و واقعا بالعنوان المذكور بعد فرض امتناع جعل العلم و لزوم صلاحيّة العنوان المأخوذ في موضوع الحكم لتعلّق الحكمبه مع العلم به تفصيلا كما عرفته في الصّحيح المردّد إلاّ أنّ ارتفاعه إنّما هو بالنّسبة إلى ما تعارضا فيه لا بالنّسبة إلى غيره فضلا عمّا تعاضداعلى إثباته فبالنّسبة إلى نفي الثّالث لا مانع من الأخذ بهما لكونهما متعاضدين في الدّلالة عليه و نتيجته كما ترى الرّجوع إلى الأصل العمليالمطابق لأحدهما إن كان و لو على القول بالتّرجيح بالأصل الفاسد عندنا لأنّ البحث فيما يقتضيه الأصل و القاعدة مع قطع النّظر عمّا يقتضيهالدّليل الوارد و منه يظهر المناقشة فيما أفاده شيخنا في الكتاب من التّقييد بقول إن لم نرجّح بالأصل و إن لم يكن هناك أصل على طبق أحدهمافيحكم بالتّخيير و الأخذ بمفادهما كما لو علم بعدم الثّالث فهو تخيير عقليّ بين الاحتمالين من سنخ التّخيير في دوران الأمر بين الوجوب و التّحريم فإنّمسألتنا أعمّ من تلك المسألة من جهات و إن كانت تلك المسألة أعمّ من مسألتنا من جهة فالنّتيجة إذا التّوقف البرزخ بين التّساقطعن رأس و بقول مطلق و الحجيّة بالنّسبة إلى مورد التّعارض كما هو الثّابت على السّببيّة المحضة على ما عرفت شرح القول فيه فالعملبالتّساقط ساقط على كلّ وجه و قول فإن قلت نفي الثّالث على ما ذكرت إنّما هو من باب اللّزوم و دلالة كلّ من المتعارضينعلى ما ينافيه و ليس مدلولا مستقلاّ لهما يراعى مع انتفاء ما يلزمه و من المعلوم ضرورة قضاء التّبعيّة و اللّزوم انتفاء اللاّزم معانتفاء الملزوم فلا مناص من القول بالتّساقط و الرّجوع إلى الأصل مطلقا و لو كان هو التّخيير في المسألة الفرعيّة إذا فرض دوران الأمربين المحذورين قلت ما ذكر من كون الدّلالة على نفي الثّالث بالدّلالة التّبعيّة و اللّزوم مسلّم لا شبهة فيه إلاّ أنّ الدّلالة التبعيّةتابعة للدّلالة الأصليّة بحسب الوجود لا بحسب الاعتبار و الحكم من جهتها بثبوت المدلول و من هنا يحكم بالمسألة الفرعيّة ممّا دلّ علىالمسألة الأصوليّة الاعتقاديّة أو اللّغويّة على القول بعدم حجيّة خبر الواحد فيهما و الحاصل أنّ التّفكيك بحسب الاعتبار ممّا لا غبار فيهأصلا بعد فرض وجود الدّلالتين على ما أسمعناك مرارا في بحث حجيّة أخبار الآحاد كما أنّه قد ينعكس الأمر و يؤخذ بالدّلالة الأصليّةو يطرح التّبعيّة كالخبر الحاكي عن المسألة الفرعيّة المتفرّعة على المسألة الكلاميّة مثل ما دلّ على نجاسة المجسّمة فإن قلت ما ذكرفي المقام من التّفكيك في الاعتبار بين الدّلالتين ينافي ما تقرّر في باب الإجماع المركّب و التّواتر الإجمالي من اعتبار كون نفي الثّالثأو إثبات القدر المشترك مقصودا مستقلاّ للمجمعين و المخبرين و عدم كفاية لزومهما للإفتاء بالخصوصيّات و الإخبار عنها على ما تقدّمتفصيل القول فيه في الجزء الأوّل من التّعليقة قلت لا تنافي بين ما ذكرنا في المقام و ما ذكر هناك أصلا ضرورة توقّف تحقّقالإجماع و التّواتر على وجود الفتوى و الخبر و مجرّد اللّزوم لا يوجب تحقّقهما و ليس ما ذكر في المقام مبنيّا على تعدّد الخبر بالنّسبة إلى الملزومو اللاّزم بل على مجرّد الكشف و الطّريقيّة المطلقة بناء على ما أسمعناك في بحث حجيّة الأخبار بل مطلق الطّرق الظّنية من أنّ مقتضىدليل اعتبارها هو الأخذ بما لها من الكشف بقول مطلق و ترتيب جميع ما يترتّب من اللّوازم الشّرعيّة على تقدير العلم بثبوت مدلولهاو لو بوسائط عديدة غير شرعيّة ثمّ إنّ هذا الّذي ذكرنا فيما لم يعلم بثبوت مدلول أحد المتعارضين و إلاّ فلا حاجة إلى الكلفة المذكورة