بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢٥
و إمكانه و وقوعه و حكمه بل أطال القول غير واحد في مفهومه و إمكانه و حكي عن غير واحد منعه إلاّ أنّ وضوح الأمر فيها يغني عن التّكلّمفي غير حكمه لأنّ مفهومه بحسب اللّغة و العرف العام سواء أخذ من العدل بالكسر أو منه بالفتح معروف و بحسب العرف الخاصّ إن بنيعلى النّقل معلوم و إن اختلفت عباراتهم في بيانه إلاّ أنّه لا اختلاف فيه بحسب المعنى لأنّه تكافؤ الأمارتين المتعارضتين في النّظربحسب ما يوجب ترجيح إحداهما في حكم الشّارع فلا معنى لأخذ النّسبة و الثّمرة بين التّعاريف مع أنّه يمكن القول بعدم النّقل من حيث كونهمأخوذا من العدل بالكسر بمعنى الشّوق و الميل أو من العدل بالفتح من التّساوي و إمكانه بحسب كلّ من الواقع و النّظر لا محذور فيه أصلامع أنّ التّعرض لحكمه في أخبار الباب يغني عن التكلّم في الإمكان بل الوقوع فلا بدّ من صرف العنان إلى التّكلّم في حكمه و الكلام فيه قد يقع فيمايقتضيه الأصل و القاعدة الأولويّة مع قطع النّظر عن مقتضى الدّليل الوارد و قد يقع فيما يقتضيه الدّليل في المتعارضتين بقول مطلق أوخصوص المتعارضين من الأخبار كما أنّ مقتضى الأصل لا يلاحظ بالنّسبة إلى خصوص عنوان التعادل فربما يستفاد حكمه من مقتضى الأصلفي عنوان التّعارض نظرا إلى كونه من أفراده و انطباقه عليه في بيان ما يقتضيه الأصل و القاعدة الأوّليّة في حكم المتعادلين ثمّ إنّ الكلام من الجهة الأولى يقع تارة من حيث اقتضاء الأصل التّساقطو عدمه و أخرى في بيان ما يقتضيه على الثّاني من الوجوه المذكورة في الكتاب فنقول قد يقال بل قيل بأنّ مقتضى الأصل التّساقط بمعنىعدم شمول دليل اعتبار الأدلّة و الأمارات المعتبرة لصورة التّعارض سواء كان مستندا إلى المانع عن الشّمول فيما كان من الأدلّة اللّفظيّةبالتّقريب المذكور في الكتاب أو إلى عدم المقتضي له فيما كان من الأدلّة اللّبيّة كالإجماع بقسميه من القولي و العملي و إن زيّفه في الكتاب بمايرجع حاصله إلى إثبات اتّحاد مفاد الدّليلين في المقام و إلاّ لم يكن معنى للتعارض فإنّا لا نعني به إلاّ تنافي الدّليلين مع بقائهما على هذاالعنوان في مورد التّعارض بحيث لا يكون المانع عن العمل بهما إلاّ تعارضهما فتأمّل و المختار عند شيخنا الأستاذ العلاّمة دام ظلّه فسادما زعموه سواء على القول بالسّببيّة في حجيّة الأمارات أو الطّريقيّة فقد أطال الكلام في تقريب المرام على كلّ من القولين و الوجهين لخفاءالمطلب و دقّته و حاصل ما أفاده على الوجه الأوّل أنّ المستعمل فيه و المراد أمر وحداني لا يختلف حاله بحسب التّعارض و عدمه فإنّ المرادمن دليل الحجيّة و وجوب العمل هو الوجوب التّعييني مطلقا إلاّ أنّ التّكليف بجميع أقسامه لمّا كان في حكم العقل مشروطا بالقدرة من غير فرقبين الحكم الأصولي و الفرعي و كان المكلّف قادرا على العمل بكلّ من المتعارضين مع عدم العلم بالآخر بحكم الوجدان كما أنّه غير قادر على العمل بهمع العمل بالآخر كان الحاصل وجوب العمل بكلّ واحد مع ترك العمل بالآخر فالنّتيجة التّخيير لكن لا من جهة استعمال اللّفظ فيه حتّى يتوجّه عليهمحذور استعمال اللّفظ في معنيين و لا من جهة إنشاء العقل حتّى يكون عقليّا كما في دوران الأمر بين الوجوب و التّحريم ضرورة امتناعاجتماع وجوبي التّخييري و التّعييني و إن كان أحدهما عقليّا و الآخر شرعيّا مضافا إلى كونه خلاف الواقع و الوجدان و من هنا قلنا في محلّه بأنّما اشتهر من حكم العقل بالوجوب التّخييري بين الأفراد فيما تعلّق الأمر بإيجاد الطّبيعة أو بين أجزاء الزّمان في الواجبات الموسعة ليس على ما يتراءى من ظاهره ضرورة أنّ ما يوجد في الخارج من الحصّة يتّصف بالوجوب التّعييني لا محالة لأنّه عين الطّبيعة المطلوبة بالوجوب التّعييني فكيفيتّصف بالوجوب التّخييري فالمراد من التّخيير العقلي هو مجرّد تسوية الأفراد في وجدان العقل في انطباق الطّبيعة عليها و من هنا يظهرفساد توهّم التّخيير الإنشائي في الواجب الموسّع بالنّسبة إلى أجزاء الزّمان أيضا فالتّخيير في المقام يشبه التّعيين في الواجب التّخييري إذا تعذّر بعضأفراده فإن نتيجة الوجوب التّخييري المتعلّق بشيئين أو أشياء عند تعذّر أحد الفردين أو الأفراد هو الوجوب التّعييني فيما تيسّر لا أن يحدث إنشاءآخر من الشّارع عند التّعذر و العينيّة الحاصلة في الواجب الكفائي عند انحصار من به الكفاية في شخص فإنّه لم يحدث في حقّه من الشّارع خطابآخر غير الخطاب الكفائي فالحاصل من الوجوب التّعييني المتعلّق بطبيعة أو طبيعتين عند تزاحم الفردين منها أو منهما هو الوجوب التّخييريلا بإنشاء آخر من الشّارع و لا بإنشاء من العقل و هذا ما ذكرنا من أنّ نتيجة الوجوب التّعييني المتعلّق بطبيعة واحدة عند تزاحم الفردينمنها أو طبيعتين عند تزاحم الفردين منهما بملاحظة اشتراط جميع التّكاليف بل الأحكام بالقدرة في حكم العقل هو الوجوب التّخييري فكلّ مااختاره المكلّف من المتزاحمين يتّصف في الخارج بما يتّصف به عند عدم المزاحمة بحسب الحقيقة لأنّ الوجوب التّعييني تابع للمصلحة الكامنةفي الفعل على وجه التّعيين غاية ما هناك عجز المكلّف و قصوره عن إدراكها و هذا الوجوب التّخييري كما ترى لا يضادّ التّعيين بل هو عينهو إن اختلف التّعبير فلا يلزم اجتماع الحكمين ثمّ إنّ هذا الذي عرفت مطّرد في جميع موارد تزاحم الواجبات إذا كانت في مرتبة واحدة و لميكن بعضها أهمّ و أقوى و آكد مصلحة كتزاحم صلاتين إذا كانتا في مرتبة واحدة و إنقاذ غريقين بالشّرط المذكور إذا لم يتمكّن المكلّفمن الجمع و لو بحسب ضيق الوقت كما في صلاتين و قد يتصوّر التّزاحم في المحرّمات أيضا عند الاضطرار و حكمه حكم التّزاحم في الواجبات