بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٩
قاعدة قلت ما ذكر من أولويّة الطّرح في الصّورة المذكورة نظرا إلى ما ذكر في وجهه توهّم حيث إنّ الجمع في الفرض و إن توقّف علىرفع اليد عن ظاهر كلا المتعارضين إلاّ أنّ ظاهر غير المفروغ عن الأخذ بصدوره ليس مشمولا لدليل التّعبّد بالظّواهر حتّى يكون طرحهخلافا للأصل فإنّ المتوهّم اعترف بتفرّع اعتبار الظّاهر بمقتضى دليله على الأخذ بصدوره و من هنا قال بأنّ طرح ظاهر المطروح ليس محرّمامن جهة عدم شمول دليل التّعبّد بالظّاهر له فإذا كان لازم الأخذ بصدور المردّد هو رفع اليد عن ظهوره كما هو المفروض فكيف يكون ظهورهمانعا عنه مع أنّه تابع له فيكون محالا توضيح ذلك أنّ المتعارضين في الفرض مشتملان على سندين و ظاهرين و الصّدور من أحدهما مأخوذعلى كلّ تقدير فيكون ظاهره مشمولا لدليل اعتبار الظّواهر كما أنّ ظاهر الآخر غير مشمول لدليل اعتبار الظّواهر للقطع بعدم إرادته علىتقدير البناء على صدوره و عدم شمول الدّليل له ما لم يبن علي صدوره فيبقى صدوره و هو مشمول لدليل التّعبد بالصّدور كما أنّ ظاهرالآخر مشمول لدليل التّعبّد بالظّهور فيكون التّقابل بينهما ليس إلاّ فيدور الأمر من جهة رفع التّعارض بين رفع اليد عن الأوّل أو الثّانيمن غير تقدّم لأحدهما على الآخر و هذا معنى ما ذكرنا من عدم الأولويّة بالنّظر إلى القاعدة و دليل اعتبار الصّدور و الظّهور لشيء منهما فلا فرقبين صور التّعارض فيما ذكرنا أصلا هذا فإن شئت قلت إنّ مرجع التّوهم المذكور إلى جعل اعتبار ظاهر الحديث مانعا عن الأخذ بصدورهو مرجعه بعد التّسالم على قضيّة الأصليّة و الفرعيّة كما ترى إلى لزوم الدّور و هو ما أشرنا إليه من الاستحالة هذا كلّه فيما إذا كان هناكمعنى يحمل الظّاهران أو الظّاهر عليه على تقدير الجمع و أمّا إذا تعدّد المعنى المحتمل بحيث يحتمل إرادة كلّ واحد من غير فرق فلازم الجمع والأخذ بصدور المتعارضين الحكم بالإجمال و الرّجوع إلى الأصل الغير المخالف لهما فقد يجعل هذا كما في الكتاب من حيث إنّ نفي الثّالث اللاّزممن الأخذ بهما صدورا عمل بهما مسوّغا و مجوّزا للحكم بصدورهما فإنّ الأخذ بالدّلالة الالتزاميّة نوع من العمل بالحديث و قول المعصوم عليه السلاملكنّه كما ترى لا يخلو عن مناقشة من حيث إنّ نفي الثّالث ليس لازما للجمع و الأخذ بصدورهما معا بل لازم الأخذ بالصّدور في الجملة المسلّمبين الفريقين فلا معنى لجعله ثمرة عمليّة للأخذ بهما بعنوان الجمع و المعيّة فلم يبق ممّا يمكن أن يترتّب على الجمع إلاّ الإجمال الّذي هو في معنىترك العمل فإنّه كما يكون الأخذ بالظّهور متفرّعا على الأخذ بالصّدور كذلك يكون شمول دليل الصّدور موقوفا على وجود أثر عمليّ هناك حيثإنّ معنى لزوم التّصديق هو الالتزام بالآثار المترتّبة على المخبر به فكيف يجعل الإجمال من آثاره الّذي هو في معنى ترك العمل به على ما عرفتو من هنا لا يحكم بشمول دليل الصّدور لما تعيّن حمله على التّقيّة على تقدير الصّدور فعلى ما ذكر من المناقشة يكون الطّرح أولى من الجمعبالنّظر إلى القاعدة في الصّورة المسطورة و القول بكون الرّجوع إلى الأصل بعد الحكم بإجمال المتعارضين نوع عمل كما لا يأبى عنه بعض عبائرالكتاب كما ترى فإنّ العمل بالأصل متفرّع على عدم وجود الدّليل فكيف يجعل عملا به و من هنا يحمل موارد جمعهم بين التمسّك بالأصل والدّليل في حكم المسألة على إرادة التّنزل و الإغماض عن وجود الدّليل فمورد الدّوران ما إذا كانت هناك احتمالات متفاوتة فيالقوّة و الضّعف بعد رفع اليد عن الظّاهر بمقتضى الجمع بأن يكون بعض المحتملات أقرب المجازات مثلا لا متيقّن الإرادة على تقديرالصّدور إلاّ إذا قلنا بأن تيقن الإرادة لا يوجب نصوصيّة الكلام بالنّسبة إلى المراد فإذا ورد أكرم العلماء ثمّ ورد لا تكرمالعلماء مثلا و كان العادل متيقن الإرادة من الأوّل و الفاسق من الثّاني لم يحكم بكون كلّ منهما نصّا من جهة و ظاهرا من جهة فيرفع اليدعن ظاهر كلّ منهما بنصّ الآخر فيخرج عن تعارض الظّاهرين هذا و ستقف على تحقيق الحقّ من الوجهين و المسلكين عن قريب فالصّور ثلاثةعرفت حكمها هذا فيما كانت النّسبة بين المتعارضين التّباين أو العموم و الخصوص مع التّكافؤ من حيث الدّلالة من جهة اشتمال العام بمايوجب مكافئته ظهورا مع الخاصّ و أمّا إذا كانت النّسبة العموم من وجه مع تكافؤ العامّين من حيث الدّلالة كما هو المفروض فقد يقالفي الصّورة بخصوصها على ما عرفت الإشارة إليه بأولويّة الجمع من الطّرح بقسميه ترجيحا و تخييرا من حيث إنّ الطّرح من حيث الصّدور بالنّسبةإلى مورد التّعارض بخصوصه كما هو لازم النّسبة موجب للتّبعيض في الصّدور الآبي منه دليل التّعبد به لأنّ الكلام الواحد لا يحمل عليهالنّقيضان و ليس مثله مثل الحديث الواحد المشتمل على فقرات و أحكام لموضوعات متعدّدة حيث إنّه يجوز الأخذ بالحديث بالنّسبة إلى بعضالفقرات مع طرحه بالنّسبة إلى بعضها لأنّه بمنزلة أحاديث متعدّدة و هذا بخلاف المقام فإنّ المفروض فيه الإخبار عن قضيّة واحدة فلايحمل عليه الصّدور و العدم هذا و لكنّك خبير بكونه مجرّد الاستبعاد إذ المستحيل عقلا الصّدور و عدمه الواقعيّان لا الظّاهريّان مع تعدّدمورد الحكم و من هنا كان ظاهرهم الاتّفاق على اندراجه في الأخبار العلاجيّة فلا مناص من الالتزام بالتّبعيض الحكمي و البنائي بحسب الآثاركما هو الشّائع في الشّرعيّات هذا و قد يقال فيها بخصوصها بأولويّة الطّرح من حيث إنّ لازم الجمع فيه هو الحكم بالإجمال الدّائمي