بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٥٤
هناك مصلحة مجوّزة و إلاّ لم يتعيّن ارتكاب النّسخ أيضا هذا في المخصّصات الواردة في كلام النّبي صلّى اللّه عليه و آله بعد العملبالعمومات و أمّا المخصّصات الواردة في كلام بعض الأئمّة عليهم السلام بعد العمومات الواردة في كلام النّبي صلى الله عليه و آله أو بعض الأئمّة المتقدّمة عليه السلام أو الإمامالوارد في كلامه الخاصّ بعد مضي زمان العمل بالعام ففيها وجوه و احتمالات مذكورة في الكتاب أحدها جعلها ناسخة بالتزامإيداع النّبي صلى اللَّه عليه و آله النّاسخ عند الإمام عليه السلام حتّى لا ينافي تكميل الدّين في زمان النّبي صلى اللَّه عليه و آله الّذي قضى به العقل و النّقل حيث إنّ الوصيّ حافظ لمابلغه الرّسول صلى اللَّه عليه و آله من اللّه تعالى إلى الخلق ثانيها الالتزام بكونها مخصّصة بمعنى كونها كاشفة عن المخصّصات المتّصلة المختفيةمن جهة العوارض ثالثها جعلها مخصّصة من دون التزام بالاختفاء في بيان حال النّواسخ المودعة عند الأئمّة عليهم السلام و تصويرها و هكذا الكلام في المقيّدات الواردة في كلام بعض الأئمّة عليهم السلام بعد العمل بالمطلقات الواردة في كلام النّبي صلى اللَّه عليه و آله أو الأئمّة عليهم السلام فإنّه يجري فيها الوجوه المذكورة و خير هذه الوجوه الأخير منها فإنّ الوجهالأوّل و إن كان متصوّرا معقولا من حيث الكشف عن نسخ النّبي صلى اللَّه عليه و آله و إيداعه عند الوصيّ عليه السلام على ما عرفت إلاّ أنّه يبعده منتهى البعد كثرةهذه التّخصيصات و التّقييدات غاية الكثرة مع كون أصل النّسخ قليلا غاية القلّة فلا معنى لحملها عليه و الوجه الثّاني يبعده أيضا بل يحيلهالعادة بعد ملاحظة عموم الابتلاء بها علما و عملا و كثرتها و انتفاء دواعي الاختفاء و مقتضياته و أمّا الوجه الأخير فهو و إن كان منافيالقاعدة قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة في ظاهر النّظر إلاّ أنّه بعد التّأمّل يعلم بعدم التّنافي بينهما أصلا لأنّ القاعدة كما برهن عليهافي محلّه إنّما يقتضي البيان فيما لم يقتض المصلحة تأخيره و إلاّ فلا قبح في تأخيره أصلا فيكون تكليف المخاطبين بتلك الخطاباتالمشتملة على الظّواهر أو المطّلعين عليها ما يقتضيه ظواهرها ظاهرا اتّكالا على الأصول اللّفظيّة المعتبرة عند العقلاء و أهلاللّسان و لا بعد فيه أصلا فإنّه كما إذا اقتضت المصلحة بيان الأحكام تدريجا و الرّجوع إلى الأصول العقليّة قبل البيان حتّى أنّه وردعدم تكليف المكلّفين في أوائل البعثة في مدّة عشر سنين إلاّ بالتّوحيد و الاعتقاد بالرّسالة كذلك اقتضت تأخير بيان الصّوارفعن زمان العمل بالظّواهر بل التّأمّل في الآثار و الأخبار الواردة عن النّبي المختار و الأئمّة الأبرار سلام اللّه عليهم يوجب القطع بكونمبنى البيانات المتأخّرة على ما ذكرنا سيّما ما ورد في بيان معاملة الحجّة المنتظر عجّل اللّه فرجه و سلامه عليه و على آبائه الطّاهرينفي زمان ظهوره و أنّه يحكم ببطون كلام اللّه تعالى و ما انطوت عليه الصّحيفة الفاطميّة سلام اللّه عليها كما يظهر من رواية جابر و غيرهاو ما ورد في بيان إخفاء الأمير سلام اللّه عليه ما جمعه من آيات الكتاب بعد رحلة النّبي صلى اللَّه عليه و آله ضرورة عدم نسخ الدّين في زمان ظهورالحجّة فليس الوجه إلاّ أنّ الأئمّة عليهم السلام كانوا مكلّفين بإظهار ما أمروا بإظهاره في أزمنتهم كلّ بحسب ما يقتضيه تكليفه حسب المصلحة لا يقال ما ذكر ينافي شأن النّبي صلى اللَّه عليه و آله سيّما بملاحظة ما ثبت عنه في حجّة الوداع كما في الكتاب و غيره من بيانه جميع ما يحتاج إليهالأمّة و أنّه أكمل الدّين و بلّغ جميع ما أمر بتبليغه لأنّا نقول ما ذكرنا لا ينافي كونه رسولا مبلّغا تمام الدّين إلى الأمّة فإنّبيانه جميع الأحكام لا ينافي إيداعه جملة من الأحكام عند الأوصياء يبيّنونها للأمّة حسب اقتضاء المصلحة في مرور الأعصار فإنقلت ما ذكر يوجب سدّ باب التّمسك بالظّواهر للمخاطبين و غيرهم إذ بعد تجويز تأخير البيان عن وقت الحاجة ليس هنا ما يقضيبإرادة المتكلّم ظاهر كلامه فيوجب ذلك إجمال جميع الخطابات بل الألفاظ إذ غاية ما يدفع بالأصول العقلائية هو احتمال السّهو و الخطاءو الاشتباه و نحوها و أمّا احتمال التّعمّد في ترك نصب القرينة و الصّارف فليس هناك ما يدفعه و ليس مرجوحا أيضا بعد كثرة وقوعهو هذا ما ذكرنا من إدّاء ذلك إلى إجمال الألفاظ بأسرها قلت إيجاب ما ذكرنا لسدّ باب التّمسك بالظّواهر توهّم فاسد إذ التّعمّدفي ترك نصب القرينة لرعاية المصلحة في اختفاء المراد على خلاف ما يقتضيه الأصول و وضع التّخاطب و المحاورات فلا يعتنى باحتمالهعند أهل اللّسان فهو نظير التّورية فيما كان هناك ما يقتضي إخفاء المراد مع أنّ تجويزها لا يوجب التّوقّف و الإجمال و سدّ باب التّمسّكبالظّواهر عند احتمالها و هذا هو المراد بما أفاده شيخنا العلاّمة في الجواب عن السّؤال المذكور بقوله قلت المستند في إثبات أصالةالحقيقة إلخ ثمّ إنّ ما ذكرنا لا يختصّ بالمخصّصات و المقيّدات المتأخّرة الواردة بعد العمل بالعمومات و المطلّقات بل يجري في جميعالصّوارف المتأخّرة عن أزمنة العمل بالظّواهر فإنّه و إن احتمل كونها كاشفة عن القرينة المختفية عن أهل زمان الاطّلاع على الصّوارفإلاّ أنّ المتعيّن على ما عرفت جعلها قرينة بأنفسها مختفية عن أهالي أزمنة ورود الظّواهر في حقّهم أو مخاطبتهم بها و كون تكليفهم ظاهراالعمل بتلك الظّواهر ثمّ إنّا و إن أشرنا إلى جملة من المرجّحات الصّنفيّة و النّوعيّة بحسب الدّلالة في مطاوي كلماتنا إلاّ أنّه لا بأسفي شرح القول في بعضها اقتفاء لأثر شيخنا الأستاذ العلاّمة في حكم ما لو دار الأمر بين تخصيص العام و تقييد الإطلاق فمنها ما إذا ورد هناك عام و مطلق تعارضا في بعض مصاديقهما