بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٣٦
أنّه قد قيل بأنّ البحث في حكم التّعادل قليل الجدوى بل عادمها لأنّ كلّ ما
حكموا فيه بالتّخيير في موارد تعارض الأخبار كما في باب الكفّارات وذكر
سجود السّهو و منزوحات البئر فقد حكموا به من جهة الجمع بصرف ظهور كلّ واحد
في التّعيين بنصّ الآخر فهو من التّخيير الواقعي بين الفردينو لا تعلّق
له بالتّخيير الظّاهري هذا و أنت خبير بما فيه فإنّ مورد التّعارض قد لا
ينافيه الجمع المذكور كالأخبار الواردة في مسألةالجهر بالتّسمية و إخفاتها
بل ظاهرهم في جملة من موارد إمكان الجمع أيضا هو التّخيير الظّاهري فإنّ من
قال بالتّخيير بين القصر و التّمام فيمازاد على الأربع و لم يبلغ
الثّمانية مع عدم الرّجوع في يومه أو ليلته إذا لم يقصد الإقامة في المقصد
ظاهره التّخيير الظّاهري من جهةالأخبار المتعارضة الكلام في أصل وجوب الفحص عن المرجّح ثمّ في مقداره
قوله
دام ظلّه العالي بقي هنا ما يجب التّنبيه عليه خاتمة إلخ(١)
أقول
الكلام في المقام قد يقع في أصل وجوبالفحص و قد يقع في مقداره أمّا
الكلام من الجهة الأولى فحاصله أنّه بعد تعلّق التّخيير بتعادل الخبرين و
تكافؤهما من حيث المزايا المعتبرةفي التّرجيح من خصوص المزايا المنصوصة أو
مطلق المزايا على الخلاف لا إشكال في كون مقتضى الأصل الأوّلي إذا شكّ في
التّعادل منالحيثيّة المذكورة عدم جواز العمل من جهة الشّك في الحجّيّة و
هل هنا أصل آخر ثانويّ يقضي بوجود التّعادل أم لا قد يقال بوجودهنظرا إلى
كون المزيّة حادثة فتنتفي به مزيّة كلّ واحد منهما على صاحبه و هو معنى
تعادلهما و لكنّك خبير بعدم اطّراد هذا الأصل في جميع مواردالشّك إذ ربما
تكون المزيّة المحتملة صفة في الخبر لا يوجد إلاّ معها فالحالة السّابقة
لعدمها إنّما هي باعتبار عدم وجود الخبر مع أنّه إذافرض احتمال وجود
المزيّة لكلّ منهما فهو معنى تعادلهما بالوجدان فلا معنى لإجراء الأصل في
إثبات التّعادل كما هو الشّأن بعد الفحص أيضا نعم
فيمااحتمل وجوده في أحدهما خاصّة لم يحكم بالتّعادل فعلى ما ذكر لا بدّ من
إقامة الدّليل على وجوب الفحص اللّهمّ إلاّ أن يمنع من جريان الأصل
المذكورقبل الفحص من حيث رجوع الشّك إلى الشّك في طريق الحكم الرّاجع إلى
الشّك في الحكم حقيقة الّذي قام الدّليل على عدم جريانه إلاّ بعد الفحص
هذامع أنّه إذا فرض احتمال وجود المزيّة في كلّ منهما الّذي يوهم تحقّق
التّعادل معه فيشك في حجّيّة كلّ منهما أيضا قبل الفحص و الأصل عدم
حجّيّتهأو يمنع ترتّب الحكم على مطلق التّعادل فتدبّر
و لا يجوز التّمسّك بإطلاقات التّخيير بعد تقييدها بأخبار التّرجيح لرجوع
الشّك إلى الشّكفي الموضوع من هذه الجهة كما لا يجوز التّمسّك بأخبار
التّرجيح لإثبات وجوب الفحص لأنّ وجوب التّرجيح بشيء لا يقتضي بنفسه وجوب
الفحص عنهعند الشّك في وجوده و لو كان المرجّح وجوده الواقعي لا العلمي
فما في ظاهر الكتاب من الاستدلال لوجوب الفحص عن المرجّح بوجوب التّرجيح
بهمن حيث توقّف التّرجيح به على الفحص عنه محلّ مناقشة اللّهمّ إلاّ أن
يقال إنّ حصول العلم عادة بوجود المرجّح لما توقّف على الفحص عنه
فإيجابالتّرجيح به إذا كان واجبا مطلقا يقتضي الفحص عنه فتأمّل
حتّى لا يختلط عليك الأمر و يذهب وهمك إلى قوله قدس سره بثبوت الملازمةبين
تعلّق الوجوب بالشّيء النّفس الأمري و وجوب الفحص عنه على وجه الموجبة
الكلّية نعم
تعلّق الوجوب بالشّيء المعلوم يمنع عنوجوب الفحص عنه فمورد وجوب الفحص و
محلّه على سبيل القضيّة الكلّيّة ما إذا تعلّق الخطاب بالشّيء الواقعي لا
أنّ مجرّد تعلّقه به يقتضي وجوبالفحص عنه فقد تبيّن ممّا ذكرنا كلّه أنّ
التّعلّق في المقام بإطلاق أخبار التّخيير لا مساسة له أصلا و إنّما يجوز
التّعلّق به فيما شكّ في أصلوجوب التّرجيح فإنّ الكلام في وجوب الفحص عمّا
قيّد به الإطلاق بحسب الخارج فلا يجوز التّمسّك بشيء منهما نفيا و إثباتا
إلاّ بضميمة ما أشرناإليه على تقدير تسليمه كما أنّه لا مساسة للتّعلّق
بحكم العقل بالتّخيير في المقام حتّى يجاب عنه بما في الكتاب من عدم حكمه
به إلاّ بعد إحرازالتّسوية فلا جدوى للأصل في المقام مضافا إلى كونه من
الأصل في الشّبهة الحكميّة و إن كان شكّا في الموضوع ابتداء لما أسمعناك
منمغايرة باب التّزاحم لباب التّعارض الّذي يعتبر فيه التّرجيح مضافا إلى
ما عرفت من كون التّخيير في الأوّل راجعا إلى حكم الشّرع حقيقةلا إلى حكم
العقل كما في التّخيير بين دوران الأمر بين المحذورين نعم
هنا كلام في أنّه إذا شكّ في أهميّة أحد المتزاحمين بخصوصه هل
يحكمبالتّخيير أم لا أقواهما الثّاني نظرا إلى عدم العلم بوجود الخطاب
المزاحم و سيجيء شرح القول فيه لكنّه لا دخل له بالشّك في وجود
المرجّحلأحد المتعارضين المفروض في محلّ البحث و كيف كان يستدلّ لوجوب
الفحص كما في الكتاب بعد الأصل بالتّقرير الّذي عرفته بوجوه الأوّلما دلّ
على وجوب التّرجيح بالتّقريب الّذي ذكره شيخنا العلاّمة قدس سره في الكتاب
بانضمام المقدّمة الّتي عرفتها الثّاني الإجماع على وجوبه على ما قرّر في
الكتابالثّالث لزوم الهرج و المرج و اختلال أمر الاجتهاد و الاستنباط من
ترك الفحص عنه و الاقتصار في التّرجيح على ما يعلم من دون فحص من جهةالعلم
الإجمالي بوجود مرجّحات كثيرة لما تعارض من الأخبار بحيث لا يحصل الوقوف
عليها عادة إلاّ بعد الفحص نظير العلم بوجود الأدلّة في مجاري الأصولو
المعارض للأدلّة و الصّوارف و القرائن المنفصلة للظّواهر من العمومات و
الإطلاقات و غيرهما من الظّواهر هذا بعض الكلام في أصل وجوبالفحص و أمّا
الكلام في مقداره فملخّصه أن حدّه الفحص عنه بحيث يحصل له اليأس عن
الاطّلاع عليه على تقدير زيادة الفحص من جهة اطمئنانه بعدم وجوده