بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٣٣
الّذي ذكره شيخنا قدس سره في الكتاب عقيب نفي التّخيير في تعادل أقوال أهل اللّغة فيما اجتمع شرائط الحجّيّة و أهل الرّجال و الحكم بالتّوقف والرّجوع إلى الأصل بقوله إلاّ أنّه إن جعلنا الأصل من المرجّحات إلخ التّفكيك بين حكم صورتي وجود المزيّة و عدمه و سنوقفك على ما هوالحقّ و الصّواب في باب التّرجيح و إن كان مقتضى الأصل فيما لم يقم هناك دليل على التّرجيح إجراء حكم التّعادل فافهم في التّنبيهات المتعلّقة بتعادل الخبرين و ينبغي التّنبيه على أمور الأوّل أنّه قال العلاّمة قدس سره في محكي التّهذيب و غيره في غيره بل نسب إلى الأكثر بل إلى المشهور إذا اتّفق تعادل الخبرينللمجتهد يفتي بما اختاره و لا يفتي بالتّخيير للعامي و كذا إذا اتّفق التّعادل للقاضي في الشّبهة الحكميّة أو في طريق فصل الخصومةالرّاجع إلى الحكم الشّرعي حقيقة يقتضي بما اختاره و لا يجوز له تخيير المتخاصمين هذا ما حكي عنه و عن غيره أمّا ما أفاده بالنّسبة إلى القاضيفممّا لا إشكال بل لا خلاف فيه بل لا يعقل الخلاف لأنّ تخيير المتخاصمين نقض لغرض تشريع القضاء و فصل الخصومة بين النّاس لأنّ كلامن المتداعيين يختار ما ينفعه و يطابق دعواه فإذا وقع النّزاع في منجّزات المريض أو الحبوة أو مقدارها مثلا و تعادلت الأخبارالواردة في هذه في نظر المجتهد المرجع للمتداعيين و فوّض حكمه باختيارهما فكلّ يختار ما يطابق دعواه فيبقى الخصومة بحالها و هومن هذه الجهة نظير تخيير المجتهد في عمل نفسه فإنّه بعد مشروعيّة التّخيير و الفراغ عن ثبوته في الشّرع كان ثبوته في حقّه متيقّنا من دليلالثّبوت فلا يعقل الإنكار لكون عدمه خلفا حقيقة و من هنا قد يناقش فيما أفاده شيخنا العلاّمة في تحرير حكم المسألة و بيانه بقولهثمّ إنّ المحكي عن جماعة بل قيل إنّه ممّا لا خلاف فيه أنّ التّعادل إن وقع للمجتهد كان مخيّرا في عمل نفسه فإنّه يوهم كون الحكم نظريّا قابلا للخلاف و أمّا ما أفاده بالنّسبة إلى المجتهد في مقام الإفتاء فيوجّه بما في الكتاب و غيره بأنّ التّخيير بين الخبرين تخيير في المسألة الأصوليّة و فيطريق الاستنباط فهو يغاير التّخيير في المسألة الفرعيّة كالتّخيير الواقعي بين القصر و التّمام في المواطن الأربعة و الظّاهري كدوران الأمر بين الوجوبو التّحريم أو خصال الكفارة إذا اقتضى الجمع بين الأخبار التّخيير بين الكفّارات ظاهرا و هكذا حيث يفتي بالتّخيير في هذه و الفرق أنّ الخطابفي المسألة الأصوليّة متوجّه بالمستنبط و المجتهد كخطاب الحدود المتوجّه إلى الحكّام و خطاب الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر المتوجّهإلى النّبي صلى اللَّه عليه و آله و الإمام عليه السلام في زعم بعض فلا تعلّق لهذا الحكم المستنبط من أخبار العلاج بالعامي و هذا بخلاف الحكم الفرعي فإنّ موضوعه فعلالمكلّف الأعمّ من المجتهد و العامي فالخطاب مشترك بينهما فإن شئت قلت إنّ الخطاب بالتّخيير كالخطاب بالتّرجيح فكما أنّ الثّاني مختصّ بمنيعالج تعارض الأخبار و لا يشمل غيره كذلك الأوّل مختصّ به لأنّه نوع من العلاج أيضا و من هنا يحكم بتقديم نظر المجتهد فيما لو خالفهالعامي في التّرجيح فزعم مرجوحيّة ما زعم المجتهد رجحانه كأفضليّة من زعمه المفتي مفضولا من حيث صفات الرّاوي و لو كان المقلّدمن أهل الخبرة بالرّجال و هكذا و ليس هذا إلاّ من جهة ما ذكر من اختصاص الخطاب بالتّرجيح بالمجتهد لا يقال إنّ الخطاب الأصوليكالفرعي متعلّق بنوع المكلّفين من غير فرق بين المجتهد و العامي و من هنا يرجع العوام في إعصار النّبي المختار صلى الله عليه و آله و الأئمّة الأطهار عليهم السلام إلىالأخبار المرويّة عنهم عليهم السلام و يعملون بها و يعالجون متعارضاتها بما ورد عنهم عليهم السلام كما يعمل بها المجتهدون و يعالجون متعارضاتها بما وردفي باب العلاج و دعوى اختصاص ما دلّ على العمل بأخبار الآحاد و ما ورد في علاج ما تعارض منها بالمجتهد مصادمة للضّرورة بلالمخاطب في كثير منها العوام بحيث لا مجال لإنكاره نعم كان لهم طريق آخر أيضا و هو التّقليد كما هو الحقّ و دلّ عليه الأخبار و ذلك لاينفي جواز العمل لهم بالرّواية بل قد يقال بثبوت الطّريقين للمجتهد أيضا فإنّ عمله بالأخبار الواضحة السّليمة ليس من حيث الاستنادإلى رأيه و نظره العلمي و ملكته الرّاسخة بل من حيث الاستناد إلى حسّه المشترك مع العامي في ذلك فالخطاب بالعمل بالطّرق عام للعالمو العامي لا فرق بينهما من هذه الجهة أصلا غاية ما هناك أنّ العامي لا يقدر في زماننا هذا و أشباهه على تشخيص مدلول الخبر و إحرازشرائط العمل به و دفع معارضاته من جهة عروض السّوانح و اختفاء وليّ الأمر و طول غيبته و كثرة الأفكار و اختلاف الأنظار و تشتّتالآراء و غير ذلك و المجتهد يقدر على ذلك كلّه فكأنّ المجتهد نائب عن العامي في ذلك و إلاّ فأصل العمل بمضمون الخبر مشترك بين المجتهدو العامي فهذا الاختصاص و التّعين عرضيّ لا يمنع من الحكم بعموم أصل الحكم بحسب الورود في الشّرع و هو من هذه الجهة نظير استنباط الحكمالفرعي من الأدلّة فإنّه مختصّ بالمجتهد و إن كان الحكم المستنبط يعمّ المجتهد و العامي لأنّا نقول ما ذكرا خيرا من عدم كون الاختصاصذاتيّا بل عرضيّا من جهة طروّ العجز للعامي و أنّ عوام زمان الحضور يعملون بالأخبار كما يعملون بالفتاوى أمر مسلّم و يكفي فارقا بين المسألتينهذا الاختصاص العرضي و أمّا تنظير المقام بالحكم الفرعي المستنبط فهو فاسد جدّا فإنّه إذا عرض على العامي الحكم الأصولي المستنبطمن الأدلّة كوجوب العمل بخبر العادل مثلا أو لزوم تقديم الرّاجح من المتعارضين أو التّخيير بين المتعادلين لا يقدر على العمل به و هذا