بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٩
الشّيء وسطا لما هو غير محمول عليه بل محمول على غيره لأنّه لا يقصد ممّا
يكون وسطا لإثبات حكم متعلّقه و لا يترتّب هذا المعنى عليه في مورد
انطباقهعلى الجزئيات و هو محمول عليه لا محالة فإنّه إذا أقامت البيّنة
مثلا على خمريّة مائع يقال هذا ممّا قامت البيّنة على خمريّته و كلّما قامت
البيّنة عليهيجب البناء على كونه واقعا و يترتّب جميع أحكام الواقع عليه و
إن لم يكن كذلك في الواقع فيحصل من هذين وجوب ترتيب جميع أحكام الخمر على
المائعالمفروض و إن كان الحكم المزبور ظاهريّا على ما عرفت الكلام فيه فلا
يترتّب على مورد قيام البيّنة في الجزئيّات إلاّ ما هو المحمول لها في
كبرى القياسهذا فإن شئت قلت إنّ الحجّة في باب الأدلّة ما يحمل عليه وجوب
ترتيب جميع أحكام متعلّقه عند وجوده في مرحلة الظّاهر و هذا المعنى لا
يتحقّقفيما كان للعلم مدخل في موضوع الحكم الشّرعي كما هو واضح فتأمّل
حتّى لا يختلط عليك مرامه قدس سره في المقام فتكون ممّن يورد عليه من غير وقوفعلى المراد رجما بالغيب كما هو متعارف محصّلي زماننا في بيان الفرق بين القطعين بحسب اللازم
قوله
قدس سره ثمّ ما كان منه طريقا لا يفرق فيه إلخ(١)
أقول
بعد الإشارة إلى القسمينللقطع أراد التّنبيه على ما يترتب عليهما و
الإيماء إلى لوازمهما و ما ذكره أوّلا من اللاّزم للقطع الطّريقي قد اتّضح
أمره و ارتفع القناع عن وجهه بما عرفتمن كون اعتبار القطع ذاتيا لا يعقل
تخلّفه عنه فإنّ الذات موجودة في جميع مراتب الخصوصيات كما أنّ ما أفاده
قدس سره من اللاّزم للقطع الموضوعي ممّايرتفع القناع عنه بالتأمّل في معنى
أخذه في الموضوع فإنّ تعميم موضوع الحكم و تخصيصه إنّما هو راجع إلى الحاكم
و إن كان حكمه بكلّ من الوجهين مبنيّاعلى الجهات الواقعيّة المقتضية
لتعميم الحاكم أو تخصيصه إذا كان حكيما ثمّ
إنّه لما كان مجرّد الإمكان غير قاض بوقوع أحد طرفي الممكن بل
يكوناقتضاؤه له بحسب ذاته محالا و إلاّ خرج عن الممكن إلى الواجب أو
الممتنع فلا محالة يتوقّف الحكم بوقوع أحد الطّرفين على كاشف عنه و هو في
المقام الدليلالشّرعي بقول مطلق و إن كان مجموع ما دلّ على أخذ العلم في
الموضوع و ما يكشف عن حاله عموما أو خصوصا فمراده قدس سره من دليل ذلك
الحكم هذا الّذيعرفته فهذا ممّا لا غبار عليه نعم
قد يناقش في المثال الأوّل الذي ذكره للشق الأوّل من دلالة الدّليل و إن
لم يكن من دأب المحصّلين في سالفالزّمان حيث إن الظّاهر من سياق كلامه
أنّه ليس فرضيّا و مبنيّا على قول بعض كأمثال الثّاني بل مطلب واقعيّ قرع
سمع كلّ أحد حيث إنّه اشتهر أنّ وجوبالإطاعة و حرمة المعصية في حكم العقل
تابع للعلم بالحكم مع أنّ الأمر ليس كما أفاده قدّس سرّه فإنّ هذه القضيّة
إنّما استفيدت من استقلال العقل بقبحالمؤاخذة على مخالفة الأحكام
الواقعيّة من غير طريق للمكلّف إليها من غير فرق بين العلم و غيره من
الطّرق المعتبرة و من هنا يكون جميع الطّرق المعتبرةواردة على البراءة
العقليّة هذا مع أنّ المسلّم عنده و عند المشهور حكم العقل بتجويز المؤاخذة
على الأحكام المجهولة مع التّقصير بترك الفحصاللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ
المراد من المطلوبيّة و المغبوضيّة هو الأعمّ من الواقعي و الظاهري فتأمّل
فيندفع الإشكال الأوّل و يبقى الإشكال الأخيربحاله إلاّ أن يحمل كلامه على المهملة و في حقّ القاصر فتأمّل
و قد يقال إنّ الأولى التمثيل بجميع الأحكام العقليّة في موارد التحسين و
التّقبيحفإنّها لاحقة للموضوعات المعلومة كما هو شأن الحكم إذا لوحظ
بالنّسبة إلى الحاكم و إن كان غير العقل و ستقف على تفصيل القول في هذا إن
شاء اللّه تعالىو أمّا المثال الثّاني فمبنيّ على ما ذهب إليه بعض أصحابنا
الأخباريّين من أنّ النجاسة في النّجاسات تابعة للعنوانات المعلومة لا
الواقع و هو و إنكان ضعيفا قولا و دليلا بل قائلا من حيث طعنه على الفحول و
رؤساء المذهب إلاّ أنّه يصحّ مثالا للشّرعيّات بناء على قوله كما هو واضح
فهذا المثالكالمثالين الأوّلين للشق الثّاني في ابتنائه على مذهب الغير و
إن كان انطباق المثال الأوّل منهما على المقام من العلم الموضوعي محتاجا
إلى بيان ستقفعليه إن شاء اللّه تعالى نعم
الأمثلة المذكورة بعدهما بالنّسبة إلى حكم غير القاطع ليست أمثلة للمقام
أصلا و من هنا قال قدس سره و أمثلة ذلكبالنّسبة إلى حكم إلخ مشيرا إلى ما
ذكرنا ضرورة أن البحث في حكم القطع بالنّسبة إلى القاطع كما هو الظّاهر و
إن كانت أمثلة للقطع الموضوعي بقول مطلقهذا مع أنّه قد يناقش في غير
المثال الأخير بأنّ المتّبع في حقّ العامي رأي المجتهد و ترجيحه و إن كان
ظنيّا كما هو المتّبع في حقّ نفسه فلا يكون الحكم معلّقاعلى عنوان العلم فتدبّر
و لكنّ الخطب في ذلك كلّه سهل بعد وضوح المطلب لأنّ المثال غير عزيز و المناقشة فيه ليس من دأب المحصّلين في بيان قيام الأمارات و بعض الأصول مقام القطع الطريقي
قوله
قدس سرهثمّ من خواصّ القطع الّذي إلخ(٢)
أقول
هذا فرق آخر بين القسمين من القطع بحسب الخواص و الآثار و لا إشكال فيما
أفاده في القطع الطّريقي من قيامالأمارات المعتبرة و بعض الأصول ممّا كان
مفاده ترتيب الآثار كالاستصحاب و التّخيير على تأمّل فيه لا مثل البراءة
العقليّة المقتضية لمجرّد نفي المؤاخذةو الاحتياط المقتضي للاجتناب أو
الارتكاب في مورد الاحتمال من باب الإرشاد لدفع الضّرر المحتمل مقام القطع
عند تعذّره أو فقده بالنّظر إلى أصلدليل اعتبار الأمارة و الأصل المذكور
فإنّ مفاده تنزيل موردي الأمارة و الأصل منزلة الواقع و ترتيب جميع آثاره
عليهما و إن افترقا في الجملة منحيث التّعميم و التّخصيص في الآثار بما
ستقف عليه في محلّه إن شاء اللّه تعالى و المفروض أنّ الموضوع للآثار نفس
الواقع من غير مدخليّة للقطع فيه أصلافإن شئت قلت إنّ الحكم إذا كان
مترتّبا على الواقع جاز الرّجوع إلى الأمارات و الأصول بقول مطلق عند فقد
العلم به لأنّ موضوع الأمارات و الأصولعدم العلم بالحكم الواقعي و إن
افترقا من وجه آخر ستقف عليه في محلّه إن شاء اللّه تعالى من غير فرق في
ذلك بين أقسام الأصول و ما كان لسانه ترتيب