بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٨٢
ما ذكرته إنّما يستقيم فيما لو كان عنوان حرمة التعبّد بغير العلم منحصرا في التّشريع لم لا تجعل له عنوانين أحدهما التّشريع بالمعنى الّذي ذكرتهثانيهما نفس العنوان المذكور في الكتاب و السّنة مثل قوله تعالى و لا تقف ما ليس لك به علم و قوله عليه السلام حقّ اللّه على العباد أن يقولوا بما يعلمونو يقفوا عند ما لا يعلمون إلى غير ذلك من الآيات و الأخبار الظّاهرة في تعلّق الحرمة الواقعيّة بنفس عنوان عدم العلم فإذا كان التّديّنبما لا يعلم حراما واقعيّا بالنّظر إلى الكتاب و السّنة فلا معنى لإجراء أصالة عدم الحجيّة في مورد الشّك الرّاجع إلى جعل الحكم الظّاهري فإنّما كان حراما واقعيّا لا معنى لجعل الحرمة الظّاهريّة له لأنّا نقول ما ذكر توهّم أمّا أوّلا فلأنّه بعد جعل التّشريع بالمعنى الذيذكرناه فلا مناص من حمل ما دلّ على حرمة التعبّد بغير العلم من الكتاب و السّنة على إرادة الحرمة الظّاهريّة على ما يستظهر من قوله عليه السلام حقّاللّه على العباد أن يقفوا عند ما لا يعلمون كما هو واضح فيمكن أن يكون المراد منه الحرمة المستندة إلى أصالة عدم الحجيّة فيكون دليلا علىحجيّتها نظرا إلى عدم المعنى في الحكم الفعلي بالحرمة الظّاهريّة من جهتين مع كون إحدى الجهتين ملازمة للجهة الأخرى دائما و إنّما يتصوّر ذلكفيما كان هناك انفكاك بينهما في الجملة كما في الحكم بالطّهارة الظّاهريّة من جهة نفس الشّك في الطّهارة الأعم ممّا كان له حالة سابقة و ما ليس لهحالة سابقة و أمّا ثانيا فلأنّه لا مانع بعد الغضّ عمّا استظهرنا من إرادة الحرمة الظّاهريّة المنطبقة على استصحاب عدم الحجيّة منجعل الحرمة الواقعيّة لما كان له حرمة ظاهريّة من جهة عنوان آخر أ لا ترى أنّه يحكم بالحرمة الظّاهريّة من جهة استصحاب النّجاسة فيماكان له حرمة واقعيّة من جهة أخرى كالغصبيّة مثلا فتأمّل لا يقال إنّ المستصحب في استصحاب عدم الحجيّة ليس ممّا يترتّبعليه الحرمة بلا واسطة فإنّ الموضوع للحرمة التّشريع بمعنى الإدخال الملازم لعدم الحجيّة لأنّا نقول التّعبّد بما ليس بحجّة من مصاديقالتّشريع و جزئيّاته و ليس ممّا يلازمه و إن هو إلاّ كاستصحاب الإذن للتصرف المأذون فيه مثلا أو استصحاب العدوان في التّصرف العاديفتدبّر لا يقال ما ذكرته إنّما يستقيم في التّشريع المحرّم شرعا و أمّا الّذي يحكم العقل بقبحه فهو الإدخال المعلوم عند العقل فلا يمكنإجراء الاستصحاب فيه لأنّا نقول مورد الاستصحاب الموضوع للحكم الشّرعي لا العقلي و إن هو إلاّ نظير استصحاب الضّرر فإنّه يترتّبعليه الحكم الشّرعي بالحرمة لا الحكم العقلي بالقبح و لا ينافي ذلك ثبوت التّلازم بين الحكمين حسبما ستقف عليه في الجزء الثّالث من التّعليقةإن شاء اللّه تعالى هذا بعض الكلام في المقام و عليك بالتّأمّل فيه فإنّي لم أجد الكلام محرّرا فيه كما هو حقّه في كلمات الأعلام في أنّ ما ذكر يجري في موارد البراءة و الاشتغال ثمّ إنّ ما ذكرنا ليس مختصّا بالمقام بل يجري في جميع ما كان الأمر فيه كما عرفته فيه كما في موارد جريان أصالة البراءة و الاشتغال و نحوهمامن الأصول المحقق موضوعها في صورة الشّك يقينا لأنّ حكم العقل بقبح المؤاخذة في باب البراءة مترتّب على نفس عدم وصول البيانإلى المكلّف و عدم علمه بالتّكلف المتوجّه إليه واقعا و هذا المناط كما لا إشكال في وجوده في صورة العلم بعدم البيان كذلك لا إشكالفي وجوده في صورة الشّك و ليس حكم العقل في باب البراءة مبنيّا على عدم التّكليف واقعا و كذلك حكم العقل في مورد الاشتغال مبنيّعلى وجوب دفع الضّرر اليقيني أو المحتمل و بعبارة أخرى لزوم التخلّص عن العقاب على وجه اليقين فإنّ حكم العقل بوجوب الإطاعة اليقينيّةللأمر المتوجّه من المولى إلى العبد مبنيّ على وجوب التخلّص عن العقاب لا على وجود الحكم الواقعي و من المعلوم وجود هذا المناط في صورة الشّكفي حصول البراءة عن التّكليف اليقيني فلا معنى إذا لاستصحاب عدم التّكليف الواقعي أو التّكليف الواقعي و من هنا يعرف النّظر فيما اشتهر بينهممن استصحاب البراءة و الاشتغال نعم لو كان حكم العقل في البابين مترتّبا على عدم التّكليف واقعا أو وجوده كذلك صحّ ما ذكروهو لكنّه كما ترى لا معنى للقول به في الإشكال في جريان استصحاب الطّهارة في مورد قاعدة الطّهارة فإن قلت كيف تحكم بأنّ إجراء الاستصحاب في المقام و أشباهه ممّا لا معنى له مع أنّ من المشهورات المسلّماتالّتي لا ينكرها أحد استصحاب الطّهارة في الشّيء المسبوق بها مع أنّ الشبهة المذكورة تجري فيه أيضا فإنّ نفس الشّك في الطّهارة و النجاسةموضوع لحكم الشّارع بالطّهارة في قاعدة الطّهارة فلو صحّ ما ذكر لمنع من إجراء استصحاب الطّهارة أيضا فليجعل قاعدة البراءة و استصحابهامن قبيل قاعدة الطّهارة و استصحابها فالمتعيّن إذا القول بكون الاستصحاب في المقام و أشباهه ممّا لا يحتاج إليه لا ممّا لا يجري قلتقد عرفت قيام البرهان القطعي على امتناع جريان الاستصحاب في الفرض و أمثاله و لم يكن الأمر فيه من الوضوح بحيث يحتاج إلى البيانو الإعادة و أمّا النّقض بقاعدة الطّهارة و استصحابها ففاسد جدّا لفساد القياس و وضوح الفرق لأنّ المتمسّك باستصحاب الطّهارةلا يريد به إبقاء الطّهارة الظّاهريّة المستفادة من قاعدة الطّهارة و إنّما يريد إثبات الطّهارة الواقعيّة في صورة الشّك في بقائها فالمستصحبهي الطّهارة الواقعيّة نعم تصير طهارة ظاهريّة باستصحابها فلم يرد أحد باستصحاب الطّهارة إثبات الطّهارة الّتي كانت ثابتة فيموضوع الشّك بمقتضى القاعدة و إنّما المراد إثبات الطّهارة الّتي كانت موجودة سابقا و مترتّبة على الموضوع الواقعي مع قطع النّظر عن