بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٨
الدّليل على خلاف مصطلح أهل الميزان فإنّ الدّليل عندهم على ما عرفت
الإشارة إليه عبارة عن المركّب لا محالة و عند الأصوليّين حقيقة في
المفردكما يشهد له تعريفهم له بأنّه ما يمكن التّوصّل بصحيح النظر فيه إلى
مطلوب خبريّ على ما هو الظّاهر منه و صرّح به غير واحد منهم من أنّ مقتضاه
كونالدّليل عندهم حقيقة في المفرد و من هنا جعلوا الكتاب و السّنة و
الإجماع و حكم العقل من أقسام الدّليل فلو كان لهم اصطلاح خاصّ في لفظ
الحجّة بأنيكون في عرفهم بمعنى الدّليل بالمعنى الّذي عرفته لاستقام جعلها
عبارة عن الوسط كما لا يخفى و هو ليس ببعيد و إن لم يصرّح به أحد فيما
أعلمإلاّ أنّه لا يقدح بعد تكرّر استعمال اللّفظ في كلماتهم و عدم إمكان
إرادة المعنى المصطلح عند أهل الميزان في موارد الاستعمال فإنّه كثيرا ما
يستكشفمن كثرة الاستعمال وضع تعيّني و على تقدير عدم ثبوت الاصطلاح أمكن
أن يقال إنّ المعنى الشّائع الظّاهر لهذا اللّفظ عند الإطلاق كلّما
استعملفي كلمات الأصوليّين هو الوسط لإثبات حكم المتعلّق و هو قسم من حدّ
الوسط بقول مطلق كما يصرّح به قدس سره بعد هذا عن قريب و الحجّة بهذا
المعنىلا يطلق على العلم حقيقة فتدبّر
و يمكن أن يقال إنّ الحجّة في العرف و اللّغة ينطبق على ما أفاده فإنّها عبارة عمّا يحتجّ به فيهما و يدخل عليه كلمةلام فتأمّل
لكن إرادته بعيد عن مساق كلامه قدس سره و كيف كان قد عرفت أنّ الحجّة بأيّ
معنى لا يطلق على العلم حقيقة كما أنّك عرفت أنّ البحثفي المسألة ممّا
ليس له مزيد شأن لرجوعه إلى مسألة لفظيّة جزئيّة قد ساق قدس سره الكلام
فيها لمناسبة استناد طريقيّة العلم و اعتباره إلى ذاتهفإنّه يتفرّع عليه
عدم توسيط العلم لترتيب أحكام الواقع على المعلوم و هذا بخلاف غير العلم
فإنّه لا بدّ من توسيطه لمكان عدم تبيّن الواقع به وإليه أشار بقوله في
الفرق و هذا بخلاف القطع فإنّ توسيط العلم خلاف ما يقتضيه الفرض من ترتيب
الحكم على متعلّقه و إن كان في نظر القاطعمن حيث انطباق المعلوم على
الواقع إلاّ أنّه لمكان عدم انفكاك المعلوم عن الواقع لا من حيث هو هو و قد
أسمعناك الوجه في كون الظّن المعتبروسطا دون العلم الطّريقي و أوضحنا لك
القول في ذلك بما لا مزيد عليه عند الكلام في كون اعتبار العلم ذاتيا و
اعتبار الظّن جعليّا حيثأثبتنا أنّه ليس في مورد العلم إلاّ قضية واحدة و
في مورد الظّن المعتبر لا بدّ أن يكون هناك قضيّتان في بيان أن المجعول في القضية الظاهرية لا بد أن يكون حكما غير الحكم الواقعي
نعم
قد أشرنا ثمّة إلى أنّ معنى كونالظّن وسطا لإثبات أحكام متعلّقة بثبوتها
في مرحلة الظّاهر بواسطة الظّن أو الحكم ظاهرا بثبوتها في نفس الأمر الّذي
يرجع إلى المعنى الأوّل ضرورةامتناع إثبات نفس الواقع بالظّن و جعله وسطا
له بعد فرض كون الحكم لذات المظنون مع قطع النّظر عن الظّن كما هو المفروض و
إلاّ لم يكن الظّنطريقا كما هو واضح و إن شئت قلت إنّ المجعول في مورد
الظّن المعتبر أحكام شرعيّة مترتّبة على الظّن من حيث كشفه عمّا يكون من
نسخ الأحكام المذكورةمن الأحكام الشّرعيّة المجعولة للموضوعات النّفس
الأمريّة إذ كما يستحيل جعل الحكم الظّاهري بالقضيّة الواقعيّة كذلك يستحيل
جعل الحكم الواقعيبالقضيّة الظاهريّة فالمجعول في القضيّة الظاهريّة لا
بدّ أن يكون حكما غير الحكم الواقعي و لذا لا يجزي عنه عند كشف خطاء الظّن و
هذا أمر ظاهر بعدالتأمّل و ممّا ذكرنا اندفع ما قد يقال من أنّه كما يقول
القاطع بالخمريّة فيما لو كان الحكم الشّرعي مترتّبا على الخمر هذا خمر و
كلّ خمر حرام يقال هذامعلوم الخمريّة و كلّ معلوم الخمريّة حرام فإنّه من
حيث انطباق المعلوم على الواقع في نظر العالم كيف و لو لم يكن لأجل ما ذكر
لم يكن معنى لتوسيطهمامعا كما هو واضح ثمّ
إنّه لما كان المقصود بالبحث على ما عرفت الإشارة إليه التّكلم فيما كان
من الأحوال الثّلاثة متعلّقا بالحكم الشّرعي على ماهو شأن الأصولي و مقتضى
فنّه ذكر التّمثيل للمقام بقوله فإذا قطع بوجوب شيء إلخو أردفه بالمثال
في الموضوع توضيحا و مع ذلك العبارةلا تخلو عن شيء و قد تبيّن ممّا ذكرنا
كلّه المراد من نفي تعقّل إطلاق الحجّة على القطع و أنّ المراد الإطلاق على
سبيل الحقيقة لا الإطلاق على الإطلاقو لعلّ اختيار هذا التّعبير مع عدم
كونه شائعا في أمثال المقام و إن كان المعنى مستقيما حيث إنّ اللّفظ
الموضوع لمعنى يمتنع استعماله في غيرهبعنوان الحقيقة كان من باب المبالغة و
التّأكيد في بيان القطع الموضوعي و صحة حمل الحجة عليه
قوله
قدس سره هذا كلّه بالنّسبة إلخ(١)
أقول
لا ريب في أنّ اعتبار العلم لنفسه أو للجعل كما سبقإلى بعض الأوهام إنّما
يتعقّل فيما يترتّب على متعلّقه حكم و إلاّ فلا معنى للتّكلّم في اعتباره و
إن كان كشفه عن متعلّقه و طريقيّته إليه ذاتيّافعلى هذا لو لم يترتّب
الحكم الشّرعي على نفس متعلّقه بل عليه بشرط تعلّق العلم به بأن يكون له
مدخل في موضوع الحكم واقعا فإنّه أمر معقولادّعى وقوعه كما أنّه المراد من
قوله قدس سره و إن كان ما ذكرنا من التعبير أوضح في تفهيم المراد فالجواز
في كلامه مقابل الامتناع فالمراد به الإمكان بالمعنىالأعمّ فلا ينافي لزوم
أخذه في الموضوع على هذا التّقدير لم يعقل التّكلّم في اعتباره حينئذ
فيصير حاله حال سائر ما له دخل في موضوع الحكم من أوصافالمكلّف و غيرها من
حيث التّمحض في الموضوعيّة و إن صحّ حمل الحجّة عليه بالمعنى المتقدّم
لكونه وسطا حينئذ لا محالة كغيره ممّا له دخل في موضوعالحكم إلا أنّه لا
يعقل البحث في اعتباره على ما عرفت كما أنّه لا معنى لحمل الحجّة عليه
بالمعنى المعهود المراد منها كلّما يطلق في باب الأدلّة عند
الأصوليّينفإنّه ليس الوسط بقول مطلق بل قسم منه و هو الوسط لإثبات حكم
متعلّقه و إن لم يثبت لهم اصطلاح فيها و هذا الّذي ذكرنا تبعا لما أفاده
قدس سرهلا ينافي ما قضى به ضرورة العقل و تسالم عليه الكلّ من أنّ الأكبر
في الشّكل الأوّل لا بدّ أن يكون محمولا للأوسط حتّى ينتج الشّكل فلا يعقل
أن يكون