بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٧٩
ظلّه في آخر الجزء الثّاني من الكتاب في بيان حكم الجاهل فلا معنى للقول
باستحقاق العقاب على نفس مخالفة الأصل و الدّليل مع عدم القول بحرمةالتّجري
الّذي هو عنوان مستقلّ نعم
لا إشكال في استحقاقه العقوبة على مخالفة الواقع الأوّلي الذي فرض ثبوت
الطريق إليه زائدا على عقابالتّشريع حتّى فيما لم يكن الدّليل المعتبر
أيضا موافقا له كما هو واضح لوجود البيان المصحح للعقاب على مخالفة الواقع في التّفصيل بين الأمارات و الأصول
و هاهنا قول بالتفصيل بينالأمارات و الأصول المعتبرة ليس ببعيد و هو أنّه
إن كان اعتبار الأمارة من باب مجرّد الكاشفيّة و الأقربيّة إلى الواقع كما
هو حال الظّن الذييستقلّ العقل بحجيّته في زمان الانسداد فلا يترتّب على
مخالفته من حيث هي عقوبة لرجوع الأمر بالعمل به حينئذ إلى مجرّد الإرشاد
كما هو ظاهرو إن كان اعتبارها لا من الجهة المذكورة بل من جهة وجود المصلحة
في سلوكها أو كان من الأصول الّتي يكون عريّة عن جهة الطّريقيّةفيترتّب
استحقاق العقاب على مخالفته لأنّ مخالفة أمر الشّارع و حكمه الإلزامي إذا
لم يكن مبنيّا على الإرشاد تورث استحقاق العقوبة أيّا ما كانواقعيّا كان
أو ظاهريّا فتأمّل
و لعلّك تقف على زيادة بيان لهذا في طيّ كلماتنا الآتية إن شاء اللّه تعالى في أنّ المعتبر في العمل الاستناد
قوله
في تسمية هذا عملاإلى آخره(١)
أقول
لا يخفى عليك وجه التّسامح في الإطلاق المذكور و كونه مبنيّا على التّوسعة
فإنّ الظّاهر من العمل بالظّن هو الاستناد إليه والتّدين به لا مجرّد
العمل المطابق له و إن لم يكن عن استناد إليه و هو المراد من جميع ما ورد
في باب العمل بغير العلم و الظّن إثباتا و نفيا حتّى ما وردفي باب القياس و
العقول الظّنيّة و ما ورد في باب التّقليد أصولا و فروعا جوازا و منعا و
هكذا ما ورد في حكم سائر الأمارات و الأصول في الأحكامو الموضوعات كما هو
واضح قوله
و فيه أنّ الأصل و إن كان ذلك إلخ(٢)
أقول
لا يخفى عليك أنّه ربما يستظهر من هذا الكلام تسليم الأستاذالعلاّمة جريان
أصالة العدم هنا و كونها ممّا يستغنى عنه لكفاية مجرّد الشّك في الحجيّة
في الحكم بعدمها من غير افتقار إلى إحراز عدمها بأصالةالعدم و لكن التّحقيق
خلاف ذلك فإنّ الأصل لا يجري في المقام و أمثاله ممّا كان الحكم فيه
مترتّبا على نفس الشّك أو عنوان صادق عليه و لو فيالجملة كما لا يجري فيما
كان الحكم مترتّبا في الشّرع على المعلوم أو المظنون أو عنوان صادق عليهما
كما سمعنا منه دام ظلّه غير مرّة في مجلس البحث و غيرهو قد اعترف بأنّ
العبارة في المقام يحتاج إلى زيادة توضيح تمهيد مقدّمة شريفة عامّة النّفع
و تحقيق القول في المقام و توضيحه بحيث يرفع الغبار عن وجه المرام يتوقّف
على تمهيدمقدّمة دقيقة شريفة عامّة النّفع و هي مشتملة على أمور الأوّل
أنّ تعلّق الحكم بالموضوع بحسب جعل الجاعل لا يخلو عن أنحاء أربعةفإنّه
إمّا أن يترتّب على وجود الشّيء أو عدمه الواقعيين من غير مدخليّة العلم و
الجهل في تعلّق الحكم بها كما هو الشّأن في أكثر الأحكام الشّرعيّة و
قديترتّب الحكم على شيء بوصف العلم به بمعنى كونه جزءا للموضوع واقعا لا
في ظاهر الدليل مع انكشاف خلافه و يلحق به الحكم المترتّب على نفس صفة
العلمو مثله الحكم المترتّب على المظنون بالمعنى الّذي عرفته و قد يترتب
الحكم على شيء بوصف الجهل به بمعنى كونه جزءا للموضوع و قد يترتّب على
عنوانصادق في صورة العلم بشيء و الشّك فيه بمعنى كون وجوده منطبقا على
العلم بهذا الشّيء و الشّك فيه في الجملة فإن كان تعلّقه على النّحو
الأوّل فلاإشكال في عدم جواز الحكم بثبوته إلاّ بعد إحراز موضوعه و لو
بالأصل و إن كان معنى جريانه في الموضوع هو الالتزام بحكمه لأنّه بعد فرض
كونالحكم من محمولات نفس الواقع لا يكون معنى لإثباته من دون إحراز موضوعه
و لو بالطريق الظّاهري على ما هو الشّأن بالنّسبة إلى جميع المحمولات
بالنّسبةإلى موضوعاتها فالالتزام بأحكام الحياة الواقعيّة مثلا ممّا لا
معنى له بعد فرض عدم إحراز الحياة و لو بالطّريق الظّاهري نقل شبهة صبعة
نعم
هنا شبهةقد أصعبت حلّها على كثير بل لم أقف على من حلّها و هي أنّ الحكم
المترتّب على الموضوع الواقعي إن أريد إثباته بالاستصحاب فلا إشكال فيعدم
جريان الاستصحاب فيه مع الشّك في موضوعه لعدم تحقق الاستصحاب موضوعا مع
الشك في بقاء الموضوع و أمّا أصل الحكمبثبوت حكم شيء في الظّاهر مع الشّك
فيه فممّا لم يقم برهان على استحالته بل الأمر في كثير من القواعد
الشّرعيّة كأصالة الطّهارة والحليّة و نحوهما مبنيّ على ذلك و لكن كان
الأستاذ العلاّمة في سالف الزّمان على ما هو ببالي ملتزما بالتّصرف في
القضايا الواردة فيالشّريعة الظّاهرة في جعل الحكم مع الشّك في الموضوع
بأنّ المراد منها هو البناء على تحقّق موضوع الحكم في الظّاهر فمرجع حكم
الشّارع بالطهارةو الحلّية في الشّبهات الموضوعيّة إلى وجوب البناء على كون
المشتبه هو الموضوع المحلّل أو الطّاهر فهو جعل للحكم بلسان وجود الموضوع
جعلاالتزاميّا كما هو الشّأن في استصحاب الموضوع أيضا و من هنا استظهر قدس
سره ممّا ورد في باب الصّيد و الذّباحة من الأخبار الدالة على حرمة
الحيوانفيما شكّ في تحقق تذكيته الإرجاع إلى أصالة عدم التّذكية في قبال
من زعم أنّ أصالة الحرمة في الحيوان و اللّحوم أصل برأسه و لكن
التّحقيقعدم خلوّ ما أفاده عن النّظر و لعلّنا نتكلّم فيه في الجزء
الثّالث من التعليقة إن شاء اللّه تعالى و كيف كان لا إشكال بل لا خلاف في
عدم تعقّلذلك في الاستصحاب و إن كان على النحو الثّاني فلا إشكال في عدم
جريان الاستصحاب في صورة الشك للعلم بارتفاع الموضوع يقينا فلا مجاللتحقّق
الاستصحاب موضوعا نعم
هاهنا كلام في جريان الاستصحاب في ما كان أخذ العلم في الموضوع بلحاظ الطريقيّة قد مضى الكلام فيه