بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٧٨
كما ربما نشاهد في حقّ العوام الذين يهديهم العالمون إلى سواء الطريق و مع
ذلك يسلكون ما اعتقدوه بالتّقليد من آبائهم و أستاذهمغير معتنين إلى قول
العالم الّذي يرشدهم إلى الحقّ معرضين عنه و هذا أمر واضح لمن شاهد طريقة
العوام المتعصّبين بل كثيرا ما يعلم ذلكمن نفسه في عالم الجهالة و الّذي
يدلّ على إرادة ما ذكرنا قوله عن جهل فإن تكلّف الجاهل البسيط ليس ناشئا عن
جهله و مستندا إليه مضافاإلى أنّ إرادة الجهل البسيط ينطبق على قوله بما
لا يعلم بوروده من المولى فلا معنى إذا لقوله و لو كان عن جهل فتعيّن إرادة
الجهل المركّب و إن كانتإرادته من قوله بما لا يعلم غير خالية عن التكلّف
كما لا يخفى و ببالي أنّ شيخنا دام ظلّه العالي يذبّ عن الإيراد المذكور
في مجلس البحث بما عرفت قوله
نعم قد يتوهّم متوهّم أنّ الاحتياط إلخ(١)
أقول
لا يخفى عليك أنّه قد وقع في هذا الوهم جماعة ممّن لا يحسن التّصريح
باسمهم و هو في كمالالضّعف و السّقوط فإنّ الاحتياط رافع لموضوع التّشريع و
ضدّ له فكيف يمكن أن يصير من أفراده فالعمل بالظّن إذا كان على وجه
الاحتياط لا يعقل أنيكون تشريعا في أنّ حرمة العمل بغير العلم تشريعيّة لا ذاتيّة
قوله
و الحاصل أنّ المحرّم هو العمل بغير العلم إلخ(٢)
أقول
لا يخفى عليك أنّه أراد دام ظلّه بذلك الكلام بيان الحرمة الثّابتةلغير
العلم ما لم يقم دليل على ورود التعبّد به من الشّارع ردّا على ما ربما
توهم من كلام جماعة من كون حرمة العمل بالظّن ذاتيّة كسائر
المحرّماتالذاتيّة فيلزمه عدم تحقّق الاحتياط فيه موضوعا كما هو ظاهر فإنّ
العمل بما لم يكن حجّة واقعا إذا كان محرّم العمل من حيث هو كان احتمال
عدمالحجيّة موجبا لاحتمال التّحريم الذاتي الرّافع لموضوع الاحتياط بالفعل
كما هو ظاهر في أنّ العمل بغير العلم يقع على أنحاء
و نقول توضيحا أنّ العمل بما لم يعلم ورود التعبّد بهمن الشّارع يقع على أنحاء أحدها
ما إذا كان على وجه التّديّن و الاستناد إلى الشّارع سواء كان على خلاف
الأصل أو الدّليل الموجودفي المسألة ممّا يجب الأخذ به من الشّارع أو موجبا
لطرح الواقع الأوّلي احتمالا أوّلا ثانيها
ما إذا كان على وجه الاحتياط و احتمال اعتبارهعند الشّارع مع عدم إيجابه لطرح الواقع الأوّلي أو الثّانوي قطعا أو احتمالا ثالثها
ما إذا كان لا على وجه التّدين بمقتضاه و لا على وجه الاحتياطمع عدم إيجابه لطرح أحد الواقعين على أحد الوجهين رابعها
ما إذا كان على أحد الوجهين الأخيرين مع إيجاب الأخذ به طرح أحد
الحكمينعلى أحد الوجهين هذا كلّه بناء على القول بوجود الاحتياط موضوعا
بدون القيد المذكور بناء على كون المراد منه العمل بالشّيء لاحتمال
كونهمطلوبا واقعا و أمّا بناء على القول بعدم تحقّقه بدونه موضوعا نظرا
إلى كونه ممّا يستقلّ به العقل فيما كان المورد خاليا عن احتمال
المضرّةفضلا عن القطع به فلا معنى لرفع الاحتياط في القسم الأخير ثمّ
إنّه لمّا لم يقم برهان و دليل عندنا على حرمة العمل بما ليس بحجّة
ذاتاحتّى في الظّنون الّتي ثبت عدم حجيتها بالدّليل القطعي كالقياس و
أشباهه بل كان مقتضى الدّليل خلافه و كان العقل مستقلاّ على سبيل
البداهةبقبح التشريع و حرمته فضلا عن تطابق الأدلّة النّقليّة عليه و كان
متحقّقا في صورة الشّك أيضا على ما هو قضيّة التّحقيق تبعا للمحقّقينو إن
خالف فيه بعض حسبما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى كما أنّه يستقلّ بحسن
الاحتياط أينما يتحقّق تعيّن الحكم بحرمة العمل بما لم يرد التعبدبه من
الشّارع و لو بلسان العقل على الوجه الأوّل كما أنّه تعيّن القول برجحان
العمل به على الوجه الثّاني و جواز العمل به على الوجه الثّالثو أمّا
العمل عليه على الوجه الرّابع فلا إشكال في عدم جواز العمل به سواء كان
موجبا لطرح الواقع الأوّلي على سبيل الاحتمال كما إذا عمل به مع التمكنمن
تحصيل الواقع على سبيل اليقين أو الواقع الثّانوي على سبيل اليقين أو
الاحتمال كما إذا عمل بالظّن المشكوك الاعتبار مع عدم الفحص عن وجودالأصل
أو الدليل في المسألة المخالفين للظّن بحسب المفاد بناء على أنّه لا يجب
الاستناد إلى الأصل أو الدّليل في صورة التوافق على ما هو التّحقيق
فالعملبغير العلم قد يكون راجحا و قد يكون مرجوحا من جهة و قد يكون مرجوحا
من جهتين و قد يكون متساويا إنّما الكلام و الإشكال في أنّه هل
يستحقّالعقاب على العمل بالظّن حينئذ فيما لم يكن عدم جواز العمل به من
جهة مجرّد احتمال ترتّب خلاف الواقع عليه فإنّه لا إشكال في أنّ عدم جواز
العمل بهحينئذ إنّما هو من باب حكم العقل من جهة محض الإرشاد فلا يترتّب
على مخالفته عقاب غير ما يترتّب على مخالفة الواقع على تقدير
المصادفةفالّذي يظهر من كلام الأستاذ العلاّمة دام ظلّه هو استحقاق العقاب
عليه فيما لو كان العمل به على خلاف ما يجب التعبّد به من الشّارع من
الأصلالعملي أو اللّفظي أو الدّليل و لكنّه محلّ نظر لو كان المراد منه ما
هو ظاهره من ترتّب العقاب على نفس العمل بالظّن فإنّ الحرمة من هذه الجهة
حرمةتبعيّته لا تورث استحقاق العقوبة و المؤاخذة و القول بأنّ العمل بالظّن
عين مخالفة دليل العمل بالأصل أو الدّليل لا أن يكون مستلزما له كما ترىو
لكن من المعلوم أنّ المراد منه ليس ما يتراءى منه في بادي النّظر بل
المراد استحقاق العقاب من جهة العمل بالظّن و لو لم يكن على العمل به بل
علىترك ما كان مسببّا منه من الأصل أو الدّليل فالمقصود وجود جهة استحقاق
العقوبة في العمل بالظّن في بعض الأحيان من غير جهة التّشريع والتديّن ثمّ
إنّ هذا كلّه مبنيّ على القول باستحقاق العقوبة على مخالفة الحكم الظّاهري
من حيث هو من غير جهة التّجري كما هو ظاهر كلامالأستاذ العلاّمة هنا
وفاقا لجمع و أمّا
على القول بأنّ استحقاق العقوبة عليها مبنيّ على القول بحرمة التّجري كما هو صريح كلام الأستاذ دام