بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٧٦
و ليست إنشائيتها متوقّفة على العلم إلا أنّه لا تضادّ بينها و بين الحكم
الظّاهري على خلافها لاختلاف الموضوع فيهما لأنّ الموضوع للحكم الواقعينفس
الشّيء بلحاظ التّجرد و للحكم الظّاهري الشّيء بلحاظ الظّن أو الجهل
بالحكم الواقعي بل قد عرفت عدم التضادّ بين الحرمة الواقعيّة و الوجوب
الفعليفي الصّلاة في الدّار المغصوبة في الجملة فكيف بالحكم الواقعي و
الظّاهري على خلافه هذا ملخّص ما استفدناه من إفادة شيخنا الأستاذ
العلاّمةدام ظلّه و هو مطلب مسلّم بين الأصحاب لم يخالف فيه أحد قد عرفت
بعض الكلام فيه في أوّل التّعليقة في الإشارة إلى الإشكال في اجتماع الحكم الواقعي مع الحكم الظّاهري
و ستقف على تفصيل القول فيه في طيّأجزاء التّعليقة إن شاء اللّه تعالى
إلاّ أنّه مع ذلك كلّه لا يحصل اليقين للنّفس بذلك و لا تدفع عنه شبهة أنّه
إذا كان نفس الطّلب الوجوبيمضادّا للطّلب التّحريمي فكيف يجوز اجتماعهما
مع كون أحدهما واقعيّا و الآخر فعليّا أو ظاهريّا لأنّ اتصاف الفعل بالوجوب
و التّحريم يستحيلعقلا سواء كانا واقعيّين أو فعليّين أو مختلفين لأنّ
فعليّة الحكم و شأنيّته إنّما هما من شئونه و مراتبه بملاحظة حكم العقل
بكونه ممّا يستحقّمخالفة العقاب و لا يستحقّه فالحكم الفعلي هو شأنيّ ذاتا
و بحسب الحقيقة و إلاّ فليسا إنشاءين من الشّارع مختلفي الموضوع نعم
لو رجع الحكم الواقعي إلى الطّلب المشروط أو كان صرف الشّأنيّة بمعنى وجود
المصلحة المقتضية لجعل الحكم أو منع التّضادّ بين الأحكام بحسب أنفسهاو
إنّما هو باعتبار تعلّقها بالمكلّف و لزوم امتثالها عليه صحّ اجتماعه مع
الحكم الفعلي على خلافه و لكنّها كما ترى و اللّه العالم هذا ما يقالفي
توجيه الإشكال في اجتماع الحكم الواقعي و الفعلي على خلافه و دفعه و أمّا
اجتماع الحكم الواقعي مع الحكم الظّاهري على خلافه فله وجه قد عرفتالإشارة
إليه بقولنا الاختلاف الموضوع فيهما و ستقف على شرح القول فيه و ما يتوجّه
عليه بعد هذا إن شاء اللّه تعالى نقل كلام بعض العامّة في وجوب التّعبّد بالخبر
قوله
قدّس سرّه و تلخّص من جميع ما ذكرنا إلخ(١)
أقول
قد عرفت أنّ محلّ البحث في كلماته هو التعبّد بالخبر إلاّ أنّ مقتضى دليله
الثّاني إلحاق غيره منمطلق الأمارات بل الأصول الحكميّة و الموضوعيّة به
في الجملة ضرورة أنّ تفويت الواقع اللاّزم من جعل الحكم الظّاهري في الجملة
لا يختصّبموارد الأمارات نعم
في مورد الاحتياط و التّخيير العقلي لا يتصوّر تفويت الواقع من جعل الحكم
الظّاهري لأنّ مرجع الأوّل إلى إحرازالواقع المحتمل أو المقطوع و الثّاني
إلى الأخذ باحتمال الواقع فيما لا يمكن إحرازه فكيف يتصوّر تفويت الواقع
فيه من جعل الشّارع و الّذي يدفع بهالإشكال عن جعل الحكم الظّاهري في
موارد الأصول فيما يتوجّه عليه هو الوجه الثّاني لعدم ملاحظة الطّريقيّة في
الأصول و إلاّ لم يكن أصلا نعم
فيما لم يكن هناك إلاّ مجرّد رفع المؤاخذة و العقاب عقلا كما في موارد البراءة العقليّة لا يلزم هناك ملاحظة مصلحة كما هو واضح قوله
ثمّ إنّه ربما ينسب إلى بعض إلى آخره(٢)
أقول
ذلك البعض من العامّة كالعقال و ابن الشّريح و أبي الحسين البصري و
مستندهم على ما حكيوجهان أحدهما أنّ ترك العمل بخبر الواحد مظنّة للضّرر و
دفع الضّرر المظنون واجب عقلا ثانيهما أنّه لو لم يجب العمل بخبر الواحد
للزم خلوّ أكثرالوقائع عن الحكم و اللاّزم قبيح فكذا المقدّم و القبيح محال
على الحكيم تعالى هذا و العنوان في كلامهم و إن كان خصوص خبر الواحد إلاّ
أنّ قضيّة دليلهمالتّعميم كما لا يخفى و يرد على الأوّل أنّه إن أراد
إثبات ذلك حيث يعلم بقاء التّكليف و انسداد باب العلم و غيرهما من مقدّمات
دليل الانسدادفهو حسن على ما عليه المشهور من إنتاجها حجيّة الظّن بحكم
العقل إلاّ أنّه خروج عن محلّ البحث فإنّ الكلام إنّما هو في صورة الانفتاح
مضافاإلى أنّ قضيّته ليس وجوب الجعل على الشّارع كما ستقف عليه و إن أراد
إثبات ذلك مطلقا ففساده غنّي عن البيان هذا و أمّا الجواب عن الثانيفيظهر
بإمعان النّظر فيما أفاده شيخنا الأستاذ العلاّمة قوله
فإن أريد وجوب إلخ(٣)
أقول
لا يخفى عليك أنّ هذا الكلام منه دام ظلّهمبنيّ على ما هو المعروف من
إفادة مقدّمات الانسداد لحجيّة مطلق الظّن أو الظّن في الجملة لا على ما
سيبني عليه من عدم إفادة مقدّماتالانسداد لحجيّة الظّن مطلقا قوله
إذ لا يعلم العقل بوجود مصلحة في أمارة إلخ(٤)
أقول
قد يمنع وجوب الجعل على الشّارع على هذاالفرض أيضا إذ غاية ما هناك
صلاحيّة الأمارة حينئذ لتعلّق الجعل بها من الشّارع و أمّا وجوبه عليه مع
فرض إمكان تحصيل الواقع كما هو المفروضفلا دليل يقضي به هذا و لكنّك خبير
بضعف ذلك إذ الأفعال في حقّه تعالى إمّا واجب الوجود أو ممتنع الوجود و ليس
ما يكون في حقّه جائزاأو ممكنا بالنّظر إلى الحكمة الإلهيّة كما برهن عليه
في محلّه و إن كان الممكن بالذّات في حقّه تعالى فوق حدّ الإحصاء قوله
اللّهمّ إلاّ أن يكونإلخ(٥)
أقول
لا يخفى عليك أنّه قد يورد عليه بأنّه إن أريد من الجرح ما يوجب الاختلال
الذي يستقلّ العقل بقبح جعل الحكيم ما يؤدّي إليهكما ربما يستظهر من
العبارة ففيه أنّه مع هذا الفرض يستقلّ بحجيّة الظّن مطلقا أو في الجملة إذ
هذا رجوع في الحقيقة إلى فرض الانسداد و حكمالعقل بحجيّة الظن ليس مختصّا
بزمان الغيبة بل يدور مدار وجود مقدّمات برهان الانسداد متى كان فلا يحكم
في هذا الفرض أيضا بوجوب الجعلعلى الشّارع بل يستقلّ العقل بالحكم بحجيّة
الظّن و إن أريد ما نفاه الشّارع بالعمومات النّافية للحرج ممّا لم يصل إلى
المرتبة الموجبة لاختلالالنّظم بناء على ما هو المحقّق عندنا تبعا
للمحقّقين من كون نفي هذا النّحو من الحرج بالشّرع و لذا وقع كثيرا لا
بالعقل كما ربما يتوهّم من حيث