بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٦٠
إنّما هو العقل و نحن ندّعي أنّه لا يفرّق العقل في الحكم بقبح المخالفة
القطعية العملية بين كونها في واقعة أو واقعتين و يعلم صدق هذه الدّعوى من
راجعالعقل و العقلاء مراعيا للإنصاف تحقيقات متعلّقة بحكم المخالفة القطعيّة التّدريجيّة
فإن قلت
لو لم يجوّز العقل المخالفة القطعيّة التّدريجيّة لم يجز للشّارع أن يحكم
بالتّخيير الاستمراري بين قوليالمجتهدين للمقلّدين فيما يعلم بحقّه أحدهما
كما إذا أفتى أحدهما بالوجوب و الآخر بالحرمة أو أحدهما بوجوب صلاة الظّهر
و الآخر بوجوب صلاة الجمعةو لا بين الخبرين المتعارضين أو غيرهما من
الأدلّة و الأمارات المتعارضة فإنّه و إن قيل بعدم التّخيير من جهة عدم
الدّليل عليه أو الدّليل على عدمهإلاّ أنّه لم يقل أحد بقبح تجويزه على
الشّارع و لوجب الحكم أيضا بالبقاء على من قلّد مجتهدا ثمّ مات و يعلم
بلزوم المخالفة القطعيّة العمليّة من العدولإلى المجتهد الحيّ أو قلّد أحد
المتساويين في مرتبة الاجتهاد ثمّ صار غير من قلّده أعلم إلى غير ذلك من
الموارد مع أنّ الظّاهر من الأكثر هو الحكم بوجوبالعدول فيها على المقلّد فإن قلت
القبيح هو الإذن من أوّل الأمر بفعل ما يستلزم منه المخالفة القطعيّة
العمليّة و في مسألة العدولعن الميّت إلى الحيّ و عن غير الأعلم إلى
الأعلم ليس الأمر كذلك(قلت)ما تقول في مسألة التّخيير الاستمراري بين قولي
المجتهدين و بين الخبرين معأنّ الإذن في المخالفة القطعيّة فيها من أوّل
الأمر قلت
ليس من الجائز قياس جواز المخالفة القطعيّة العمليّة التدريجية في المقام
على جوازهافي الموارد المذكورة و أشباهها حيث إن مرجع تجويز الشّارع في
موارد النّقض إلى جعل الالتزام بالحكم المحتمل أو أحد الطّريقين في كلّ
واقعة و الأخذبمقتضاه و العمل عليه امتثالا للحكم النّفس الأمري فمخالفته
متداركة و هذا بخلاف الالتزام بالإباحة فإن مرجعه إلى تجويز المخالفة
القطعيّةمن دون تدارك و من هنا ذكر قدّس سرّه و أمّا لو التزم بأحد
الاحتمالين إلى آخره و هذا هو المراد بقوله دام ظلّه و تعدّد الواقعة إنّما
يجدي إلى آخره لا مايتوهّمه الجاهل هذا و ستقف على بعض الكلام في ذلك في
الجزء الثّاني من التّعليقة فإن قلت
إنّا نمنع من لزوم المخالفة القطعيّة العملية من الحكمبالجواز و إباحة
كلّ من الفعل و التّرك فإنّ لنا أن نختار أنّه يجب عليه إمّا الفعل دائما
أو الترك كذلك فلا يلزم منه محذور أصلا قلت
هذا عين الالتزام بمقالة القائل بالتّخيير فإنّ مقصوده ليس أزيد من ذلك توضيح ذلك
أنّ اختيار واحد من الفعل و التّرك دائما إن كانبمعنى إيجاب الشّارع له
في مرحلة الظّاهر فهو راجع إلى القول بالتخيير الابتدائي حقيقة و إن كان مع
تجويز خلافه في حكم الشّارع فيرجع إلى تجويز المخالفةالقطعيّة و إن لم
يتحقّق في الخارج و هو قبيح على الحكيم تعالى في حكم العقل و لا ثالث لذينك
فتأمّل
هذا محصّل ما يقال في توضيح ما ذكرهدام ظلّه و إفادته و فيه بعض سؤالات أخر ستقف عليه في الجزء الثّاني من الكتاب ثانيهما
ما ورد في الخبرين المتعارضين ممّا يدلّ على التّخييربينهما عند التّعادل
فإنّ موردهما و إن كان الخبرين المتعارضين إلا أنّه يمكن استفادة حكم
المقام منه بتنقيح المناط أو بالأولويّة القطعيّة فإنّه إذا لميجوّز
الشّارع المخالفة للحكم الظّاهري فعدم جوازه لمخالفة الحكم الواقعي
بالطّريق الأولى و إلى هذا الوجه أشار بقوله و يمكن استفادة المطلبمن فحوى
إلى آخره هذا و لكنّك خبير بأنّ المناط غير منقّح و الأولويّة ممنوعة على
بعض التقادير و غير نافعة في المقام على بعض التّقادير الأخر و قد أورددام
ظله على الاستدلال بهذا الوجه في الجزء الثاني من الكتاب بما ستقف بيانه
منّا ثمّة ثمّ
إنّه بقي في المقام خبايا في زوايا لا نقدرعلى الإشارة إليها من جهة ضيق
المجال و تشتّت البال و اللّه الموفّق و هو الهادي إلى الصّواب ثمّ
اعلم أنّ ما ذكره دام ظلّه في المسألة لا دخلله بما هو محلّ الكلام و
البحث فإنّه كان في المخالفة الالتزاميّة المحضة و ما ذكره فيها مبنيّ على
المخالفة العمليّة و لا اختصاص لما ذكرهبالفرض بل يجري في جميع الصّور
الشّبهة الحكميّة فإنّ المخالفة الالتزاميّة المحضة لا توحد فيها فهي خارجة
عن محلّ الكلام نعم
لا إشكالفي وجودها في الشّبهات الموضوعيّة فما أفاده في حكم المقام
فإنّما هو مع قطع النّظر عن هذه الملاحظة و إلى ما ذكرنا كلّه أشار بقوله
لكن هذاالكلام لا يجري إلى آخره و لعلّ الوجه في أمره بالتّأمّل في المقام
هو إمكان منع الأمر المنجّز في واقعتين إذا فرض عدم الابتلاء بهما في زمان
واحد فتأمّل في عدم جواز المخالفة لخطاب تفصيلي في مقام العمل
قوله
و أمّا المخالفة العمليّة فإن كانت لخطاب إلخ(١)
أقول
المخالفة العمليّة قد تكون لخطاب معيّن مفصّل قد وقع الاشتباه في
متعلّقهو قد تكون لخطاب مردّد بين الخطابين بمعنى العلم بوجود أحدهما و
هذان قد يكونان من نوع واحد سواء كانا تحريميّين أو وجوبيين و قد يكونانمن
نوعين كالوجوب و التّحريم و على جميع التّقادير إمّا أن يكون الشّبهة
حكميّة أو موضوعيّة فإن كانت المخالفة لخطاب تفصيلي فلا إشكالفي عدم
جوازها مطلقا سواء كانت في الشّبهة الموضوعيّة أو الحكميّة لاستقلال العقل
بقبح مخالفة الخطاب المعلوم في الفرض بحيث لا يجوزللشّارع الإذن فيها و بعبارة أخرى
العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي في تنجّز الخطاب به عند العقل فلا يجوز
مخالفته القطعيّة على ما هيالمقصود بالبحث فحينئذ إن قلنا بأنّ المراد من
العلم الرّافع لموضوع الأصول الأعمّ من العلم الإجمالي فلا إشكال و إن قلنا
بظهوره في العلم التّفصيلي فلا بدّمن رفع اليد منه و جعل المراد الأعمّ
لملاحظة ما عرفت من حكم العقل هذا و لكن قد خالف فيما ذكرنا فريقان أحدهما
من يرى جوازالمخالفة مطلقا و لو كانت دفعة ثانيهما
من يرى جوازها تدريجا و لا يجوزها دفعة و سنتكلّم فيما هو المستند لهما مع ردّه في الجزء الثّاني