بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٥٩
لم يكن إشكال في جواز الحكم بالإباحة و الوجه فيما ذكرنا ظاهر بعد التّأمل فيما قدّمنا لك من الكلام في نقل كلام صاحب الفصول
قوله
نعم صرّح غير واحد من المعاصرينإلخ(١)
أقول
ممّن اختار هذا التّفضيل فاضل عصره صاحب الفصول حيث قال بعد جملة كلام له
في نقل الأقوال في المسألة ما هذا لفظهو التّحقيق أنّه إن قام دليل من
إجماع أو غيره على المنع من التّفصيل مطلقا و لو بحسب الظّاهر أو قام على
أحد القولين أو الأقوال ما يكون حجّة باعتبارإفادة الواقع لم يخبر التّفصيل
و إلاّ جاز لنا على المنع في الصّورة الأولى أمّا في القسم الأوّل منهما
فلأنّه إذا قام دليل معتبر على المنع من التّفصيل و لو عندعدم قيام دليل
على أحد القولين أو الأقوال أو على الجمع كان التفصيل معلوم البطلان ظاهرا و
واقعا إلى أن قال و لنا على الجواز في الصّورةالثّانية عدم قيام دليل صالح
للمنع فيجب اتباع ما يقتضيه الأدلّة التي مفادها الظاهر و إن أدّى إلى
القول بالتّفصيل و خرق الإجماع و لا يقدح العلمالإجمالي ببطلان أحد
القولين بحسب الواقع لأنّ ذلك لا ينافي صحبتهما بحسب الظّاهر كما يكشف عنه
ثبوت نظائره في الفقه في موارد كثيرة كقولنابصحة الوضوء بالماء القليل
الّذي لاقى أحد الثّوبين المشتبه طاهرهما بالمتنجّس و بطلان الصلاة فيه مع
أنّ هذا التفصيل باطل بحسب الواقع قطعالأنّ الثّوب الملاقى إن كان نجسا بطل
الوضوء و الصّلاة معا و إن كان طاهرا صحّا معا و كقولنا فيما لو ادّعى
الزّوجيّة أحد الزّوجين و أنكر الآخربأنّه يلزم المدّعي بما عليه من الحقوق
و الأحكام دون مقابله إلى أن قال بعد جملة كلام له و هذا عند التحقيق من
قبيل مسألة واجدي المنيفي الثّوب المشترك حيث يحكم عليهما بالطّهارة لا من
قبيل مسألة الإناءين المشتبه طاهرهما بالنّجس حيث يحكم فيهما بوجوب
التّجنب لليقين الإجماليانتهى كلامه رفع مقامه و مراد الأستاذ دام ظلّه من
البعض في قوله و قاسه بعضهم على العمل بالأصلين المتنافيين في
الموضوعاتهو هذا الفاضل حسبما عرفت القياس من كلامه قوله
لكن القياس في غير محلّه إلخ(٢)
أقول
قد عرفت سابقا عدم الفرق في محلّ البحثبين الشّبهة الموضوعيّة و الحكميّة
أصلا فالقياس الّذي ذكره قدّس سرّه في محلّه لوحدة المناط في المقامين قوله
إذ اللاّزم من منافاتالأصول إلخ(٣)
أقول
لا يخفى عليك أنّ هذا الكلام ممّا لا ينبغي صدوره منه دام ظلّه العالي
لأنّ الظّاهر منه جريان الأصول حتّى معالعلم التفصيلي بالحكم الإلزامي
فيما لا يلزم منه مخالفة عمليّة و هو كما ترى لعدم تعقّل جريان الأصل مع
العلم التّفصيلي بالحكم كما هو واضح و توجيهما ذكره و إن كان ممكنا بحيث
يحكم بكون مراده غير ظاهره إلا أنّه يحتاج إلى تجشّم بعيد في الغاية قوله
و لا يبعد حمل إطلاق كلمات العلماء إلخ(٤)
أقول
قد عرفت أنّ كلماتهم نصّ في عدم جواز الطرح بحسب الالتزام فكيف يمكن حملها
على ما ذكره كما أنّك قد عرفت أيضا أن طرح قول الحجّةبحسب الالتزام و لو
كان في الحكم الغير الإلزامي موجب للكفر في وجه فكيف يجوز الحكم بجوازه إلا
أنّك قد عرفت أنّه يحتمل أن يكون مراده دام ظلّه منالالتزام غير ما هو
الظّاهر منه فراجع في بيان وجه ظهور كلام الشيخ في التّخيير الواقعي مع ما يتعلّق به
قوله
فإنّ ظاهر الشّيخ رحمه الله الحكم بالتّخيير الواقعي و ظاهر المنقول عن بعض إلخ(٥)
أقول
ظهور كلام الشيخعليه الرّحمة في التّخيير الواقعي المستلزم لطرح قول
الإمام عليه السلام إنّما هو من جهة أنّه حكم بعدم جواز اتّفاق الأمّة بعد
الخلاف على أحد القولينمن حيث استلزامه لبطلان التّخيير كما ستقف على
كلامه فيما سيأتي فإنّ ظاهر هذا كون التّخيير واقعيّا فإن التّخيير
الظّاهري إنّما يدور مدار الاختلافالموجب للتّحير فلا يعقل أن يمنع من
الاتّفاق بعد الاختلاف كما هو واضح إلاّ أنّه يمكن أن يقال أنّ مراده من
التّخيير هو التّخيير الظّاهري حسبما استفادهجماعة و أجابوا عن إيراد
المحقّق على الشيخ رحمه الله بأنّ في التّخيير أيضا طرحا لقول الإمام عليه
السلام بأنّ مراده من التّخيير هو التّخيير الظّاهري فلا يكون طرحا لقوله
عليه السلام و يكون ما ذكره من اللاّزم مبنيّا على زعم التّلازم بين القول
بالتّخيير و بطلان التعيين مطلقا و في قسمي التّخيير غفلة عن حقيقة الحال ثمّ
علىتقدير ظهوره لا يقاوم ما هو صريح المحقّق و غيره ممّن أجابوا و ممّن
أوردوا على الشّيخ رحمه الله و لعمري إنّ في مثل هذا كفاية في منع الحكم
بإمكان كون المرادمن كلماتهم المطلقة ما ذكره دام ظلّه هذا و أمّا ظهور
كلام القائل بالرّجوع إلى الأصل فيما ذكره دام ظلّه فممنوع إذ لم يظهر منه
الالتزامبخلاف الحكم المعلوم إجمالا بحسب الواقع بمعنى الحكم بالإباحة
الواقعيّة فيما كان القولان على الوجوب و الحرمة بل غاية ما يظهر منه الحكم
بالإباحة ظاهرافإنّ مفاد الأصل لا يعقل إلاّ أن يكون ذلك كما هو ظاهر لا
يخفى نعم
قد عرفت في طيّ ما قدّمنا لك أنّ التّخيير الظّاهري كالإباحة الظّاهرية قوله
نعم ظاهرهم في مسألة دوران الأمر إلخ(٦)
أقول
لا يخفى عليك أنه دام ظله و إن سلّم هذا الظّهور في المقام و قوّاه إلاّ
أنّه دام ظلّه لم يسلّمه في الجزءالثّاني من الكتاب و حكم على سبيل الجزم
بعد وجوب الالتزام بأحد الحكمين ثمّ
إنّ حاصل ما ذكره دام ظلّه في الاستدلال على ما قوّاه في المقاميرجع إلى وجهين أحدهما
كون الرّجوع إلى الأصل بالنّسبة إلى كلّ من الفعل و التّرك مستلزما
للمخالفة العمليّة فإنّه إذا بنى المكلّف على جوازكل من الفعل و التّرك فقد
يختار الفعل و قد يختار التّرك فيعلم بتحقّق المخالفة العمليّة القطعيّة
منه فإنّه إن كان الفعل واجبا فقد تركه و إنكان حراما فقد فعله و هي قبيحة
عقلا حتّى في الشّبهة الموضوعيّة على ما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى فإن قلت
إنّه و إن استلزم منهالمخالفة القطعيّة العمليّة إلاّ أنّه لا دليل على
قبحها إذا كانت في واقعتين على ما هو المفروض في محلّ البحث قلت
الحاكم في المقام و أشباهه