بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٥٧
عدم الإباحة في مرحلة الواقع لا في مرحلة الظّاهر إذ التّلازم بينهما إن كان من جهة التّنافي بين ثبوت أحد الحكمين في الواقع و الإباحة بحسب الظّاهرففيه أنّ المسلّم عندهم عدم التّنافي بين الحكمين المذكورين و إلاّ كان ثبوت الحكم الظّاهري مشروطا بعدم مخالفته للواقع و هو محال إذ بعد العلمبالحكم الواقعي لا يعقل وجود الحكم الظّاهري فكيف يعقل في ثبوته موافقته له أو كونه إخبارا عن مجرّد المعذوريّة و هو كما ترى بمكان من الضّعفو السّقوط بحيث لا يرتاب في فساده جاهل و أيّ فرق بين قوله صلّى اللّه عليه و آله مثلا(كلّ ماء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر)و قوله صلى اللَّه عليه و آله (خلق اللّهالماء طهورا لا ينجسه شيء إلاّ ما غيّر لونه أو ريحه)و كذا أي فرق بين قوله صلى اللَّه عليه و آله (كلّ شيء لك حلال حتى تعلم أنّه حرام)و بين قوله تعالى(أحلّ لكمالطيبات)و بين قوله عليه السلام (لا تنقض اليقين بالشّك)و بين قوله صلى اللَّه عليه و آله (لا تنفض الوضوء الخفقة و الخفقتان)و هكذا في بيان عدم التّلازم بين أحد الإلزاميّين و عدم الإباحة الظّاهريّة بأي جهة اعتبرت نعم ثبوت المعنى المذكورلا غبار فيه بالنسبة إلى موارد خصوص البراءة العقلية و أين هذا من إطلاق القول برجوع الحكم الظّاهري بقول مطلق بالنسبة إلى مفاد الأماراتو الأصول إلى المعذوريّة في مخالفة الواقع لو اتّفقت و هذا الّذي تسالموا عليه و إن كان محلاّ للتأمّل عندنا و قابلا للنقض و الإبرام إلاّ أنّه منالواضحات عند القوم هذا و إن كان من جهة رجوع حكم الشّارع بالإباحة إلى ترخيص الشّارع و تجويزه لمعصية التكليف المعلوم بالإجمال ففيهالمنع من ذلك إذ هو المفروض هذا كلّه مضافا إلى عدم الفرق عند التحقيق بين الإباحة الظّاهريّة و التّخيير الظّاهري الّذي التزم به الخصم فرارا عن المخالفةالالتزامية ضرورة مغايرة التّخيير و لو كان ظاهريّا للتعيين و لو كان واقعيّا و بعبارة أخرى كون الحكم الظّاهري أحد الحكمينتخييرا يغاير كون الحكم الواقعي أحدهما المعيّن عند اللّه تعالى نعم المختار لا يعلم مخالفته للواقع لاحتمال موافقته له لكنّه غير التّخيير و الكلام إنّماهو فيه لا في المختار كما هو ظاهر هذا و إن كان من جهة عدم مساعدة أدلّة البراءة و الإباحة لإثبات الإباحة الظّاهريّة فيما علم بثبوت أحدالحكمين الإلزاميّين لانصراف أدلّتها اللفظيّة إلى غيره و عدم قيام الإجماع عليها في الفرض و عدم استقلال العقل بها فيه فهو كلام آخر غير مانعيّةمخالفة الالتزاميّة و طرح قول الشّارع مضافا إلى أنّه لا يلزم منه الالتزام بأحد الحكمين أيضا إذ كما أنّه لا دليل على الإباحة في المقام على ما فرضكذلك لا دليل على الالتزام في مرحلة الظّاهر بأحد الحكمين إذ الدّليل عليه إن كان ما دلّ على وجوب تصديق الشّارع في أحكامه و التّدين و الالتزامعلى نحو ثبوته فقد عرفت أنّه لا معنى له إذ كما لا يمكن منعه عن الحكم المغاير في مرحلة الظّاهر في موضع البحث كذلك لا يمكن إثباته للحكم المغاير بل المحتملموافقته له في مرحلة الظّاهر و إن كان من جهة الاحتياط في إدراك الواقع و رعاية وجوب الالتزام ففيه أنّ الاحتياط بالنّسبة إلى دليل وجوبالالتزام لا يقتضي الالتزام بمحتمل الإلزام بل لا يمكن اقتضاؤه لذلك كما هو الظّاهر لأنّه تشريع محرّم بالأدلّة الأربعة فإن شئت قلت إنّ هذاالحكم لا يقبل الاحتياط قطعا نعم بعد قيام الدّليل على ثبوت التخيير في مرحلة الظّاهر يجب الالتزام به كذلك من جهة العلم بثبوته لا منجهة الاحتمال و إن كان ما دلّ على وجوب التخيير بين المتعارضين و لو بالفحوى من حيث إنّ رعاية الشّارع للحكم الواقعي في المقام أولى من رعايته للحكمالظّاهري و بعبارة أخرى العلم بأنّ حكم الواقعة أحد الحكمين أقوى من دلالة المتعارضين على نفي الثّالث فيرد عليه أنّه لم يعلم مناط حكمالشّارع بالتخيير بين الخبرين المتعارضين حتّى يتعدّى منهما إلى الاحتمالين كما ستقف عليه و منه يظهر النّظر في قوله قدّس سرّه فيما سيجيء و يمكن استفادةالمطلب من فحوى أخبار التخيير إلى آخره فاللاّزم على تقدير عدم مساعدة دليل الإباحة التّوقف عن الحكم ظاهرا و الالتزام بثبوت أحد الحكمين واقعاو لا دليل على وجوب الالتزام بحكم ظاهري في كلّ واقعة معيّنا و إن كان ثابتا في نفس الأمر إذا لم يتوقّف العمل عليه كما هو المفروض هذا فإن شئتقلت إنّ ما دلّ على وجوب الالتزام فإنّما يدلّ على كبرى كليّة لا يمكن أخذ النّتيجة منه بالنّسبة إلى الخصوصيات إلاّ بعد ضمّ صغرى وجدانية أو برهانيّةفإذا أردنا إثبات الالتزام بخصوص الوجوب مثلا فلا ينفع فيه مجرّد ما دلّ على وجوب الالتزام بما جاء به الشّارع بل لا بدّ من إثبات كونه حكم اللّهتعالى و ممّا جاء به الشّارع و كذلك إذا أردنا الالتزام بكون حكم الواقعة أحد الحكمين تخييرا أو الواجب أحد الشيئين تخييرا فإن أردنا الالتزام بكونالحكم الواقعي للواقعة التّخيير فلا بدّ من إثبات كون الحكم الواقعي التّخيير و إن أردنا الالتزام بالتخيير الظّاهري فلا بدّ من إثبات كون الحكم الظّاهري ذلكمن الخارج فعلى كلّ تقدير لا ينفع في ذلك مجرّد وجود دليل الالتزام هذا و بعبارة أوضح إثبات وجوب التخيير بين الحكمين أو الأخذ بمحتملالحكم بما دلّ على وجوب الالتزام بالأحكام الشّرعية غير معقول إذ مرجعه إلى التّمسك بالدليل على الحكم مع الشّك في موضوعه و التّمسك بالاحتياطلذلك مع أنّه لا دليل عليه غير معقول أيضا إذا الاحتياط ينافي الالتزام مضافا إلى أنّ مورده في غير دوران الأمر بين المحذورين حسبما عرفتمفصّلا و بعبارة أخصر إن أراد القائل بالتخيير من الحكم الّذي يلزم من الرّجوع إلى الأصل مخالفته من حيث الالتزام الحكم الواقعي فيمنع لزوم مخالفتهإذ الأصل لا ينفي الحكم بحسب الواقع كيف و لا يعقل ذلك و إن أراد الحكم الظّاهري أعني التخيير فالرّجوع إلى الأصل و إن استلزم نفيه إلاّ أنه يمنع عنكونه حكما ظاهر بالواقعة إلاّ بعد قيام الدّليل عليه فإثباته بما ذكر دور ظاهر هذا و إلى ما ذكرنا أشار بقوله قدس سره و أمّا دليل وجوب الالتزام