بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٣٧
الوجه في الاستشكال الثّاني أيضا إذ بعد البناء على إطلاق كلّ من دليلي
حجيّة العقل الفطري و النقل المقابل له مع عدم دليل هناك على التّرجيح لا
بدّمن أن يستشكل في حكم تعارضهما فالإشكال الأوّل مبنيّ على الإشكال في
الإطلاق و الثّاني مبنيّ على القطع بالإطلاق من الجانبين مع الإشكال
فيتقديم أحد الإطلاقين نعم
ما أفاده قدّس سرّه من أنّه لا ينبغي الإشكال في تقديم العقل الفطري على
تقدير تسليم إمكان التّعارض لا سترة فيهأيضا إذ أمر العقل الفطري أوضح و
أظهر من حجيّة قول النّبي صلى اللَّه عليه و آله و الوليّ عليه السلام بل
ثبوت الصّانع جلّ ذكره الّذي هو مبني حجيّة قولهما كما لا يخفى لكن يمكن أن
يقال أنّه علىمذهب الحقّ لا غبار فيه أصلا إذ ثبوت جميع هذه الأمور لا
بدّ من أن ينتهي إلى العقل لا محالة لامتناع أن يثبت بالنّقل كما هو واضح
بديهيّ و أمّا علىمذهب هؤلاء الجامدين الذّاهبين إلى أنّ حجيّة العقل
الفطري إنّما هي من جهة الأخبار من غير التفات إلى لزوم الدّور و المحظورات
الأخر فلا مناصعن الإشكال فإن كان هناك كلام معهم ففي أصل المبنى الّذي
زعموه في المقام و إلاّ فيمكن توجيه أكثر كلماتهم المبتنية عليه مع الإغماض
عنه كما لا يخفى قوله
قدس سره فلا يجوز أن يعارضه دليل نقلي و إن وجد إلخ(١)
أقول
المراد من عدم الجواز عدم الإمكان كما أن المراد من الظّهور في قوله ما
ظاهرهالمعارضة الظّهور النّوعي بحسب اقتضاء وضع اللّفظ مع قطع النّظر عن
ملاحظة الدّليل العقلي القطعي الموجود في المسألة على خلافه ضرورة أنّه لا
يبقىظهور مع قيام القرينة القطعيّة على خلاف أصالة الحقيقة و لو نوعا و من
هنا ذكروا أنّ أصالة الحقيقة و الظّهور من الأصول التّعليقيّة بل
التّحقيقأنّ الظّهور في باب الألفاظ يلاحظ فيه عدم القرينة و لو من جهة
كونها مانعة عن مقتضى الوضع فإذا اقتضى البرهان العقلي القطعي عصمة
الأنبياء والأولياء و الملائكة عليهم السلام فلا محالة يعلم أنّ المراد من
قوله تعالى و عصى آدم ربّه و غيره ممّا يقتضي من الآيات بحسب وضعه عدم
العصمة و تخطئةالأنبياء بالمعنى الّذي عرفته خلاف ظاهره و إن لم يتعيّن في
حكم العقل معنى مخصوصا و كذا إذا اقتضى مثلا تنزيه اللّه جلّ جلاله عن
الجسميّة فلا محالةيعلم أنّ المراد من قوله تعالى اللّه نور السّماوات و
قوله الرّحمن على العرش استوى خلاف ظاهرهما و كذا الكلام فيما ورد في شأن
سيّدنا و مولاناأمير المؤمنين عليه السلام من كونه عين اللّه و يد اللّه و
قدرة اللّه و هو الأوّل و الآخر و هو الخالق و الرازق إلى غير ذلك و هكذا
سائر الآيات و الأخبار الواردةفي المطالب الّتي يستشكل العقل في الحكم
بخلافها فلا تعارض أصلا و المراد من قوله قدّس سرّه فلا بدّ من تأويله إن
لم يمكن طرحه كما في القطعي الصّدورليس هو تعيّن الطّرح فيما أمكن الطّرح
إذ المستفاد من مفهوم هذا الكلام عدم تعيّن التأويل عند إمكان الطّرح لا
تعيّن الطّرح فيجوز ترجيح التّأويلعند الإمكان من حيث تحكيم أدلّة الصّدور
على الدّلالة في مفروض البحث كما هو الحقّ عند شيخنا الأستاذ العلاّمة
فيما ستقف عليه في مسألة التّعارض في بيان المراد من الزمان في قول المحدث البحراني مع ما يتعلق بالمقام
قوله
قدّس سرّه و كلّما حصل القطع من دليل نقلي إلخ(٢)
أقول
لا يخفى عليك أن المراد من الزّمان في قوله ليس هو الزّمان الحاصل من
حركةالفلك ضرورة كونه من أجزاء العالم بل الزّمان الوهمي فالمراد بالحدوث
الزّماني ما في قبال الحدوث الذّاتي الّذي هو أحد معنيي قدم العالم المبتني
على وجودالصّانع بخلاف المعنى الآخر الّذي يلزم عدم وجود الصّانع فإذا دلّ
الدليل الشّرعي من إجماع أو آية أو سنّة قطعيّة على حدوث العالم زمانا لم
يلتفتالبرهان المغالطي بأنّ العالم معلول لوجود الباري تعالى جلّ شأنه
فإذا كان قديما فلا بدّ أن يكون العالم قديما أيضا و إلاّ لزم انفكاك
المعلولعن العلّة و الأثر عن المؤثر غاية ما هناك تقدّم وجود الباري تعالى
ذاتا على العالم و هو المراد بالحدوث الذاتي فإنّه إذا حصل القطع من
الدّليلالشّرعي و هو إجماع جميع أهل الشّرائع الكاشف قطعا عن قول الأنبياء
صلوات اللّه عليهم أو غيره على حدوث العالم زمانا بمعنى المتقدّم فيمتنع
حصولالقطع من البرهان المزبور على خلافه فإن أمكن الجواب التّفصيلي عنه
بأنّ العلّة هي إرادة الباري تعالى شأنه و هي و إن رجعت إلى صفة الذّات و
هيالعلم بالأصلح إلا أنّ المصلحة اقتضت تأخير الإيجاد و تكوين عالم الخلق و
إلاّ تقارنت الموجودات السّابقة و المتأخّرة بالحسّ و وجدت جميع أجزاء
العالممع الذّات كما أنّها موجودة بأسرها بالوجود العلمي بوجود الذات فتأمّل
فهو و إن عجزنا عن الجواب التّفصيلي فنقول بعد العلم بالحدوث إنّا
نعلمإجمالا ببطلان بعض مقدّمات البرهان و إن لم نقدر على تميز الباطل عن
غيره كما يقال بعد العلم بالأمر بين الأمرين في ردّ ما أقاموه على الجبر
بأنّالممكن حال عدم وجود علّته ممتنع الوجود و بعده واجب الوجود فينتهي
إلى علّة العلل لا محالة فيلزم الجبر بأنّ ما ذكروه شبهة في مقابل
البداهةالّتي اقتضت الاختيار مضافا إلى الجواب التفصيلي الّذي يطول المقام
بذكره و هكذا الكلام في البرهان الّذي أقاموه على وحدة الوجود بالمعنى
المتوهّمالمعروف الفاسد لا بالمعنى الصّحيح الّذي لا مناص عنه و على إثبات
العقول من حيث إنّ الواحد من جميع الجهات و الحيثيّات يمتنع أن يصدر عنه
إلاّ الواحدو على عدم أفضليّة الأئمّة الاثني عشر سلام اللّه عليهم أجمعين
على أولي العزم من الرّسل من حيث كونهم جامعين لمرتبة النبوّة و الولاية
المطلقةكما توهّمه من لا خبرة له مع أنّ المذهب على خلافه و قد كثر فيه
الأخبار و الآثار بحيث بلغت أعلى مرتبة التّواتر و لعمري
إنّ هذا التوهّم جهل بمراتبهمو مقاماتهم صلوات اللّه عليهم كيف و إنّ
تفاوت الأنبياء في الفضل من حيث اختلاف سبقتهم في قبول الولاية و إنّ
أفضليّة الخليل من حيث سبقتهفي الإيمان بهم و افتخاره بكونه من شيعتهم و
مسألته من اللّه تبارك و تعالى أن يجعله من شيعة مولانا أمير المؤمنين عليه
السلام مضافا إلى وحدتهم مع