بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٣٤
في محلّه و أمّا الّذي يقتضيه ظواهر الآيات و الأخبار فهو أمر آخر و حاصله أنّ استحقاق الأجر و الثّواب بحيث يترتب على العمل مشروط بالموافاةلقوله تعالى لَئِنْ اَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ و قوله تعالى مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دينِه فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ الآية و قوله تعالى فأولئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ فيالدُّنْيا وَ الآخِرَةِ و الأخبار الواردة في هذا الباب كثيرة جدّا فمن كان من أهل الموافات و لم يلبس إيمانه بظلم كان ممّن يستحقّ الثّواب الدّائم الخالدو في مقابله من كان من أهل الكفر و مات على كفره فإنّه يستحق العقاب الدّائم الخالد مع التّقصير و من كان ممّن خلط عملا صالحا و آخر سيّئا فإن تاباستحقّ الثّواب إن شاء اللّه تعالى و إن لم يتب فلا يبطل ثواب إيمانه لأنّه إمّا يستحق ثواب إيمانه أو لا و الثّاني باطل عقلا مضافا إلى قوله تعالى فَمَنْ يَعْمَلْمثقالَ ذرّةٍ خيراً يَرَهُ و الأخبار النّاطقة بذلك فتعيّن الأوّل فأمّا أن يثاب ثمّ يعاقب فهو باطل إجماعا لأنّ من أدخل الجنّة لم يخرج منها فيلزمبطلان العقاب أو يعاقب ثمّ يثاب فهو المطلوب الصّحيح و لذا ورد في حقّهم أنّهم يخرجون من النّار كالحمم أو كالفحم فيراهم أهل الجنّة فيقولون هؤلاءالجهنّميون فيؤمر بهم فيغمسون في عين الحياة فيخرجون واحدهم كالبدر في ليلة تمامه هذا بسط مقال فيما يتعلق بالإحباط و إن شئت بسط القول في ذلك حسبما يساعدناالتّوفيق فاستمع لما يتلى عليك فنقول إنّ هنا أمورا أربعة أحدها ما يرجع إلى ما يمنع من تحقّق العمل على الوجه الصّحيح الشّرعيّ الفقهيّ سواءكان من أفعال الجوارح و القلب كالكفر أو إنكار الولاية الخاصّة أو الاعتقاد بخلاف ما يقتضيه أصول المذهب كعصمة الأنبياء و الأولياء و نحوها ممّاثبت عند الإماميّة بناء على ما يقتضيه التّحقيق و عليه أهل الحقّ و نطقت به أكثر الأخبار من كون عبادة المخالف باطلة شرعا لا أن يكون غيرمقبولة بناء على إرادة معنى آخر من القبول غير الصحّة كما يظهر من بعض الأخبار في بادي النّظر و سواء تحقّق في ابتداء العمل أو في أثنائه أو بعده كالعجبحيث إنّه إنّما يتصوّر بعد العمل بخلاف الرّياء فإنّه إنّما يتصوّر قبل العمل و لو بالنّسبة إلى الأجزاء فإنّها عمل أيضا بناء على القول بكون العجب مبطلا للعملبدعوى كون صحّة العمل مراعى بعدم وجوده بعده و هذا كما ترى لا دخل له بمسألة الحبط أصلا إذ مرجعه كما عرفت إلى فقدان شرط صحّة العمل شرعا فوجودالعمل كعدمه ضرورة أنّ عدم المانع من وجود العمل على الوجه الصّحيح كوجود ما يوجب عدمه عدمه و لا ينافي ذلك نفي وجوب القضاء ممّن يؤمن بعدالكفر و الضّلالة فضلا من اللّه تبارك و تعالى كما لا يخفى كما أنّه لا ينافي قبح عقابه على الفروع على تقدير قصوره كما هو واضح فافهم ثانيها ما يرجعإلى ما يمنع من قبول العمل الموجود على الوجه الصّحيح الشّرعي الفقهي سواء كان مقدّما على الفعل أو مقارنا له أو متأخّرا عنه و سواء كان من الأفعال كماورد في شأن جملة من المعاصي أو من صفات النّفس الّتي ترجع إلى الفعل أيضا باعتبار كما ورد في شأن جملة من الصّفات الرذيلة و إليه يرجع اشتغالالنّفس حال العبادة إلى ما يمنع من الخضوع و الخشوع و التوجّه إلى المعبود و الأخبار في هذا الباب و إن بلغت من الكثرة حدّ التّواتر بل تجاوزت عن أوّلمرتبته إلاّ أنّ من الظّاهر الواضح عدم ورودها في بيان شرط صحّة العمل شرعا و إن دلّت على واجب خلقيّ أو شرعيّ فإنّ وجوب تهذيب النّفس عنبعض الملكات الموبقة و الرذائل المهلكة لا يلازم اعتباره شرطا في صحّة العبادة و هذا أيضا كما ترى لا دخل له بمسألة الإحباط إذ مرجعهعند التّأمّل إلى عدم استحقاق العامل ما أعدّ للعمل الصّحيح الغير المجامع لهذه الأمور و إن استحقّ في حكم العقل بعد صحّة العمل شرعا الأجر في الجملةفي مقابل من لم يعمل أصلا أو عمل على الوجه الباطل ضرورة عدم إمكان انفكاك صحّة العمل شرعا و تحقق الامتثال عن استحقاق الأجر في الجملة فلا بدّ منأن يحمل جميع ما ورد في هذا الباب لو كان ظاهرا في نفي الأجر رأسا على نفي بعض مراتب الأجر و القرب كما يحمل عليه ما ورد في باب ارتفاع الصّلاةإلى العرش و مقام القبول و مراتبه بحسب اختلاف حالات المصلّي و صفاته النّفسانيّة و أفعاله الخارجيّة و ضيائها و كدورتها في نظر الجملة و أينهذا من مسألة الإحباط و إن هو إلاّ نظير اقتران العمل ببعض الخصوصيات الموجبة لنقص ثوابه من الخصوصيات الزّمانيّة أو المكانيّة أو غيرهما كالصلاةفي الحمّام مثلا فإنّه لم يتوهم أحد أنّ هذا يرجع إلى الإحباط و إن توهّمه متوهم و زعمه زاعم فسمّاه به غفلة عمّا فيه البحث فلا جدوى لمعارضته و التكلّم معهإذ ثبوت هذا المعنى ضروريّ عند العلماء و تواترت به الأخبار و لا ينفيه العقل أصلا بل يحكم به عند التّحقيق في الجملة ثالثها ما يرجع إلى ما يوجببطلان أصل الأجر و الثّواب مع فرض وجود العمل على الوجه الصّحيح الشّرعي المستحقّ عليه الأجر في الجملة بحكم العقل أي جعله هباء منثورا بعد أن لم يكنكذلك من غير فعل و انفعال و موازنة و هذا هو الحبط المبحوث عنه الّذي حكموا باستحالته عقلا و يخالف ما حكم الشّارع بالضّرورة على ثبوتهمن الميزان في يوم الحساب فلا بدّ من أن يحمل ما ورد ممّا يظهر منه خلافه في الشّرعيات على معنى لا ينافي العقل و ما حكم به ضرورة النّقل حتّى بالنّسبةإلى ما يكون الحبط به مدلولا للأدلّة الثّلاثة كالشّرك فإنّه يحمل على معنى كون معصية الكفر و الشّرك بمقام يفوق بحسب الوزن جميع الطّاعاتفافهم رابعها ما يرجع إلى ما يوجب ترجيح أثره عليه إذا كان فائقا و غالبا بعد الفعل و الانفعال من الجانبين و هذا أيضا لا دخل لهبمسألة الإحباط أصلا و عليه مدار ثبوت الميزان في يوم الحساب ثمّ إنّ هذا بالنّسبة إلى الحبط أي حبط الحسنات بالسّيئات و أمّا عكسهو هو تكفير السّيئات بالحسنات فلا إشكال بل لا خلاف في ثبوته في الشّرعيّات و قد تواتر فيه الأخبار و الآثار في الأبواب المتفرّقة بل يمكن القول