بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢٨٨
العجائز فإنّ الأمر بالنّظر و الاستدلال إنّما هو من جهة عدم حصول المعرفة و العلم بالتّقليد غالبا لا من جهة عدم كفاية العلم بالحقّ الحاصل من غيرهفهو إرجاع إلى ما يتيسّر غالبا سيّما بالنّسبة إلى وجود الصّانع للعالم الّذي دلّ عليه تمام ما في الآفاق و الأنفس و يكون حصول العلم به ضروريّاإن لم يكن فطريّا بل التّحقيق كونه أظهر الظّواهر و من هنا دلّ على ذاته بذاته و به عرفناه فكيف يرجع فيه إلى التّقليد أو يلتمس البرهان الفلسفيو على ما ذكرنا يحمل منعهم عن التّقليد في الأصول مضافا إلى قرائن مذكورة في الكتاب و دعوى كون المطلوب في العقائد اليقين و لا يمكنحصوله من التّقليد نظرا إلى زوال الجزم الحاصل منه بتشكيك المشكّك فاسدة أوّلا بعدم الدّليل على اعتبار غير الجزم و الاعتقاد و المعرفةفي العقائد و لا شبهة في حصول هذه العنوانات بالتّقليد كما تحصل بالنّظر و الاستدلال و ثانيا بأنّ زوال الجزم بالتّشكيك مشترك الورودإذ كثيرا ما يزول الجزم الحاصل من النّظر أيضا في الاستدلال على منع ثبوت العاجر في العقائد و الجواب عنه قوله قدس سره أمّا الأوّل فقد يقال فيه بعدم العاجز إلخ(١)أقول و قد يستدلّ على ذلكمضافا إلى ما في الكتاب بوجوه أحدها قوله تبارك و تعالى و إن جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا فإنّ مقتضاه كون كلّ من لم يعرفالحق مقصّرا من حيث تركه المجاهدة و إلاّ كان مهديا إلى الحقّ و واصلا إليه بمقتضى الآية ثانيها حكم العقل بذلك بعد عرفان كون الغرضمن الخلق المعرفة و لو بملاحظة قوله تبارك و تعالى و ما خلقت الجنّ و الإنس إلاّ ليعبدون أي ليعرفون كما هو مقتضى التّفسير و الحديث القدسيكنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف فلو كان بعض المكلّفين قاصرا و عاجزا عن المعرفة لزم كون خلقته عبثا و لغواثالثها قوله تعالى فطرة اللّه الّتي فطر النّاس عليها و مثله قوله عليه السلام كلّ مولود يولد على الفطرة إلاّ أنّ أبواه يهوّدانه و ينصّرانه و يمجّسانهفإنّ مقتضاهما كون معرفة اللّه عزّ و جل و أوليائه من الودائع الرّبانيّة و الإلهامات الإلهيّة في النّفوس البشريّة لا تزول عنها إلاّ بصارفقويّ فإذا فرض كون المعرفة مكنونة في النّفوس بحسب التّكوين الإلهي فكيف يفرض العجز عنها هذا و الجواب عن الأوّل ظاهر إذا المفروض كونالعاجز عاجزا عن المجاهدة بل ربما يكون غافلا صرفا فكيف يتصوّر في حقّه المجاهدة و الهداية في الآية مترتّبة على المجاهدة و أمّا عن الثّانيفبأنّ المراد بيان الغرض من خلق نوعي الجنّ و البشر و أنّه لتكميل النّفوس بمعرفة باريهم و خالقهم حتّى يترتّب عليها التّشبّه به بكسب الأخلاقالحميدة و الأعمال المحمودة و لا ينافي ذلك عجز بعض الأشخاص و إلاّ لزم عدم وجود المجنون في العالم أو عدم موت أحد في صغره للزوم العبثفي الخلق كما توهّم و منه يظهر المراد من الحديث الشّريف أيضا فإنّ ترتب المعرفة على الخلق المتعلّق لإرادة اللّه عزّ و جلّ لا يلازم عدم وجود العاجزو أمّا عن الثّالث فبأنّ المراد من الآية و الرّواية كون آيات المعرفة موجودة في الأنفس كما أنّها موجودة في الآفاق و لا ينافي ذلك عروضالحجاب عن النّظر إليها و التّأمّل فيها بقصر قاصر و لو بالاكتساب القهري عن الآباء و الأمّهات فافهم و الإنصاف وجود العاجز كما نشاهدبالوجدان مضافا إلى ما ورد في حقّ المستضعف و إلى الأخبار الدّالة على ثبوت الواسطة ممّا عرفت جملة منها سيّما ما عرفته في قضيّة مناظرةالإمام عليه السلام مع زرارة و غيرها كما ذكره قدس سره في الكتابفي أنّ للعالم إلزام الجاهل بتحصيل الظنّ أم لا قوله قدس سره نعم لو رجع الجاهل بحكم هذه المسألة إلى العالم إلخ(٢)أقول قد يناقش فيماأفاده قدس سره بأنّ تكليف العالم بعد رجوع الجاهل إليه فيما يجب عليه البيان و الدّلالة و الإرشاد هو بيان ما استفاده من الأدلّة في حكمالموضوعات و أدّى إليه نظره الاجتهادي القطعي أو الظّني فيما كان الظّن حجّة فإذا استفاد من الأدلّة العقليّة و النّقليّة عدم حجيّة الظّنفي المقام و كون الاعتقاد الظّني كالشّك و أنّه يحرم الالتزام بمقتضاه نظرا إلى كون التّدين الظّاهري في العقائد من آثار العلم لا المعلومو لا الاعتقاد بالمعنى الأعمّ فكيف يجوز له تجويز الجاهل العمل بالظّن و تحصيله فضلا عن أن يجب على العالم إلزامه بتحصيل الظّن و ما يقال فيدفع المناقشة أنّ وجوب إلزامه بتحصيل الظّن إنّما هو من جهة حكم عقله بلزومه إذا احتمل قيامه مقام الاعتقاد العلمي من باب الإرشادو إزالة الخوف الحاصل للنّفس من جهة احتمال تعيين الظّن في حقّه و لا ينافي ذلك كون حكم الظّن في الواقع و في نفس الأمر عدم الحجيّة أ لا ترى أنّهماختلفوا في وجوب تقليد الأعلم و الأورع أو جواز البقاء على تقليد الميّت مع اتّفاقهم على وجوب رجوع العامي الجاهل بحكم المسألتين إلىالحيّ الأعلم من جهة حكم عقله بذلك من حيث كونه متيقّن الاعتبار و غيره مشكوك الاعتبار فالحيثيّتان مختلفتان فإذا دار أمر الجاهل فيالمقام بين البقاء على الشّك و تحصيل الظّن و احتمل تعيين الثّاني و لو من جهة ذهاب بعض إليه فلا محالة يحكم عقله بلزوم تحصيل الظّن من بابالاحتياط فيجب على العالم من باب الإرشاد إلزامه بتحصيل الظّن بهذه الملاحظة و الحيثيّة و إن كان الحكم الإلهيّ الواقعي في الموضوع المذكور هوعدم حجيّة الظّن و حرمة العمل به في نفس الأمر فاسد جدّا أمّا أوّلا فلأنّ حكم العقل المذكور إنّما يتبع احتمال تعيين سلوك الطّريق الظّنيإذا لم يحتمل حرمته كما في تقليد الحيّ الأعلم و إلاّ فأمره دائر بين المحذورين و أمّا ثانيا فلمنافاة ما ذكره لما اتّفق عليه الكلّ من استقلالالعقل بعدم حجيّة ما شكّ في اعتباره و أنّه يجب التّوقف فيه و أمّا ثالثا فلأنّ الّذي يحكم به عقل الجاهل بالمسألة المفروضة سواء احتمل